قال سيبويه: "وقال ناس: رأيت عمادا، فأمالوا للإمالة، كما أمالوا للكسرة".
قال: "وقالوا: معزانا في قول من قال: عمادا، فأمالهما جميعا، وذا قياس".
قال أبو جعفر: ما أميل لأجل الإمالة مما اختلف فيه القراء لا يخلو من أن يكون فعلا أو اسما.
فالفعل ثلاث كلم: "رأى، ونأى، وتراءى".
فأما ﴿رَأَى﴾ فلا يخلو أن تلقاه ألف الوصل، وأن لا تلقاه.
فإن لم تلقه، فجملة ما جاء منه ستة عشر موضعا، أولها في [الأنعام: ٧٦] ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ وفي [هود: ٧٠] ﴿رَأى أَيْدِيَهُمْ﴾، وفي [يوسف: ٢٤، ٢٨] "لَوْلا أَن رَّأَى"، و﴿فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ﴾، وفي [طه: ١٠] ﴿رَأَى نَارًا﴾، وفي [الأنبياء: ٣٦] ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وفي [النمل: ١٠، ٤٠] ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾، ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾، وفي [القصص: ٣١] ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾، وفي [فاطر: ٨] ﴿فَرَآهُ حَسَنًا﴾، وفي [الصافات: ٥٥] ﴿فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾، وفي [النجم: ١١، ١٣، ١٨] ﴿مَا رَأَى﴾، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾، و﴿َلَقَدْ
[ ١٣٧ ]
رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ﴾، وفي [التكوير: ٢٣] ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾، وفي العلق "أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى" [٧] .
فقرأ هذه الستة عشر بإمالة فتحة الراء والهمزة جميعا حمزة والكسائي وأبو بكر وابن ذكوان في رواية ابن شنبوذ. وكذلك قال السلمي عن ابن الأخرم فيما أظن: إنه يميل.
وقال النقاش عن الأخفش، والشنبوذي والثغري عن ابن الأخرم بإمالة ما لم يتصل به ضمير من ذلك، وهو سبعة مواضع، وبفتح ما سوى ذلك.
وقال أهل الشام عن الأخفش بإمالة ﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾ في الأنعام، وفتح ما عداه، وبه قرأ الخزاعي على ابن الخليل، عن قراءته على ابن الأخرم وابن أبي سليمان، والله أعلم.
وقرأ ورش الراء والهمزة بين بين في الجميع.
وقرأ أبو عمرو بإمالة الهمزة فقط، فلا يكون على قراءته إمالة لإمالة؛ لأنه إنما أمال الألف المنقلبة عن الياء، على أن ابن برزة قد روى عن الدوري عن اليزيدي إمالة الراء والهمزة معا.
قال عثمان بن سعيد: وقد روي كذلك عن أبي شعيب.
الباقون بفتحهما جميعا.
الثاني من قسمي ﴿رَأَى﴾ وهو ما لقيته ألف وصل، وجملته ستة مواضع، في [الأنعام: ٧٧، ٧٨] ﴿رَأَى الْقَمَرَ﴾ و﴿رَأَى الشَّمْسَ﴾، وفي [النحل: ٨٥، ٨٦] ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾، وفي [الكهف: ٥٣] ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ﴾، وفي [الأحزاب: ٢٢] ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾ .
فقرأ حمزة وأبو بكر بإمالة فتحة الراء فقط.
وقرأ الباقون بفتحهما.
فإن فُصل من الساكن بالوقف، فالخلاف فيه مثله في ﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾ .
وقد روى العبسي عن حمزة، وخلف عن يحيى عن أبي بكر بإمالة فتحة الراء
[ ١٣٨ ]
والهمزة في ذلك كالأول، قال الخزاعي: وهي رواية الشذائي عن أبي عون، وأبي حمدون عن يحيى.
وذكر الأهوازي أنها رواية المعلَّى وحسين الجعفي عن أبي بكر.
وذكر عثمان بن سعيد أنه كذلك قرأ على فارس بن أحمد لأبي شعيب١.
وروى جماعة عن اليزيدي بإمالة فتحة الراء والهمزة في ذلك.
فأما ﴿رَأَتْهُ﴾ في [النمل: ٤٤] فلا خلاف بينهم في فتحه.
الكلمة الثانية وهي: ﴿نَأَى بِجَانِبِهِ﴾ في موضعين، في [سبحان: ٨٣]، [وفصلت: ٥١] .
قرأه الجماعة ﴿وَنَأَى﴾ على وزن "وَنَعَى" إلا ابن ذكوان، فإنه قرأه "وناء" على وزن "باع"٢.
وأمال الكسائي وخلف فتحة النون والهمزة فيهما.
وأمال خلاد فتحة الهمزة فقط فيهما.
وروى المروزي عن أبي شعيب مثل ذلك.
وأمال أبو بكر فتحة الهمزة في "سبحان" وفتحها في "فصلت".
وورش يفتح النون والهمزة بين بين على أصله في ذوات الياء.
والباقون بفتحهما فيهما.
الكلمة الثالثة هي: ﴿تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ في [الشعراء: ٦١] .
إذا وقف عليها حمزة والكسائي أمالا الألف المنقلبة عن لام الفعل، وحمزة يميل ألف "تفاعل" وصلا ووقفا لإماله الألف المنقلبة، ففي قراءته إمالة لإمالة.
وفي هذا الفعل وفي ﴿رَأَى﴾ إذا استقبله ألف وصل لمن أمال للإمالة حذف
_________________
(١) ١ من غير طريق أبي عمران موسى بن جرير، وهي طريق القرشي وأبي الحسن الرقي وأبي عثمان النحوي، انظر "النشر" باب الإمالة، صدر عن الدار. ٢ وقال البعض: على وزن "جاء" ليوضح المد قبل الهمز.
[ ١٣٩ ]
السبب وإبقاء المسبَّب كما قالوا: "صَعَقِيّ" في النسب إلى الصَّعِق.
وورش إذا وقف رقّق الألف المنقلبة على أصله.
والباقون بفتحها.
فأما الأسماء فلم يجئ فيها إمالة لإمالة من طرق هذا الكتاب، ولكني قرأت من طريق أبي عثمان عن أبي عمر عن الكسائي بإمالة الصاد والتاء والسين والكاف من "النصارى، واليتامى، وكُسَالى، وسُكَارى، وبسُكَارى" في كل القرآن، إلا أن تلقى ساكنا نحو: ﴿النَّصَارَى الْمَسِيحُ﴾ [التوبة: ٣٠]، و﴿يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٧] فإنه يفتح.
وهي رواية أحمد بن فرح عن أبي عمر نصا في خمستهن، وحدثنا أبو داود، حدثنا أبو عمر وقال: وكذلك رواية ابن مجاهد عن أبي الزعراء، عن أبي عمر عنه، وقال: أنا أقرأ لنفسي بإمالة ما قبل الألف، فإذا أخذت عليَّ الناس فتحتها.
قال: وروى محمد بن يحيى الكسائي عن أبي الحارث عنه أنه قرأ:
﴿الْيَتَامَى﴾، و﴿يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ بإمالة التاء.
قال محمد بن يحيى: قال أبو الحارث: استبشعته.
وقرأت في رواية الشيرازي عن الكسائي بإمالة الطاء من:
﴿خَطَايَاكُمْ﴾ وبابها حيث كان.
وذكر الأهوازي عن أبي عبد الرحمن عن أبيه عن أبي عمرو رءوس الآي التي فيها هاء بين ألفين بإمالة الألف التي بعدها بين الفتح والكسر١، كآخر سورة "النازعات"، و"الشمس" قال: وقرأت عن الشذائي عن ابن مجاهد عن أصحابه عنه بإمالة ألفين جميعا من قوله -﷿: ﴿مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١] بين الفتح والكسر من الكلمتين جميعا لا غير.
وقد مر الاختلاف في الألف المنقلبة، وألف التأنيث من هذه الكلم مع غيرها.
_________________
(١) ١ أي: يميل الألف التي بعد الهاء تبعا للألف قبل الهاء نحو: "بناها، فسواها، وضحاها" وأتى ذلك في رءوس الآي من سورة الشمس، وأواخر سورة النازعات.
[ ١٤٠ ]