اهتم المسلمون بالأسانيد وأوْلوها من العناية ما تستحقه وبزوا في ذلك غيرهم من الأمم، فلا يكاد علم من علوم الشريعة الإسلامية يخلو منها، إلا أنها قد تكون في علم أظهر وأقوى منه في علم آخر، فالعلوم المنقولة كالقرآن والسنة النبوية والتفسير واللغة لا تستغنى عنها، وإن كانت الحاجة إليها في نقل القرآن والحديث أقوى وآكد، لما يترتب على صحة السند وضعفه من ثبوت القرآن وصحة المقروء وثبوت الشريعة وأحكامها المستنبطة من الأحاديث الواردة في العبادات والمعاملات وقد خص الله تعالى هذه الأمة بالإسناد وليس ذلك لغيرها من الأمم، وجاء تأكيد ذلك في الكتاب والسنة وأخبار السلف الصالح وآثارهم.
فقد حث الله ورسوله على التثبت في الأخبار والتأكد منها ونقلها من مصادرها.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (١)
وقال تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٢)
وقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣)
فدلت الآيات على أن خبر الفاسق ساقط غير مقبول، وأن شهادة غير العدل مردودة، والخبر وإن وافق معناه معنى الشهادة في بعض الوجوه فقد
_________________
(١) سورة الحجرات آية: ٦.
(٢) سورة البقرة آية: ٢٨٢.
(٣) سورة الطلاق آية: ٢.
[ ١٥٠ ]
يجتمعان في معظم معانيها، إذ كان خبر الفاسق غير مقبول عند أهل العلم كما أن شهادته مردودة عند جميعهم، ودلت السنة على نفس رواية المنكر من الأخبار كنحو دلالة القرآن على نفس خبر الفاسق، وهو الحديث المشهور عن رسول الله ﷺ: «من حدّث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» (١) .
وقد جاء عن أبي عبد الله مالك بن أنس إمام دار الهجرة (ت١٧٩؟) ومحمد بن إدريس الشافعي (ت٢٠٤؟) وأبي عبد الله أحمد بن حنبل (ت٢٤١؟) وعبد الله بن المبارك (ت١٨١؟) ومحمد بن مسلم بن عبيد الله أبو بكر الزهري (ت١٢٤؟) .
وغيرهم من الأئمة ما يبين أهمية الإسناد وفوائده ومزاياه وأنه مما اختص الله به هذه الأمة.
قال مالك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ (٢) هو قول الرجل حدثني أبي عن جدي (٣) .
وقال أحمد بن حنبل: طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف (٤) .
وقال الشافعي رحمه الله تعالى: مثل الذي يطلب الحديث بلا إسناد كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب وفيه أفعى ولا يدري (٥) .
_________________
(١) مقدمة صحيح مسلم: ١/٦٢.
(٢) سورة الزخرف آية: ١٤.
(٣) الإسناد من الدين: ١٩.
(٤) مقدمة ابن الصلاح: ١٣٠.
(٥) فتح المغيث: ٣/٥، الإسناد من الدين: ٢٠.
[ ١٥١ ]
وقال عبد الله بن المبارك: الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء (١) .
قال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري (٢) في كتابه معرفة علوم الحديث بعد ذكره كلمة ابن المبارك الإسناد من الدين.
قال: فلولا الإسناد وطلب هذه الطائفة له وكثرة مواظبتهم على حفظه لدرس منار الإسلام وتمكن أهل الإلحاد والبدع منه بوضع الأحاديث وقلب الأسانيد، فإن الأخبار إذا تعرت عن وجود الإسناد فيها كانت بُترًا (٣) .
وقال ابن المبارك: مثل الذي يطلب أمر دينه بلا إسناد كمثل الذي يرتقي السطح بلا سلم (٤) .
وقال أيضًا: بيننا وبين القوم القوائم (٥) .
يعني بالقوائم: الإسناد، وبالقوم: أهل البدع ومن شاكلهم.
وحدث ابن أبي فروة (٦) بين يدي الزهري فجعل يقول قال رسول الله
_________________
(١) مقدمة صحيح مسلم: ١/٨٧، المحدث الفاصل: ٢٠٩، الضعفاء والمجروحين: ١/٢٦، مقدمة ابن الصلاح: ١٣٠.
(٢) أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه المعروف بابن البيع ولد سنة: (٣٢١؟) روى عن أبيه، وأبي العباس محمد بن يعقوب الأصم، وأبي حامد بن حسنويه المقري وغيرهم توفي سنة: (٤٠٥؟) . تاريخ بغداد: ٥/٤٧٣، المنتظم: ٧/٢٧٤، تذكرة الحفاظ: ٣/١٠٣٩، سير أعلام النبلاء: ١٧/١٦٢.
(٣) معرفة علوم الحديث للحاكم: ٦.
(٤) فتح المغيث: ٣/٤، أدب الإملاء والاستملاء: ٦
(٥) مقدمة صحيح مسلم: ١/٨٨.
(٦) إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة المدني مولى آل عثمان بن عفان روى عن مجاهد، ونافع، وهو ضعيف. قال البخاري: تركوه، ونهى أحمد عن حديثه وقال لا تحل الرواية عنه. توفي سنة: (١٤٤؟) . الكامل في الضعفاء: ١/٣٢٠، الضعفاء الكبير: ١/١٠٢، ميزان الاعتدال: ١/١٩٣.
[ ١٥٢ ]
ﷺ، قال رسول الله ﷺ فقال له الزهري: قاتلك الله يا ابن أبي فروة ما أجرأك على الله؟ لا تسند حديثك، تحدثنا بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة (١) .
وقال سفيان الثوري (٢) رحمه الله تعالى: الإسناد سلاح المؤمن فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل (٣) .
وروى الرامهزمزي (٤) في كتابه المحدث الفاصل بين الراوي والواعي عن شعبة بن الحجاج (٥) قال: كل حديث ليس فيه حدثنا أو أخبرنا فهو خل
(١) معرفة علوم الحديث للحاكم: ٦، الضعفاء الكبير: ١/١٠٢.
(٢) سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع أبو عبد الله الثوري، شيخ الإسلام وإمام الحفاظ، ولد سنة (سنة ٩٧هـ) روى عن أبيه، وأبي إسحاق الشيباني، وسليمان التيمي وغيرهم توفي سنة (١٦١هـ) .
تهذيب الكمال: ١١/١٥٤، طبقات بن سعد: ٦/٣٧١، مشاهير علماء الأمصار: ١٦٩، سير أعلام النبلاء: ٧/٢٢٩، الكامل لابن الأثير: ٦/٥٦
(٣) أدب الإملاء والاستملاء: ٨.
(٤) أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الفارسي الرامهرمزي سمع من أبيه، وزكريا الساجي، وجعفر بن محمد الفريابي وغيرهم توفى سنة (٣٦٠هـ) . تذكرة الحفاظ: ٣/٩٠٥، سير أعلام النبلاء: ١٦/٧٣، الوافي بالوفيات: ١٢/٦٤، معجم الأدباء: ٩/٥.
(٥) شعبة بن الحجاج بن الورد أمير المؤمنين في الحديث أبو بسطام الأزدي ولد سنة (٨٠؟) حدث عن أنس بن سيرين، وإسماعيل بن رجاء، وسعيد بن أبي سعيد المقبري توفى سنة: (١٦٠؟) .
طبقات ابن سعد: ٧/٢٨٠، حلية الأولياء: ٧/١٤٤، تهذيب الكمال: ١٢/٤٧٩، سير أعلام النبلاء: ٧/٢٠٢.
[ ١٥٣ ]
بقل (١) . أي أنه رخيص لا قيمة له ولا يتعلق به لفقده الإسناد.
وقال الحافظ بقية بن الوليد (٢) رحمه الله تعالى:
ذاكرت حماد بن زيد (٣) بأحاديث فقال: ما أجودها لو كان لها أجنحة (٤) - يعني إسنادًا ويشير بقوله لو كان لها أجنحة إلى أنها ساقطة لا ترتفع عن الأرض لعدم الإسناد فيها.
قال بعض العلماء: الأسانيد قوائم الحديث أي دعائمها التي تثبت بها (٥) .
وقال الإمام الأوزاعي (٦) رحمه الله تعالى: ما ذهاب العلم إلا ذهاب
(١) المحدث الفاصل: ٥١٧، الكفاية في علم الرواية: ٢٨٣
(٢) بقية بن الوليد بن صائد بن كعب الحافظ أبو يُحمِد الحمصي ولد سنة (١١٠؟) روى عن عثمان بن زفر وحصين بن مالك الفزاري، وشعبة بن الحجاج وغيرهم توفى سنة (١٩٧؟) .
طبقات خليفة بن خياط: ٣١٧، تهذيب الكمال: ٤/١٩٢، الضعفاء الكبير: ١/١٦٢، سير أعلام النبلاء: ٨/٤٥٥.
(٣) حماد بن زيد بن درهم الحافظ أبو إسماعيل الأزدي البصري ولد سنة (٩٨؟) سمع من أنس بن سيرين، وعمرو بن دينار، وثابت البناني وغيرهم توفى سنة: (١٧٩؟) .
طبقات بن سعد: ٧/٢٨٦، تهذيب الكمال: ٧/٢٣٩، مشاهير علماء الأمصار: ١٥٧، سير أعلام النبلاء: ٧/٤٥٦.
(٤) فتح المغيث: ٣/٥.
(٥) مقدمة صحيح مسلم: ١/٨٨.
(٦) عبد الرحمن بن عمرو بن يُحمَد شيخ الإسلام أبو عمرو الأوزاعي ولد سنة: (٨٨؟) حدث عن عطاء بن أبي رباح ومكحول، وقتادة وغيرهم توفى سنة: (١٥٧؟) .
طبقات بن سعد: ٧/٤٨٨، تهذيب الكمال: ١٧/٢٠٧، تذكرة الحفاظ: ١/١٧٨، سير أعلام النبلاء: ٧/١٠٧.
[ ١٥٤ ]
الإسناد (١) .
وقال الحافظ يزيد بن زريع (٢) رحمه الله تعالى: لكل دين فرسان وفرسان هذا الدين أصحاب الأسانيد (٣)
وقال الحافظ أبو سعد السمعاني (٤): وألفاظ رسول الله ﷺ لابد لها من النقل، ولا تعرف صحتها إلا بالإسناد الصحيح- والصحة في الإسناد لا تعرف إلا برواية الثقة عن الثقة، والعدل عن العدل (٥) .
وقال أبو علي الجياني (٦): خص الله هذه الأمة بثلاثة أشياء لم يعطها من
_________________
(١) الإسناد من الدين: ٢٠.
(٢) يزيد بن زريع العيشي ويقال التميمي أبو معاوية البصري ولد سنة: (١٠١؟)، روى عن سليمان التيمي، وحميد الطويل، وخالد الحذاء وغيرهم توفى سنة: (١٨٢؟) . طبقات بن سعد: ٧/٢٨٩، تهذيب الكمال: ٣٢/١٢٤، مشاهير علماء الأمصار: ١٦٢، سير أعلام النبلاء: ٨/٢٦٣.
(٣) سير أعلام النبلاء: ٨/٢٦٤.
(٤) عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني الخراساني ولد سنة: (٥٠٦هـ) تلقى على يد والده مفتي خراسان وأخذ عن أبي عبد الله الفراوي، وعبد الوهاب الأنماطي وغيرهم توفى سنة (٥٦٢؟) . طبقات السبكي: ٧/١٨٠، البداية والنهاية: ١٢/١٧٥، النجوم الزاهرة: ٥/٣٧٥، سير أعلام النبلاء: ٢٠/٤٥٦.
(٥) أدب الإملاء والاستملاء: ٤.
(٦) الحسين بن محمد بن أحمد الغساني الأندلسي الحجة الناقد أبو علي الجياني ولد سنة: (٤٢٧؟)، حدث عن حكم بن محمد الجذامي، وأبي بكر بن عبد البر، وأبي الوليد الباجي وغيرهم توفى سنة: (٤٩٨؟) . الصلة: ١/٢٣٣، بغية الملتمس: ١/٣٢٧، سير أعلام النبلاء: ١٩/١٤٨، النجوم الزاهرة: ٥/١٩٢.
[ ١٥٥ ]
قبلها: الإسناد، والأنساب، والإعراب (١) .
وقال ابن حزم (٢) - في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل - ما خلاصته: نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبي ﷺ مع الاتصال خص الله به المسلمين دون سائر الأمم، وأما مع الإرسال والإعضال فيوجد في كثير من اليهود ولكنهم لا يقربون فيه من موسى قربنا من محمد ﷺ بل يقفون بحيث يكون بينهم وبين موسى أكثر من ثلاثين عصرا في أزيد من ألف وخمسمائة عام، وإنما يبلغون بالنقل إلى شمعون ونحوه.
وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق وحده، على أن مخرجه من كذاب قد ثبت كذبه، وأما النقل بالطريق المشتملة على كذاب أو مجهول العين فكثير في نقل اليهود والنصارى.
وأما قول الصحابة والتابعين فلا يمكن لليهود أن يبلغوا إلى صاحب نبي أصلا ولا إلى تابع له، ولا يمكن للنصارى أن يصلوا إلى أعلى من شمعون وبولص (٣) .
_________________
(١) تدريب الراوي: ٢/١٦٠.
(٢) أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب الفارسي الأصل ولد سنة: (٣٨٤؟) سمع من يحيى بن مسعود بن وجه الجنة، ويونس بن عبد الله بن مغيث، وأبي عمرو أحمد بن محمد الطلمنكي وغيرهم توفى سنة: (٤٥٦؟) . جذوة المقتبس: ٢/٤٨٩، البداية والنهاية: ١٢/٩١، وفيات الأعيان: ٣/٣٢٥، سير أعلام النبلاء: ١٨/١٨٤.
(٣) الفصل في الملل: ٢/٨١-٨٣، تدريب الراوي: ٢/١٥٩.
[ ١٥٦ ]
وقال ابن تيمية (١) رحمه الله تعالى: الإسناد من خصائص هذه الأمة، وهو من خصائص الإسلام، ثم هو في الإسلام من خصائص أهل السنة والرافضة من أقل الناس عناية به إذ كانوا لا يصدقون إلا بما يوافق أهواءهم وعلامة كذبه أن يخالف هواهم ولهذا قال عبد الرحمن بن مهدي (٢) أهل العلم يكتبون مالهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا مالهم.
وأهل البدع سلكوا طريقًا أخرى ابتدعوها واعتمدوها، ولا يذكرون الحديث بل ولا القرآن في أصولهم إلا للاعتضاد لا للاعتماد (٣) . وأقوال العلماء في الحض على التمسك بالإسناد أكثر من أن يحصرها هذا البحث
(١) شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم الحراني ولد سنة: (٦٦١؟) سمع من ابن عبد الدائم، وابن أبي اليسر، وابن الصيرفي وغيرهم توفى سنة: (٧٢٨؟) .
تذكرة الحفاظ: ٤/١٤٩٦، القلائد الجوهرية لابن طولون: ٣٢٨، الدرر الكامنة: ١/١٥٤، البداية والنهاية: ١٤/١٦٣، الذيل على طبقات الحنابلة: ٢/٣٨٧.
(٢) عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن سيد الحفاظ أبو سعيد العنبري ولد سنة: (١٣٥؟) سمع من عمر بن أبي زائدة، وهشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وشعبة وغيرهم توفى سنة: (١٩٨؟) .
التاريخ ليحيى بن معين: ٢/٣٥٩، طبقات بن سعد: ٧/٢٩٨.
تهذيب الكمال: ١٧/٤٣٠، سير أعلام النبلاء: ٩/١٩٢.
(٣) منهاج السنة النبوية لابن تيمية: ٧/٣٧.
[ ١٥٧ ]