وهذه التزكيات النبوية الواردة في الأحاديث السابقة تدل دلالة واضحة بينة على تزكية النبي ﷺ لأولئك النفر من أصحابه الكرام ﵃ أجمعين، وهي تزكيات بمثابة ومكانة الإجازات اللفظية المتعارف عليها عند أهل العلم عمومًا وعند أهل الإقراء خصوصًا، وهي وإن كانت تزكيات، فهي في حكم الإجازات اللفظية، ولا شك في أن تلك التزكيات والإجازات اللفظية لها مكانتها وقدرها بل وتقدمها على الإجازات الخطية، وهي تعد بمثابة إجازات سمعية، وأن لها قدرها ومكانتها باعتبار قدر ومكانة خير مُجِيزٍ وخير مُجَازٍ.
كما أنه ﷺ قد زكى جمعًا من أصحابه غير هؤلاء وأثنى على قراءتهم وتلاوتهم كذلك.
ومن أبرز هؤلاء زيد بن ثابت الذي - قيل أنه- حضر العرضة الأخيرة (^١٠) ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه، وولاه عثمان كتبة المصاحف. (^١١).
وكذلك تزكية كُتَّابِ الوحي وهم جمع غفير، فمنهم من كان يكتب في بعض الأحايين، ومنهم من كان مستديمًا على كتابة الوحي ومتفرِّغًا ومتخصِّصًا له، وهؤلاء الكُتَّابِ منهم من اتخذهم النبيُّ ﷺ في مكة قبل الهجرة، ومنهم من اتخذهم بعد الهجرة في المدينة وأضافهم إليهم، ومنهم من اتخذهم بعد الحديبية وأضافهم إليهم كذلك، وقد ذكرهم محمود شاكر في "التاريخ الإسلامي" بأسمائهم. (^١٢).
واتخاذ هؤلاء الكُتَّاب للوحي يعُد تزكية لا تعلوها تزكية، حيث ائتمنهم النبيُّ ﷺ على كتابة الوحي لعلمهم بالكتاب ولحسن ديانتهم وأمانتهم.
_________________
(١) - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: مناقب الأنصار، باب: مناقب أُبي بن كعب (٧٧٩) رقم الحديث (٣٨٠٨)، والترمذي في جامعه، كتاب المناقب، باب: مناقب عبدالله بن مسعود (٨٦٤) برقم (٣٨١٠)، وقال: "حديث حسن صحيح"، وأحمد في مسنده (٢/ ١٦٣).
(٢) رواه البخاري (٤٩٦٠) واللفظ له، ومسلم (٧٩٩). من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٣) رواه الترمذي (٣٧٩١)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٨٢٤٢)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي (٣٧٩١).
(٤) مسند الإمام أحمد ٧/ ٣٥٩ رقم ٤٣٤٠. وقال شعيب الأرناؤوط ومن معه: " صحيح بشواهده، وهذا إسناد حسن ". وحسّنه الألباني في السلسلة الصحيحة ٥/ ٣٧٩ رقم ٢٣٠١.
(٥) -صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن (٤٧١٦)
(٦) -صحيح البخاري، كِتَاب فَضَائِلِ الْقُرْآنِ-بَاب الْقُرَّاءِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى، حديث رقم: (٤٦٤١).
(٧) - صحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين، حديث رقم ٧٩٣.
(٨) - صحيح البخاري (٣٩٢٥)، ويُنظر: التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول، كتاب النبوة والرسالة (٣/ ٢٣٨).
(٩) أخرجه البخاري (٢٤١٩)، ومسلم (٨١٨)، وأبو داود (١٤٧٥)، والترمذي (٢٩٤٣)، والنسائي (٩٣٦) واللفظ له، وأحمد (١٥٨).
(١٠) وثبوت شهود زيد بن ثابت للعرضة الأخيرة محل نظر عند أهل التحقيق لضعف الروايات الواردة فيها، أما الثابت بأسانيد ثابتة صحاح فهو: شهود عبد الله بن مسعود لها، وأما شهود زيد لها فمشتهر فحسب، ومع اشتهاره فالباحث لم يقف على إسناد ثابت صحيح يُعول عليه في شهوده للعرضة الأخيرة إلا ما أشيع في مصنفات علوم القرآن وبعض كتب التفسير. ولذا قال البغوي في " شرح السنة" (٤/ ٥٢٥) يُقال إن زيد بن ثابت شهد العرضة الأخيرة، التي بُيِّن فيها ما نُسِخ وما بَقِي. فرواها بصيغة التمريض "يُقال" ولم يصرح بشهوده لها. وما يُذْكَرُ من شهود زيد للعرضة الأخيرة في طيات البحث فإنما يُذْكَرُ تمشيًا مع ما أشيع واشتهر واستفاض لا على ما ثبت واستقر، الباحث.
(١١) - رواه أحمد في مسنده، مسند بني هاشم (١/ ٥٩٨) ح ٣٤١٢، ورواه النسائي في السنن الكبرى كتاب فضائل القرآن (٣/ ٧)، وكتاب المناقب (٤/ ٣٦).
(١٢) التاريخ الإسلامي - محمود شاكر، (ص ٩٣٧ - ٣٨٠). (تعليق الشاملة): هذان المطلبان ليسا في المطبوع من المجلة وهما ثابتان في المرسل إلينا من المؤلف - حفظه الله -
[ ٧١ / ٥٤ ]