هذا الباب له أربعة أوزان "فَعْلَى، فِعْلَى" وتكون ألفهما للتأنيث، وقد تكون للإلحاق "فُعْلَى، فُعَالى" ولا تكون ألفهما إلا للتأنيث.
تمثيل ذلك:
فَعْلَى نحو: "الموتى، والتقوى، وشتى" حيث وقعن، و"نجواهم، ونجواكم، وصرعى" وشبهه.
أخبرني أبو الحسن بن شفيع المقرئ -﵀- أن جملته على قراءة أبي عمرو ستون موضعا، وقرأتها عليه بين اللفظين، فلفّظني بذلك، وذكر في العدة ﴿يَحْيَى﴾ اسم النبي -﵇.
وحدثنا أبو داود عن أبي عمرو أنها خمسة وستون موضعا، زاد "أسْرَى تفادوهم" [البقرة: ٨٥] على قراءة حمزة، و﴿مِنَ الْأَسْرَى﴾ [الأنفال: ٧٠] على قراءة الجماعة إلا أبا عمرو، و"سَكْرَى وما هم بِسَكْرَى" [الحج: ٢] على قراءة حمزة والكسائي، و﴿تَتْرَا﴾ [المؤمنون: ٤٤] على قراءة الجماعة إلا ابن كثير وأبا عمرو، وهي أيضا عندنا على قراءتهما "فَعْلَى" والألف للإلحاق، وعند من لم ينون "فَعْلَى" والألف للتأنيث، وسيجيء الكلام عليها بعد إن شاء الله.
ولم يذكر أبو عمرو في العدة ﴿يَحْيَى﴾ .
[ ١٣٠ ]
فِعْلَى: أخبرني أبو الحسن بن شفيع أن الوارد من "فِعْلى" من غير راء ثلاثة عشر موضعا، وقرأتها عليه، وهي ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾ في ستة مواضع، و﴿إِحْدَاهُمَا﴾ في أربعة مواضع، و﴿إِحْدَاهُنَّ﴾ [النساء: ٢٠] و﴿عِيسَى﴾ اسم النبي -﵇- حيث وقع، و﴿ضِيزَى﴾ [النجم: ٢٢] .
وحدثنا أبو داود عن أبي عمرو أن الوارد من "فِعْلى" فيه الراء كلمتان "ذكرى، والذكرى، وذكراهم" وتكررت في تسعة عشر موضعا، و﴿رَبُّ الشِّعْرَى﴾ [النجم: ٤٩] فذلك عشرون موضعا.
وحدثنا أبو القاسم -﵀- قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن علي بن زيد عن أبي الطيب أن جملة ما جاء من "فعلى" خمسة وثلاثون موضعا.
فُعْلى نحو: ﴿أُنْثَى﴾، و﴿الدُّنْيَا﴾، و﴿مُوسَى﴾ اسم النبي -﵇- حيث وقعن، و﴿الْعُزَّى﴾، و"الرؤيا، ورؤياي، ورؤياك"، و﴿الْحُسْنَى﴾، و﴿وَأُخْرَى﴾ وشبهه، وجملته مائة واثنان وعشرون موضعا، وإن عُد فيها ﴿ضِيزَى﴾ مما هو "فعلى"، كما هو "فعلى" جاء العدد ثلاثة وعشرين.
وأخبرني أبو الحسن بن شفيع أن الوارد من "فُعْلى" من غير ذكر ما فيه الراء وكلمة ﴿مُوسَى﴾، و﴿الدُّنْيَا﴾ تسعة وسبعون موضعا، وقرأتها عليه -﵀.
فُعَالى جملته تسعة مواضع: ﴿أُسَارَى﴾ في [البقرة: ٨٥] على غير قراءة حمزة، وفي [النساء: ٤٣، ١٤٢]، و﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، و﴿قَامُوا كُسَالَى﴾، وفي [الأنعام، ٩٤] ﴿فُرَادَى﴾، وفي [الأنفال: ٧٠] "من الأسارى" على قراءة أبي عمرو، وفي [التوبة: ٥٤] ﴿إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾، وفي [الحج: ٢] ﴿سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ في قراءة أبي عمرو، وفي [سبأ: ٤٦] ﴿فُرَادَى﴾ فقرأ حمزة والكسائي جميع ذلك بالإمالة، ووافقهما أبو عمرو على ما فيه، وما لا راء فيه من الأوزان الثلاثة بين اللفظين، وما سوى ذلك بالفتح.
واختلف عنه في ﴿بُشْرَى﴾ في [يوسف: ١٩] فقيل عنه بالإمالة حملا على النظائر، وقيل عنه بالفتح فيه.
[ ١٣١ ]
قال عثمان بن سعيد: وبالفتح يأخذ عامة أهل الأداء في مذهبه، وهو قول ابن مجاهد، وبذلك ورد النص عنه من طريق السوسي عن اليزيدي وغيره. وقرأ ورش جميع ذلك بين اللفظين، على اختلاف عنه فيما لم يكن رأس آية، ولا كانت فيه راء. وأخلص الباقون الفتح في جميع ذلك.
قال أبو جعفر: جعل القراء في هذا الكتاب "يحيى، وموسى، وعيسى" على أنها "فَعْلى، وفُعْلى، وفِعْلى" وأضافوا إلى ذلك ﴿أَنَّى﴾ التي بمعنى "كيف".
ومنهم من تكلم على تعليل ذلك بما هو غير مرضي، ونحن نبين ما عندنا مختصرا.
فأما ﴿يَحْيَى﴾ فوزنه "يفعل" ولا يكون "فَعْلى" لأن الياء أولا يقضى بزيادتها للكثرة عند سيبويه، وما نسب إلى الكسائي أو غيره من أن وزنه "فَعْلى" لا يصح.
وأما ﴿مُوسَى﴾ فنص سيبويه على أنه "مُفْعَل" في حد ما لا ينصرف، واحتج في الأبنية على ذلك بأن زيادة الميم أولا أكثر من زيادة الألف آخِرا، واحتج أبو علي على أنه "مفعل" بإجماعهم على صرفه في النكرة، ولو كان "فُعْلى" لم ينصرف في النكرة؛ لأن الألف كانت تكون للتأنيث لا للإلحاق.
وأما ﴿عِيسَى﴾ فقال سيبويه: "عيسى فِعْلى، والياء فيه ملحقة ببنات الأربعة، بمنزلة ياء معزى". قال أبو علي: وليست للتأنيث كالتي في ﴿ذِكْرَى﴾ بدلالة صرفهم له في النكرة.
قال أبي -﵁: ولا يكون عيسى "فِعْلَل" كما يقول عثمان بن سعيد وغيره من المقرئين؛ لأن الياء والواو يكونان أصلا في بنات الأربعة، وإنما أرادوا "فِعْلى" فلم يُحصِّلوا.
وهذه الأسماء أعجمية، وكل أعجمي استعمله العرب فالنحويون يتكلمون على أحكامه في التصريف على الحد الذي يتكلمون في العربي، فعيسى وحده من هذا الباب، وذكرهم: موسى ويحيى فيه لا وجه له، فالواجب على ذلك أن يمال
[ ١٣٢ ]
﴿عِيسَى﴾ بين بين لأبي عمرو، ويخلص له الفتح في "يحيى وموسى".
وقد اختلفت الرواية عن اليزيدي في ذلك، فقال أحمد بن جبير في "جامعه" عنه: موسى وعيسى بالكسر١، وقال في "مختصره": بالفتح، ولم يذكر ﴿يَحْيَى﴾ بشيء.
وروى الحلواني عن أبي عمر عن اليزيدي فيهن بالفتح.
وحكى الخزاعي عن الحسن بن سعيد المطوعي قال: الإمالة طريق الرواية، والقراءة بالفتح.
وحكى الأهوازي أن الفتح في "موسى، وعيسى" اختيار ابن مجاهد في قراءة أبي عمرو، وقال: وقرأت أيضا على أصحاب ابن مجاهد "موسى، وعيسى، ويحيى" بين الفتح والكسر فيهن٢.
وقال عثمان بن سعيد: وكذلك قرأت له من جميع الطرق، يعني بين الفتح والكسر، وحكاه عن الشذائي عن ابن مجاهد وغيره.
وذكر الأهوازي عن ابن حبش عن أبي شعيب فيهن بالكسر، والظاهر من "المنتهى" الفتح.
وعلى ما قررنا من صحة أوزان هذه الكلم يجب أن يمال لأبي عمرو ﴿عِيسَى﴾ وحده، فإن أخذت له بإمالة بين بين في "موسى، ويحيى" فعلى أنه أمال ما ليس وزنه "فُعْلى، وفَعْلى" وليس من أصل قوله إمالة ما خرج عن الأوزان الثلاثة، ولكن الرواية قوية في إمالتها، فالفتح أقيس والإمالة آثر، والله أعلم.
وأما ﴿أَنَّى﴾ وجملة ما في القرآن منه ثمانية وعشرون موضعا، فحدثنا عبد الرحمن بن محمد بن عتاب، حدثنا أبو محمد مكي، عن أبي الطيب، عن أبي سهل، عن ابن مجاهد أنه كان يجيز في ﴿أَنَّى﴾ أن يكون "فَعْلى"، و"أفْعل" وكان
_________________
(١) ١ أي: بالإمالة. ٢ أي: بين بين.
[ ١٣٣ ]
يختار أن يكون "فَعْلى".
وحدثنا أبو الحسن بن كرز، عن ابن عبد الوهاب، عن الأهوازي قال: من أمال عن أبي عمرو أمال "أَنَّى" حيث كان؛ لأنه على وزن "فَعْلى".
وقال لي أبي -﵁: نحن نختار أن يكون ﴿أَنَّى﴾ أفعل خلافا لابن مجاهد والأهوازي؛ لأن زيادة الهمزة أولا عند سيبويه أكثر من زيادة الألف آخرا.
ولذلك قال لي في "أروى": أفعل لا فعلى، فالوجه إمالتها لحمزة والكسائي، وبين بين لورش، وفتحها لأبي عمرو، والله أعلم.
وسئل أبي -﵁- عن إمالة ﴿زَكَرِيَّا﴾ لحمزة والكسائي فقال: لا أعلم أحدا ممن لقيته ولا من غيره أخذ بالإمالة فيه، وإذا كان كذلك وجب القضاء بأن ألف ﴿زَكَرِيَّا﴾ لغير التأنيث، وأنها للمدة التي كانت في زكرياء، ثم حذفت الهمزة حذفا لاستثقالها، على حد ما حذفها البزي من قوله تعالى: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ وليس ذلك عندهما على لغة من قصر، إذا ثبت أن القصر لغة، وما ذكر القراء من إمالتها ألف التأنيث يتضمن عقد القياس في إمالة ما ثبت أن ألفه ألف تأنيث.
قال أبو جعفر: والنص على هذا الحرف معدوم، ولا أعلم أحدا نبه على أنهما لا يميلانه إلا أبا عبد الله محمد بن سفيان، فإنه ذكر أنه لا يمال في كتابه "الهادي" تبعه عليه محمد بن شريح، ونقله إلى "الكافي" والله أعلم.
[ ١٣٤ ]