ولقد تضافرت الأدلة على أهمية مراعاة الوقف والابتداء؛ وقد كثرت النقول التي تدل على عناية سلف الأمة السلف بهذا العلم الجليل وتطبيقه عمليًا عند تلاوتهم للقرآن. قال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (المزمل: ٤) فهذا أمر من الله تعالى بترتيل القرآن، وندب منه سبحانه للعباد إلى ترتيل كلامه المنزل؛ ومراعاة الوقوف لا شك أنها داخله في ذلك ضمنًا.
قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) - ﵄-:
في قوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾. (بينه تبيينًا) (^٢)
وقال الحسن:
اقرأه قراءة بيِّنة. وقال مجاهد: بعضه على إثر بعض على تؤدة وقال أيضًا: (ترسَّل فيه ترسُّلا) (^٣).
وقال ابن كثير - ﵀-:
اقرأه قراءة على تمهل، فإنه يكون عونًا على فهم القرآن، وتدبره. (^٤)
وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (الرحمن: ١ - ٤).
قال ابن النحاس (ت: ٣٣٨ هـ) -﵀-:
من التبيين تفصيل الحروف والوقف
_________________
(١) -القطع والاستئناف. (ص: ٩٤).
(٢) - رواه أحمد بن منيع في مسنده كما في المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية للحافظ ابن حجر النسخة المسندة (٤/ ٣٧٧٧) ومختصر إتحاف المهرة بزوائد المسانيد العشرة للبوصيري (٨/ ٦٥٩٠) ورواه الطبري جامع البيان (١٢/ ١/ ١٢٧) وابن النحاس القطع (١/ ٧٤) وينظر: الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٦/ ٢٧٧).
(٣) - مصنف عبد الرزاق (٢/ ٤٩٠) ومصنف ابن أبي شيبة (١٠/ ٥٢٥) جامع البيان (١٢/ ١/ ١٢٧) والتمهيد في معرفة التجويد لأبي العلاء الهمذاني: (١٤١) والدر المنثور: (٦/ ٢٧٧).
(٤) - تفسير ابن كثير (٤/ ٣٦٣) وقيل: إن عليًا ﵁ سئل عن هذه الآية فقال: الترتيل تجويد الحروف ومعرفة الوقوف" النشر (٢٩٨) (١، ٣١٦) ولم أجده (الميموني) في التفاسير التي تعتني بالمأثور وقد رواه الهذلي في الكامل ورقة (٣٤) (مخطوط) ينظر الوقف والابتداء للغزال النيسابوري (١/ ٦) رسالة دكتوراه تحقيق الدكتور العثمان إشراف الشيخ محمد محمد سالم محيسن.
[ ٧١ / ٣٠ ]
على ما تم معناه منها. (^١)
وقد حكى ابن النحاس وأبو عمرو الداني وغيرهما، إجماع العلماء على أهمية مراعاة الوقف والابتداء (^٢).
واستدلوا على ذلك بقول عبد الله بن عمر - ﵄-:
لَقَدْ عِشْنَا بُرْهَةً مِنْ دَهْرِنَا ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رِجَالًا يُؤْتَى أَحَدُهُمُ الْقُرْآنَ فَيَقْرَأُ مَا بَيْنَ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ مَا يَدْرِي مَا أَمْرُهُ وَلَا زَاجِرُهُ، وَلَا مَا يَنْبَغِي أَنْ يُوقَفَ عِنْدَهُ مِنْهُ يَنْثُرُهُ نَثْرَ الدَّقَلِ (^٣) .. (^٤)
وهذا الأثر يبين مكانة الوقف والابتداء عند الصحابة ﵃، ومدى عنايتهم به على النحو الذي تلقوه من رسول الله ﷺ، وأن عنايتهم به كانت كعنايتهم بمعرفة معاني القرآن الكريم، والوقوف على حلاله وحرامه ولقد شبّه ابن عمر ﵄ عدم العناية بالقراءة بنثر الدقل، الذي هو رديء التمر ويابسه.