الفصل الثاني: مكانة السند عند علماء القراءات
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول:
تواتر السند وصحته شرط في قبول القراءة
أجمع المسلمون منذ الصدر الأول على أنه لا يقرأ بحرف ولا يحكم بقرآنيته ولا يكتب في المصاحف حتى يتحقق نقله بالتواتر، ويرويه عدد كبير يحصل بروايتهم اليقين ولذلك لم يثبت الصحابة في المصاحف التي أمر عثمان بكتابتها مستنسخًا لها من صحف أبي بكر إلا ما كان كذلك واطرحوا ما أنفرد بروايته الآحاد ولو كان راوية من كان وكان معتمدهم في ذلك ما ثبت في العرضة الأخيرة، فقد جاء في الصحيحين: «أن رسول الله ﷺ كان يدارس جبريل بالقرآن ويعارضه إياه في كل رمضان فلما كان العام الذي توفي فيه عارضه القرآن مرتين» (١) .
وبالأخذ والتلقي بالسند نقل صحابة رسول الله < القرآن إلى من بعدهم ومن بعدهم إلى الذين يلونهم وهكذا حتى وصل إلينا منقولًا بالتواتر مسطورًا في الدفاتر تكلؤه عناية الجليل مصانًا عن كل تحريف وتبديل.
وجاءت الأخبار عن رسول الله < تفيد بأن نقل القراءة وأخذها سنة فقد ورد عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: قال لنا علي بن أبي طالب: «إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تقرءوا كما علمتم» (٢) .
_________________
(١) فتح الباري: ١/٣٠.
(٢) السبعة لابن مجاهد: ٤٩.
[ ١٦٣ ]
وعن خارجة (١) بن زيد بن ثابت عن أبيه قال: «القراءة سنة» (٢) وفي رواية أخرى عنه قال: «القراءة سنة فاقرءوا كما تجدونه» (٣) من هنا لم يستبح أحد من السلف لنفسه أن يقرأ إلا بما تلقى وسمع مما نقل إليه متواترًا إلى رسول الله ﷺ.
قال الباقلاني (٤) رحمه الله تعالى: الظاهر المتواتر المشهور أنهم إنما أخذوا القرآن رواية، لأنهم رحمهم الله تعالى يمتنعون من القراءة بما لم يسمعوه (٥) .
فالتواتر في السند من أهم أركان القراءة المقبولة المقروء بها والتي تلقتها الأمة وتلت بها في محاريبها وتقربت بها إلى بارئها.
قال الحافظ ابن الجزري (٦) في كتابه منجد المقرئين - مبينا ضابط القراءة
_________________
(١) خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري النجاري أبو يزيد المدني أدرك عثمان روى عن أبيه وعمه وسهل بن سعد توفى سنة: (١٠٠؟) . طبقات ابن سعد: ٥/٢٦٢، تهذيب التهذيب: ٣/٧٤.
(٢) السبعة لابن مجاهد:٤٩.
(٣) السبعة لابن مجاهد: ٥٠.
(٤) محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر القاضي أبو بكر البصري سمع أبا بكر أحمد بن جعفر القطيعي، وأبا محمد بن ماسي، وطائفة توفى سنة: (٤٠٣؟) . تاريخ بغداد: ٥/٣٧٩، ترتيب المدارك: ٤/٥٨٥، الديباج المذهب: ٣٦٣، سير أعلام النبلاء: ١٧/١٩٠.
(٥) نكت الانتصار:٤١٥.
(٦) شمس الدين أبو الخير محمد بن محمد بن محمد بن الجزري، قرأ على أبي محمد عبد الوهاب ابن السلار، وعلي أبي المعالي محمد بن أحمد بن اللبان، وعلي أبي بكر بن الجندي وغيرهم توفى سنة: (٨٣٣؟) . إنباء الغمر بأبناء العمر للحافظ بن حجر: ٨/٢٤٥، غاية النهاية: ٢/٢٤٧، البدر الطالع: ٢/٢٥٧.
[ ١٦٤ ]
الصحيحة-: كل قراءة وافقت العربية مطلقا، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو تقديرًا، وتواتر نقلها هذه القراءة المتواترة المقطوع بها ثم قال: ونعني بالتواتر: ما رواه جماعة عن جماعة كذا إلى منتهاه، يفيد العلم من غير تعيين عدد، هذا هو الصحيح وقيل بالتعيين الخ (١) .
وهذا القيد هو ما حدى ببعض القراء إلى التوقف في بعض القراءات الصحيحة لا لشيء إلا لأنها لم تبلغه على وجه التواتر قال محمد بن صالح (٢):سمعت رجلا يقول لأبي عمرو بن العلاء (٣) كيف تقرأ ﴿لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ (٤)
قال: (لا يعذب) بالكسر، فقال له الرجل كيف وقد جاء عن النبي ﷺ (لا يعذب) بالفتح.
فقال أبو عمرو: لو سمعت الرجل الذي قال سمعت النبي صلى الله عليه
_________________
(١) منجد المقرئين: ١٥. وقال ابن الصلاح في مقدمته في معنى المتواتر هو: عبارة عن الخبر الذي ينقله من يحصل العلم بصدقه ضرورة، ولابد في إسناده من استمرار هذا لشرط في روايته من أوله إلى منتهاه. انظر المقدمة: ١٣٥.
(٢) محمد بن صالح أبو إسحاق المري البصري الخياط روى عن شبل بن عباد غاية النهاية: ٢/١٥٥.
(٣) زبان بن العلاء أبو عمرو البصري أحد القراء السبعة ولد سنة: (٦٨؟) قرأ علي الحسن البصري، وحميد بن قيس الأعرج، وأبي العالية، وغيرهم توفى سنة: (١٥٤؟) طبقات خليفة بن خياط: ٢٢٧، غاية النهاية: ١/٢٨٨، تهذيب التهذيب: ١٢/١٧٨.
(٤) سورة الفجر آية: ٢٥، ٢٦.
[ ١٦٥ ]
وسلم ما أخذته عنه، وتدري ما ذاك لأني أتهم الواحد الشاذ إذا كان على خلاف ما جاءت به العامة.
قلت: وقراءة الفتح أيضًا قراءة متواترة قرأها من السبعة الإمام الكسائي، ومن العشرة يعقوب الحضرمي (١)
وإنما أنكرها أبو عمرو لأنها لم تبلغه على وجه التواتر والخبر قد يتواتر عند قوم دون قوم (٢) .
وقال ابن مجاهد: أخبرنا الأصمعي (٣) قال: سمعت أبا عمرو ابن العلاء يقول: لولا أنه ليس لي أن أقرأ إلا بما قد قرئ به لقرأت حرف كذا كذا وحرف كذا كذا (٤) .
وقال أبو عمرو عن نفسه: والله ما قرأت حرفًا إلا بأثر (٥) ولما كان التواتر أعظم شروط صحة القراءة وقبولها خالف الأئمة قواعدهم النحوية وعولوا عليه فهذا أبو عمرو البصري يخالف مذهبه النحوى ويعول على التواتر
(١) النشر: ٢/٤٠٠.
(٢) جمال القراء: ١/٢٣٥، منجد المقرئين: ٦٨.
(٣) أبو سعيد عبد الملك بن قريب بن علي بن أصمع الأصمعي البصري ولد سنة: (بضع وعشرين ومائة) حدّث عن ابن عون، وسليمان التيمي، ومسعر بن كدام روى القراءة عن نافع، وأبي عمرو البصري، وله عنهما نسخة، روى عنه القراءة محمد بن يحيى القطيعي مات سنة: (٢١٦؟) عن احدى وتسعين سنة.
تاريخ بغداد: ١٠/٤١٠، تهذيب الكمال: ١٨/٣٨٢، الأنساب السمعاني: ١٠/٢٩٣، نزهة الألباء: ١١٢، سير أعلام النبلاء: ١٠/١٧٥، غاية النهاية: ١/٤٧٠
(٤) السبعة ابن مجاهد: ٤٨، نكت الانتصار:٤١٦.
(٥) الكامل للهذلي لوحة:١٢/أ.
[ ١٦٦ ]
في مسألة إدغام الراء الساكنة في اللام ويأخذ بهذا الإدغام.
قال ابن خالويه (١): أدغم أبو عمرو وحده الراء في اللام من ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ (٢) وما شاكله (٣) في القرآن وهو ضعيف عند البصريين (٤)، وقد روي عنه الإظهار (٥) .
وهذا الكسائي (٦) يقف موقفين متغايرين كل التغاير فهو نحو يٌ يرى أن (كلتا) ألفها ألف تثنية، ويخالف بذلك البصريين الذين يقولون إن (كلتا) ألفها تأنيث (٧) .
ثم هو يميل (كلتا) في القراءة لأنه تلقاها ممالة بالتواتر (٨) .
_________________
(١) الحسين بن أحمد بن خالويه بن حمدان أبو عبد الله الهمذاني أخذ عن أبي بكر بن القاسم الأنباري، ومحمد بن الحسين بن دريد، وابن مجاهد، وغيرهم توفي سنة: (٣٧٠؟) . نزهة الألباء:٣١١، معجم الأدباء: ٩ /٢٠٠ طبقات الفقهاء الشافعية لابن الصلاح: ١/٤٥٥ غاية النهاية:١/٢٣٧، ابناه الرواه: ١/٣٢٤
(٢) سورة البقرة آية: ٥٨.
(٣) من كل راء مجزومة واقعة قبل اللام.
(٤) الحجة في القراءات السبع لابن خالويه: ٨٠.
(٥) والوجهان صحيحان مقروء له بهما النشر: ٢/١٢، ١٣.
(٦) علي بن حمزة بن عبد الله بن بهمن أبو الحسن الكسائي إمام أهل الكوفة في القراءة وأحد القراء السبعة أخذ القراءة عن حمزة، ومحمد بن أبي ليلى، وحيوة بن شريح وغيرهم توفى سنة: (١٨٩؟) . السبعة لابن مجاهد: ٨٧، التيسير للداني: ٧، غاية النهاية: ١/٥٣٥
(٧) الكتاب سيبويه: ٣/٣٦٤.
(٨) النشر: ٢/٧٩. رسم المصحف والاحتجاج به:٤٣.
[ ١٦٧ ]
والكسائي وحده من بين القراء العشرة يقرأ قوله تعالى ﴿أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ (١) بكسر الدال مع التنوين.
قال الفراء (٢): قلت للكسائي لم أجريت ﴿أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ ومن أصلك أن لا تجريه إلا في موضع النصب إتباعًا للكتاب.
فقال: لما قرب من المجرى وكان موافقًا له من جهة المعنى أجريته لجواره له.
قال أبو عمرو الداني مبينًا سبب صرف الكسائي لهذا اللفظ وكسره له مع التنوين أن مرد ذلك إلى التلقي أولًا لا للقياس والتشهي.
قال: «وذلك بعد أن روى الإجراء عن سلفه وتلقاه عن أئمته» (٣) .
وقال شبل (٤) قرأت على ابن محيصن (٥) وابن كثير (٦) فقالا: ﴿رَبِّ احْكُمْ
(١) سورة هود آية: ٦٨.
(٢) يحيى بن زياد أبو زكريا الأسلمي النحوي الكوفي المعروف بالفراء شيخ النحاة كان أبرع الكوفيين، روى الحروف عن أبي بكر بن عياش، وعلي بن حمزة الكسائي، وعنه سلمة بن عاصم، ومحمد بن الجهم. قال أبو العباس ثعلب لولا الفراء لما كانت العربية لأنه خلصها وضبطها مات سنة ٢٠٧؟. غاية النهاية ٢/٣٧١، أنباه الرواة على أبناه النحاة ٤/٧.
(٣) جامع البيان للداني مخطوط لوحة: ٢٥٧/ب.
(٤) شبل بن عباد أبو داود المكي مقرئ مكة أجل أصحاب ابن كثير ولد سنة: (٧٠؟) قرأ على ابن محيصن، وعبد الله ابن كثير، وغيرهما توفى سنة (١٤٨؟) وقيل بقي إلى قريب سنة (١٦٠؟) . غاية النهاية: ١/٣٢٣، تهذيب التهذيب: ٤/٣٠٥.
(٥) محمد بن عبد الرحمن بن محيصن السهمي المكي مقرئ أهل مكة مع ابن كثير عرض على مجاهد بن جبر، ودرباس مولى ابن عباس، وسعيد بن جبير توفى سنة: (١٢٣؟) .
غاية النهاية: ٢/١٦٧، معرفة القراء الكبار: ١/٨١.
(٦) عبد الله بن كثير بن عمرو بن عبد الله بن زاذان أبو معبد المكي أحد القراء السبعة ولد سنة: (٤٥؟) عرض على مجاهد بن جبر، وعبد الله بن السائب.
ودرباس مولى ابن عباس توفى سنة: (١٢٠؟) .
غاية النهاية:١/٤٤٣، التيسير للداني:٤.
[ ١٦٨ ]
بالحق﴾ (١) بضم الباء من ﴿رَبِّ﴾ فقلت إن أهل العربية لا يعرفون ذلك فقالا مالنا وللعربية هكذا سمعنا من أئمتنا.
وقال حمزة (٢) يوما للأعمش (٣): الناس ينكرون عليك حرفين قال وما هما؟
قال: (الأرحام) (٤) و(مصرخي) (٥) أو (مكر السيء) (٦) و(مصرخى)
_________________
(١) سورة الأنبياء آية:١١٢. قلت: ما رواه شبل من ضم الباء في ﴿ربُّ﴾ قراءة صحيحة متواترة قرأ بها من العشرة أبو جعفر، ولم يقرأ بها ابن كثير في اختياره النشر: ٢/٣٢٥، اتحاف فضلاء البشر: ٣١٢.
(٢) حمزة بين حبيب بن عمارة بن اسماعيل التيمي أبو عمارة الجعفي المعروف بالزيات ولد سنة: (٨٠؟) قرأ على سليمان بن مهران، والأعمش، وحمران بن أعين وغيرهم توفى سنة: (١٥٦؟) طبقات ابن سعد: ٦/٣٨٥، معرفة القراء الكبار: ١/١١١، غاية النهاية:١/٢٦١، تهذيب التهذيب: ٣/٢٧.
(٣) سليمان بن مهران أبو محمد الأسدي الكاهلي ولد سنة: (٦٠؟) أخذ القراءة عرض عن إبراهيم النخعي، وزر بن حبيش، وعاصم بن أبي النجود توفى سنة: (١٤٨؟) طبقات ابن سعد: ٦/٣٤٢، غاية النهاية: ١/٣١٥.
(٤) سورة النساء آية: ١ أي بخفض الميم وهي قراءة متواترة قرأ بها حمزة. النشر: ٢/٢٤٧.
(٥) سورة إبراهيم آية: ٢٢ أي بكسر الياء وهي قراءة متواترة قرأ بها حمزة. النشر: ٢/٢٩٨.
(٦) سورة فاطر آية: ٤٣ أي بإسكان الهمز في حال الوصل وهي قراءة متواترة قرأ بها حمزة. النشر: ٢/٣٥٢.
[ ١٦٩ ]
قال: ليس للنحويين هذا، قرأت على ابن وثاب (١) على زر (٢) على عبد الله ابن مسعود (٣) على رسول الله ﷺ وقال خلاد بن يزيد الباهلي (٤) قلت ليحيى بن عبد الله بن أبي مليكة (٥) إن نافعا (٦) حدثني عن أبيك (٧) عن
(١) يحيى بن وثاب الأسدي مولاهم الكوفي
روى عن ابن عمر، وابن عباس وتعلم القرآن من عبيدة بن نضلة، وعرض على علقمة، والأسود، توفى سنة:
(١٠٣؟)
طبقات ابن سعد: ٦/٢٩٩، غاية النهاية: ٢/٣٨٠
(٢) زر بن حبيش بن حباشة أبو مريم ويقال أبو مطرف الأسدي الكوفي عرض على عبد الله بن مسعود وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ﵃، مات سنة: (٨٢؟)
طبقات ابن سعد: ٦/١٠٤، غاية النهاية: ١/٢٩٤
(٣) عبد الله بن مسعود بن الحارث بن غافل بن حبيب أبو عبد الرحمن الهذلي المكي أحد السابقين والبدريين والعلماء الكبار عرض القرآن على رسول الله ﷺ توفى سنة: (٣٢؟) .
الإصابة في تمييز الصحابة: ٤/٢٣٣، غاية النهاية: ١/٤٥٨
(٤) خلاد بن يزيد أبو الهيثم البصري، عرض على حمزة وروى عن الثوري وغيره
طبقات القراء: ١/٢٧٥
(٥) يحيى بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة القرشي التيمي المكي روى عن أبيه توفى سنة: (١٧٣؟) . تهذيب التهذيب: ١١/٢٤٢.
(٦) نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم أبو رويم مولى جعونة من شعوب الليثي أحد القراء السبعة. أخذ القراءة عرضا عن سبعين من التابعين، منهم عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وأبو جعفر، وشيبة بن نصاح. توفى سنة: (١٦٩؟)
غاية النهاية: ٢/٣٣٠، السبعة لابن مجاهد: ٥٣
(٧) عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة أبو بكر التيمي توفى سنة (١١٧؟)
غاية النهاية: ١/٤٣٠.
[ ١٧٠ ]
عائشة (١) ﵂ أنها كانت تقرأ (تَلِقونه) (٢) وتقول إنما هو من ولْق الكذب فقال يحيى ما يضرك أن لا تكون سمعته من عائشة.
نافع ثقة على أبي، وأبي ثقة على عائشة وما يسرني أني قرأتها هكذا ولي كذا وكذا، قلت ولم؟ وأنت تزعم أنها قالت، قال: لأنه غير قراءة الناس ونحن لو وجدنا رجلًا يقرأ بما ليس بين اللوحين ما كان بيننا وبينه إلا التوبة أو نضرب عنقه.
نجيء به عن الأئمة عن الأئمة عن النبي ﷺ عن جبريل عن الله ﷿، وتقولون أنتم حدثنا فلان الأعرج عن فلان الأعمى ما أدري ماذا؟
وقال هارون (٣) ذكر ذلك لأبي عمرو- يعني القراءة المعزوة إلى عائشة - فقال: قد سمعت من قبل أن تولد ولكنا لا نأخذ به (٤) .
قال ابن خالويه بعد ذكره لبعض الوجوه الجائزة لغة في لفظ (الحمد لله) .
قال: وهذه الوجوه الأربعة في الحمد وإن كانت سائغة في العربية فإني
(١) عائشة بنت أبي بكر الصديق أم المؤمنين ﵂ روت عن رسول الله صلى الله عيه وسلم الكثير، وعن أبيها وعن عمر توفيت سنة: (٥٨؟) .
الإصابة: ٨/١٦.
(٢) سورة النور آية:١٥، أي بفتح التاء وكسر اللام وتخفيف القاف وهي قراءة شاذة: إعراب القراءات الشاذة: ٢/١٧٧.
(٣) هارون بن موسى أبو عبد الله الأعور العتكي البصري روى القراءة عن عاصم بن أبي النجود وعبد الله بن كثير وأبي عمرو بن العلاء توفى سنة (٢٠٠؟) .
غاية النهاية: ٢/٣٤٨.
(٤) شرح النويري على الطيبة: ١/١٢٥.
[ ١٧١ ]
سمعت ابن مجاهد يقول: «لا يقرأ بشيء من ذلك إلا بما عليه الناس في كل مصر (الحمدُ لِله) بضم الدال وكسر اللام» (١) .
فهذه الآثار الواردة عن السلف ونحوها دالة على مدى تمسكهم بالرواية الصحيحة المتواترة المسندة فلا يعدلون عنها إلى غيرها ولو كان أقيس في العربية.
فالقراءة متى ثبتت بطريق التواتر لا يردها قياس عربية ولا فسولغة، ومتى اختل فيها شرط التواتر ردّت ولا يلتفت فيها إلى أي شرط آخر.
على أن ابن الجزري رجع عن القول بالتواتر إلى الاكتفاء بصحة السند (٢) وهو مخالف لما عليه جمهور القراء.
وقد بين النويري (٣) ذلك خير بيان ورد على شيخه ابن الجزري قوله فأجاد أفاد (٤) .
ولست هنا معرض مناقشة هذين الرأيين إذ أن كلا منهما شاهد على اهتمام علماء القراءات بالإسناد سواء في ذلك من اشترط التواتر أو اكتفى بالصحة.
على أن من أمعن النظر لا يرى خلافًا ذا شأن بين القولين فإن من اكتفى بصحة السند لا يجيز رواية الآحاد في القراءة ولا يعتد بها.
ـ
_________________
(١) إعراب ثلاثين سورة: ١٩.
(٢) النشر: ١/١٣.
(٣) محمد بن محمد بن محمد بن علي بن محمد بن إبراهيم أبو القاسم النويري المالكي ولد سنة: (٨٠١؟) قرأ على الحافظ ابن الجزري ولازم الشيخ البساطي وأخذ عن الحافظ ابن حجر وغيرهم توفى سنة (٨٩٧؟) الضوء اللامع: ٩/٢٤٦، البدر الطالع: ٢/٢٥٦.
(٤) شرح طيبة النشر للنويري: ١/١١٩.
[ ١٧٢ ]