قد تكون الكسرة بعد الممال، وقد تكون قبله، فالأول ينقسم قسمين:
مثال فيه راء، ومثال لا راء فيه.
والمثال الذي فيه الراء ينقسم قسمين: أن تكون كسرة الراء كسرة إعراب، أو كسرة بناء، والذي كسرته من الراءات كسرة إعراب ينقسم قسمين: ألف زائدة للمد، وألف منقلبة من أصل.
فالذي فيه الألف زائدة للمد ينقسم إلى تسعة أوزان: أفعال، فُعَّال، فِعال، فَعَال، فَعَّال، فِيعال، فِعلال، مِفعال، إِفعال.
والألف المنقلبة مختصة ببناء واحد، وهو: فَعَل.
تمثيل ذلك:
أفعال نحو: "أبصارهم، وبالأسحار، وأوزار، والأبرار" ونحوه، وجملته أربعة وأربعون موضعا.
فُعَّال: "الكفار، الفجار" هاتان اللفظتان حيث وقعتا مجرورتين، وجملته ثمانية مواضع.
فِعَال نحو: "دياركم، وديارهم، وحمارك، وجدار" وجملته ثمانية عشر موضعا.
فَعَال نحو: "النهار، وقرار، والبوار" وجملته اثنان وثلاثون موضعا.
فَعَّال نحو: "كفار، وسحار، وصبار" وجملته سبعة عشر موضعا.
[ ١١٦ ]
فَيعال في موضع واحد: ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ﴾ [آل عمران: ٧٥] .
فِعلال موضع واحد: ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ [آل عمران: ٧٥] .
مِفعال موضع واحد: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨] .
إِفعال موضعان: ﴿الْإِبْكَارِ﴾ في [آل عمران: ٤١، وغافر: ٥٥] .
فَعَل نحو: "النار، والجار، والدار" وجملته ثمانية وثمانون موضعا، فأمال جميع ذلك أبو عمرو والكسائي في رواية الدوري. قال الأهوازي: وإمالة الكسائي أشبع من إمالة أبي عمرو.
واستثنى أبو عمرو ﴿الْجَارِ﴾ في الموضعين في [النساء: ٣٦] ففتحه، وقيل عنه بالإمالة فيهما، وقيل عنه أيضا بالفتح في ﴿الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠] وهو اختيار ابن مجاهد له، وأحسب أن الفتح في ثلاثتها اختيار من الأئمة، ولا رواية تؤثر عنه، والله أعلم.
وتابعهما أبو الحارث على الإمالة فيما تكررت فيه الراء من ذلك، نحو "قرار، والأشرار، والأبرار" وأخلص الفتح فيما سوى ذلك.
وقرأ ورش جميع ذلك بين اللفظين، واختُلف عنه في ﴿الْجَارِ﴾ .
تابعه حمزة على ما تكررت فيه الراء، وعلى ﴿الْقَهَّارُ﴾ حيث وقع و﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨] لا غير، وفتح ما بقي.
وحدثنا أبو القاسم، حدثنا أبو معشر، حدثنا الحسين، حدثنا أبو الفضل الخزاعي قال: قال الشذائي: قرأت على أصحاب محمد بن سعيد البزّاز، والحلواني، عن خلاد، وعلى جميع من قرأت عليه بحرف حمزة من الكوفيين، وعلى أصحاب الضبي، بفتح جميع هذا الباب من غير استثناء.
وأمال ابن ذكوان إلا من طريق ابن شنبوذ، فيما قرأت به على ابن شريح، والشنبوذي والثغري عن ابن الأخرم ﴿إِلَى حِمَارِكَ﴾، و﴿الْحِمَارِ﴾ في [البقرة: ٢٥٩، الجمعة: ٥] لا غير، واختلف فيهما عن النقاش، وبالإمالة أخذ الخزاعي لجميع من
[ ١١٧ ]
ذُكره من رواة ابن ذكوان، وبه آخذ.
وأخلص الباقون الفتح في الباب كله.
ويتعلق بهذا الباب ﴿هَارٍ﴾ في [التوبة: ١٠٩] . قرأه قالون وأبو عمرو والكسائي وأبو بكر ﴿هَارٍ﴾ بالإمالة.
واختُلف عن ابن ذكوان، فقال النقاش بالفتح، وقال السلمي عن ابن الأخرم بين اللفظين كورش، والمشهور عنه إمالتها.
وكذلك قال أهل العراق عن ابن الأخرم وورش بين اللفظين، وكذلك ذكر الأهوازي عن أبي الحارث، والباقون بالفتح.
والوجه في ﴿هَارٍ﴾ أن يكون محذوفا من "هاير" لا مقلوبا منه، فالراء لام.
قال سيبويه: الحذف أكثر من القلب، فالكسرة إذًا إعراب، وهو هذا الباب.
شرح ما كسرة الراء فيه بناء:
وهو ينقسم قسمين، أن تكون الراء لام الفعل أو عينه؛ فالذي فيه الراء لام الفعل أصل مطرد، وهو ﴿الْكَافِرِينَ﴾ إذا كان بعده ياء، سواء كان منصوبا أو مجرورا. وحروف هي ﴿جَبَّارِينَ﴾ في الموضعين ﴿المائدة: ٢٢، والشعراء: ١٣٠] و﴿أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ في الموضعين [آل عمران: ٥٢]، [والصف: ١٤] .
فأما ﴿الْكَافِرِينَ﴾ فأماله أبو عمرو والكسائي١ حيث وقع في إعرابيه، وقرأه ورش بين اللفظين.
وأخلص الباقون فيه الفتح.
ولا خلاف في فتح ﴿أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١] إلا ما روى ابن فرح عن الدوري عن اليزيدي عن أبي عمرو، وعن الكسائي أنه أماله.
ولا خلاف في فتح ﴿كَافِرَةٌ﴾ [آل عمران: ١٣] .
_________________
(١) ١ من رواية الدوري.
[ ١١٨ ]
وأما ﴿جَبَّارِينَ﴾، و﴿أَنْصَارِي﴾ فأمالهما أبو عمر عن الكسائي، وكذلك روى الكاغدي عن أبي عمر عن اليزيدي، عن أبي عمرو في ﴿أَنْصَارِي﴾ .
واختلف عن ورش في ﴿جَبَّارِينَ﴾ فكان أبو الطيب وابنه١ يأخذان بالفتح، وبه أخذ أبو محمد مكي.
وكان عثمان بن سعيد يختار له بين بين، ويذكر أنه كذلك قرأ على خلف بن خاقان وفارس بن أحمد، والباقون بالفتح.
والذي هي فيه عين الفعل حروف هي: ﴿بَارِئِكُمْ﴾ في الموضعين في [البقرة: ٥٤]، و﴿الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ في [الحشر: ٢٤]، و﴿وَسَارِعُوا﴾، و﴿يُسَارِعُ﴾، و﴿يُسَارِعُونَ﴾ حيث وقع، وجملته تسعة مواضع، و﴿الْجَوَارِ﴾ في [الشورى: ٣٢]، [والرحمن: ٢٤]، [وكورت: ١٦] .
فأمال الألف فيهن أبو عمر عن الكسائي، قال الأهوازي: سمعت أبا عبد الله اللالكائي يقول: كسر ﴿الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ عن الكسائي قياس لا نص.
وروى أبو عثمان المؤدب٢ عن أبي عمر عن الكسائي إمالة ﴿يُوَارِي﴾، و﴿فَأُوَارِيَ﴾ في الموضعين في [المائدة: ٣١] كذا قال عن أبي عثمان: ابن شنبوذ وأبو طاهر بن أبي هاشم، على أن الأهوازي قد حكى عن أبي طاهر عن أبي عثمان الفتح، ولعل أبا طاهر روى عنه الإمالة ولم يأخذ بها إيثارا لما قرأ به علي ابن مجاهد من الفتح.
وروى أبو حامد بن المنقى عن أبي عمر عن الكسائي:
﴿فَلا تُمَارِ فِيهِمْ﴾ في [الكهف: ٢٢] بالإمالة.
وروى الخفاف عن أبي الزعراء عن أبي عمر عن الكسائي الإمالة في الكلمات الثلاث. الباقون بالفتح في جميع ذلك.
وتفرد هشام بإمالة ﴿مَشَارِبُ﴾ في [يس: ٧٣] .
_________________
(١) ١ طاهر بن عبد المنعم بن غلبون، وأبوه أبو الطيب عبد المنعم. ٢ سعيد بن عبد الرحيم الضرير روى عن دوري الكسائي.
[ ١١٩ ]
شرح ما لا راء فيه مما أميلت ألفه للكسرة بعده:
روى أبو عمر عن الكسائي إمالة ﴿آذَانِهِمْ﴾، و﴿آذَانِنَا﴾ ١ حيث وقع، وجملته ثمانية مواضع.
و﴿طُغْيَانِهِمْ﴾ حيث وقع، وجملته خمسة مواضع.
وروى هشام عن ابن عامر في ﴿آنِيَةٍ﴾ ٢ في [الغاشية: ٥]، و﴿عَابِدُونَ﴾، و﴿عَابِدٌ﴾، و﴿عَابِدُونَ﴾ في [الكافرون: ٣، ٤، ٥] بالإمالة.
وروى أبو حمدون وأبو عبد الرحمن وابن سعدان عن اليزيدي: ﴿النَّاسِ﴾ حيث وقع مجرورا بالإمالة، قال أبو طاهر بن أبي هاشم: ولم يرو عن أبي عمرو من وجه يرتضى صحته خلاف قولهم، وهو اختيار عثمان بن سعيد. قال: وما روى ابن جبير من الفتح لعله أراد به في النصب والرفع، وبالإمالة آخذ على أبي -﵁- لأبي عمرو عن قراءته على أصحاب عثمان بن سعيد.
قرأ حمزة: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ في الحرفين في [النمل: ٣٩، ٤٠] بإمالة فتحة الهمزة إشماما، وعن خلاد اختلاف. الباقون بالفتح في ذلك كله، والله أعلم.
شرح ما أميل للكسرة قبله:
قد يكون الممال للكسرة قبله الألف، وقد يكون الراء في مذهب أهل مصر عن ورش، وسنذكر هذا في باب مفرد، إن شاء الله.
والألف في هذا الباب قد تكون منقلبة عن ياء، وقد تكون منقلبة عن واو.
قرأ حمزة والكسائي ﴿الرِّبا﴾ في سبعة مواضع، وألفه منقلبة عن واو، و﴿الزِّنَى﴾ وهو في موضع واحد، ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ في [سبحان: ٣٢]، و﴿إِنَاه﴾ [الأحزاب: ٥٣] وألفهما منقلبة عن ياء، و﴿كِلاهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] وألفها تحتمل أن تكون
_________________
(١) ١ ألف التي بعد الذال. ٢ أي: إمالة الألف.
[ ١٢٠ ]
منقلبة عن ياء وعن واو، وعن الواو أقيس، بالإمالة في ذلك كله.
تابعهما هشام على إمالة ﴿إِنَاهُ وَلَكِنْ﴾ فقط.
قرأ حمزة ﴿ضِعَافًا﴾ [النساء: ٩] بإمالة فتحة العين.
واختُلف عن خلاد، وبالفتح قرأت له على ابن شريح، وبالوجهين على غيره. وروى أبو عمر عن الكسائي ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ [النور: ٣٥] ممالا.
روى ابن ذكوان ﴿عِمْرَانَ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَآلَ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران: ٣٣]، و﴿امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران: ٣٥]، ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ﴾ [التحريم: ١٢] وليس في القرآن غيرهن، و﴿الْمِحْرَابَ﴾ في قوله: ﴿الْمِحْرَابَ وَجَدَ﴾ [آل عمران: ٣٧]، و﴿يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: ٣٩]، و﴿عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ [مريم: ١١]، و﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١] وليس في القرآن غيرهن، و﴿إِكْرَاهِهِنَّ﴾ في [النور: ٣٣]، و﴿الْإِكْرَامِ﴾ في الحرفين في [الرحمن: ٢٧، ٧٨] .
كل هذه الكلمات بالإمالة، كذا نص عليه الأخفش، وكذا قال هبة الله بن جعفر وغيره عن الأخفش، واستثنى ابن الأخرم ﴿الْمِحْرَابَ﴾ منصوبا فقط.
وقرأت من طريق ابن شنبوذ بإمالة ﴿الْمِحْرَابَ﴾ مخفوضا، وفتح ما سواه من الكلمات.
وكذلك ذكر البغدادي عن النقاش، وقال عثمان بن سعيد عن عبد العزيز عنه بالإمالة في ﴿الْمِحْرَابَ﴾ حيث وقع، وفتح ما سواه.
الباقون بالفتح في جميع الباء، إلا أن ورشا قرأ هذه الحروف التي أمال ابن ذكوان بين بين، إلا ﴿عِمْرَانَ﴾ وحده١، وسيأتي شرح مذهبه، وبالله التوفيق.
_________________
(١) ١ فخم راءه والألف.
[ ١٢١ ]