وختامًا
فإن الباحث لم يقف على مناقشة هذا المبحث وإفراده بالبحث والمناقشة والمدارسة من قِبِلِ أيِّ من الباحثين المعاصرين في سياق مبحث "تسجيل القرآن"؟!، فلماذا كانت مناقشة هذا الضابط إذًا؟!، ويا تُرى ما هي الدواعي لانفراده ببحث هذا الضابط ومناقشته ومدارسته ولم يناقشه أحدٌ ببحث مستقل فيما يعلم؟!، وهل تعد مناقشته تلك من نافلة القول، ومن التعسف والتكلف الذي لا داعي لذكره أصلًا لأنه أمر معلوم بالبديهة أن الذي سَيُسَجَلٌ له القرآنُ لا بد أن يكون رجلًا ذكرًا لا امرأة، أم هي من صلب وأساس موضوع البحث؟!
يبين الباحث أهم تلك الدواعي فيقول:
أولًا: إن من أهم تلك الدواعي تدارك عدم تكرار تلك الواقعة التي قد يستبعد الكثير وقوعها أصلًا، فإن تسجيل صوت النساء للقرآن قد وقع بالفعل وتكرر في عشرينيات القرن الميلادي الماضي من قبل بعض المقرئات في مصر، وأذيعت تلك التسجيلات في الإذاعات الأهلية وبعضها أذيع في إذاعات عالمية إبَّان الحرب العالمية الثانية، وبعض تلك التسجيلات ما تزال موجودة ومتداولة، وقد وقف الباحث على بعض منها، وهي مبثوثة عبر وسائل التقنية الحديثة. (^١)
_________________
(١) - ومن هؤلاء النسوة المقرئات:
(٢) الشيخة أم محمد: أول مقرئة للقراَن الكريم فى مصر، وهى تعتبر أول مقرئة للقراَن الكريم فى مصر، ظهرت فى عهد "محمد على باشا" وكان من عادتها إحياء ليالي شهر رمضان في حرملك الوالي، وكانت تقوم بإحياء ليالي المآتم في قصور قواد الجيش وكبار الدولة، وكانت موضع إعجاب محمد على وأمر بسفرها إلى اسطنبول لإحياء ليالي شهر رمضان في حرملك السلطان، وقد ماتت الشيخة "أم محمد" في أواخر حكم محمد على ودفنت في مقبرة أنشئت لها خصيصًا في مسجد الإمام الشافعي، وجرت مراسم تشييع الجنازة في احتفال عظيم. (مع التحفظ من دفن الأموات في المساجد، وذلك للنهي الوارد في اتخاذ القبور مساجد في أحاديث كُثُر، منها على سبيل المثال لا الحصر قولهﷺ-: "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها". رواه مسلم (٩٧٢). من حديث أبي مرثد الغنوي - ﵁-.
(٣) الشيخة سكينة حسن: أول صوت نسائي تسجل تلاوتها للقراَن على أسطوانات
(٤) الشيخة كريمة العدلية: الصوت النسائي الذى غزى الإذاعات الأهلية بتلاوة القراَن، وقد وُجِدَ لها مؤخرًا تسجيلًا عمره أكثر من قرن تقرأ فيه الجزء الأول من سورة الإسراء.
(٥) الشيخة منيرة عبده: أصغر مقرئة قراَن، صوتها تعدى حدود مصر، ففي عامها الـ ١٨ بثت لها الإذاعة (١٩٢٠ م) بعض التلاوات، ورغم أنها كانت كفيفة إلا أنها تمكنت أن تكون الوحيدة التى يسمح لها بقراءة القراَن فى الإذاعة وكانت تتقاضى عن ذلك ٥ جنيهات وذاع صيتها حتى بلغ دول عدة فى الوطن العربي، حتى أن أحد أثرياء تونس عرض عليها إحياء ليالي شهر رمضان فى قصره إلا أنها لم تستطع السفر.
(٦) الشيخة مبروكة: التى اكتشفت لها تسجيلًا عمره مئة عام بالتمام والكمال، تقرأ فيه أول سورة الإسراء بصوتها الجهوري الممتلئ
(٧) الشيخة نبوية النحاس: التى توفت عام ١٩٧٣ م، والتي كانت ترتل فى المناسبات العامة والدينية والافراح والمآتم، وبهذا انطوت صفحة تلاوة المرأة للقرآن وكان الاستماع إليها مقصورًا على النساء. للاستزادة يُنظر: كتاب " ألحان من السماء" لـ"محمود السعدني" (ص: ٣٦، وما بعدها، وقدم ترجم لهن "السعدني" في خمسة صفحات من كتابه، وقد تم نقل تراجمهنَّ بتصرف واختصار وترتيب وتهذيب من الباحث، والكتاب عليه مآخذ شديدة يصعب حصرها.
(٨) الشيخة خوجة إسماعيل يقول الباحث عصمت النمر في مقال نشرته مجلة "الهلال": قدمت الإذاعة في الأسبوع التالي قارئة ثالثة هي الشيخة "خوجة إسماعيل" وجاءت تلاوتها الإذاعية الأولى في العاشرة من صباح الأحد ١٩ نيسان (أبريل) ١٩٣٦، ونوهت مجلة الراديو المصري في صفحة ١٦ العدد ٥٧١ ليوم ١٨ نيسان (أبريل) ١٩٣٦ أن عدد التلاوات في الظهور الأول للشيخة خوجة إسماعيل بلغ ثلاث تلاوات صباحية أيام ١٩ و٢١ و٢٣ نيسان (أبريل) ١٩٣٦ م". كما ظهرت أسماء أخرى لبعض القارئات أمثال: منيرة أحمد المصري، الحاجة دربالة، الحاجة خضرة في المنوفية، والست عزيزة في الإسكندرية، والست رتيبة في المنصورة، والشيخة أم زغلول فى السويس. وقد نشرت لأغلب هؤلاء القارئات تلاوات بالتعاون مع راديو "مصرفون" الذي وفّر تلك التسجيلات السمعيّة القديمة، وبعضها منتشر على الشبكة العنكبوتية ..
[ ٧١ / ٥٨ ]
ثانيًا: أن تأييد رجوع تسجيل تلاوات النساء في الإذاعات أصبح غير مستبعد؛ بسبب المواقف المعلنة والمؤيدة لضرورة وجود قارئات للقرآن في الإذاعات.
وقد ظهرت مؤخرًا رغبة بعض أهل المجون في تسجيل القرآن بأصواتهم، هذا وقد طلب أحدهم التصريح رسميًا بتسجيل القرآن بصوته، وقد تعالت معه أصوات أخر تنادي بعودة تسجيل القرآن بأصوات نسائية كما كان في عشرينيات القرن الميلادي الماضي.
وفي سنة ١٩٥٨ م نشرت صحف إحدى الدول العربية اقتراحًا بتسجيل القرآن كله بصوت مطربة شهيرة طبقة شهرتها الآفاق، وقد سبق أن تجرأت تلك المطربة على تسجيل بعض آي القرآن وبثها بين الخلائق، وهذه المسألة سبق وأن أثيرت عام ١٩٥٠ م كذلك.
[ ٧١ / ٥٩ ]
ثالثًا: ومن أبرز تلك الدواعي الخوف أن نؤتى من داخل الصف فيكون المصاب جللًا
- فقد سبق وأن تَقدّم نقيب قراء القرآن الكريم في إحدى الدول الإسلامية بطلب لإذاعة بلده عام ٢٠٠٩ م بالموافقة على قبول قارئات للقرآن في الإذاعة، وذلك بعد فترة وجيزة من قبول النقابة لعضوية عشرات القارئات، غير إنّ الرفض كان من نصيب تلك المحاولة. (^١).
- هذا وقد سجل أحد مشاهير القراء الكبار (^٢) ذلك الموقف في تصريحات صحفية له قائلًا: "إن صوت المرأة ليس بعورة، لقوله تعالى في سورة الأحزاب (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) (الأحزاب: ٥٥)، مضيفًا "الأصل في الأشياء هو الإباحة، وما كان حلاله حلالًا فإن حرامه حرام، بمعنى أن المرأة التي تتحدث بترقيق متعمد لصوتها، يعد صوتها بالأساس خضوعًا بالقول ولا يجوز لها ترتيل القرآن بهذه الطريقة، في حين أنّ المرأة الرصينة الملمة بقواعد التجويد وأحكام الترتيل، لا غبار على قراءتها". (^٣)
وأخيرًا فالمرآة الحصيفة الناصحة لنفسها ولعباد الله تجد مكانها في تعليم القرآن الكريم لبنات جنسها، ولاشك أن في ذلك من الأجر العظيم والثواب الجزيل ما لا يحصيه إلا الله، إذا صدقن النية وأصلحن الطوية، كما أن في ذلك غنية عن تسجيل المرأة صوتها.
هذا ويسأل الباحثُ رَبَهُ أن يوفقه لسلوك سبيل المؤمنين، وأن يجنبه وإخوانه
المسلمين الإحداث والابتداع في الدين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
خاتمة البحث، وبيان أهم النتائج التي توصلت لها تلك الدراسة المختصرة.