هذا الباب مقسم أربعة أقسام: حكم التسمية في أول فاتحة الكتاب وكل سورة مبدوء بها ما خلا براءة، وحكمها بين الأنفال وبراءة، وحكمها بين سائر سور القرآن، وحكمها في أوائل الأجزاء غير أوائل السور.
القسم الأول: أجمعوا على إثبات التسمية في أول فاتحة الكتاب وكل سورة مبدوء بها ما خلا براءة، إلا أني قرأت عن الخرقي عن ابن سيف عن الأزرق عن ورش بتركها في فاتحة الكتاب سرا وجهرا، وهي رواية خلاد الكاهلي عن حمزة، ويجب على هذا ألا يسمي في أول كل سورة مبدوء بها، ولا يؤخذ بهذا.
على أن ابن شريح ذكر لنا عن أبيه أن حمزة إذا بدأ بأول سورة غير الحمد لم يسم، وإذا بدأ بالحمد سمى، وهذا غير مشهور لحمزة.
وقد حدثني أبو القاسم عن أبي معشر عن أبي علي الدقاق١ عن أبي الفضل الخزاعي قال: سمعت أبا بكر -يعني الشذائي- يقول: قرأت على الكوفيين وعلى أصحاب الضبي، وعلى أبي مزاحم بالجهر عن رءوس الآي، عند فاتحة الكتاب فقط.
قال أبو جعفر: فإذا كان أصحاب أبي عمارة يحافظون على التسمية في رءوس الآي وإن لم يكن أول سورة فهم عليها أول سورة أشد محافظة، وسألت أبي -﵁- عن ذلك فأخبرني أن الذي نأخذ به لحمزة التسمية وبه آخذ، ولا أعلم أبا القاسم شيخنا شيخا إلا آخذا بالتسمية في ذلك، وقد نص عليه الأهوازي عن خلف وخلاد.
على أن إجماعهم على إثبات التسمية في أوائل السور اختيار منهم واستحباب لا إيجاب، وقد جاء في صحيح الحديث٢ البدء بأول سورة من غير تسمية.
_________________
(١) ١ هو: الحسن بن الحباب بن مخلد الدقاق، وقرأ على البزي وابن غالب، وتوفي سنة "٣٠١"هـ. الذهبي "١٣٣". ٢ الحديث المشهور عند بدء الوحي؛ وفيه أن جبريل قال للرسول -﵊: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ .
[ ٥٢ ]
القسم الثاني: أجمعوا على تركها بين الأنفال وبراءة اتباعا لمصحف عثمان -﵁- المجمع عليه، إلا أنه روي عن يحيى وغيره عن أبي بكر عن عاصم أنه كان يكتب بينهما التسمية، ويروى ذلك عن زر عن عبد الله١، وأنه أثبته في مصحفه، ولا يؤخذ بهذا.
القسم الثالث: قرأ ابن كثير وقالون وعاصم والكسائي بالفصل بالتسمية بين كل سورتين ما خلا ما ذكرنا٢.
ولك في الفصل ثلاثة أوجه: أن تقف على آخر السورة، ثم تسمي وتسكت، ثم تفتتح السورة الأخرى.
ولك أن تقف على آخر السورة، ثم تسمي وتصل بالتسمية أول السورة الأخرى.
ولك أن تصل التسمية بآخر السورة، وبأول السورة الأخرى.
ويمتنع وجه رابع: وهو أن تصل التسمية بآخر السورة، ثم تقف عليها دون وصلها بالسورة الأخرى؛ لأن التسمية إنما هي في الابتداء، لا في الانتهاء.
فأما حمزة فورد عنه ترك الفصل نصا من طريق الحلواني عن خلف وخلاد وغيره، وأصحابه يختارون له وصل السورة بالسورة إلا الأنفال ببراءة، فإنهم يأخذون له بالسكت بينهما.
ومن هولاء المختارين لوصل السورة بالسورة من يأخذ له بالسكت٣ بين السور الأربع التي تذكر بعد٤، وإن التزمت السكت له في جميع القرآن فحسن.
ومن يأخذ له بوصل السورة بالسورة لا يلتزم الوصل البتة، بل آخر السورة عنده
_________________
(١) ١ ابن مسعود. ٢ أي: في القسم الثاني أعلاه. ٣ وهو مع عدم التنفس. ٤ المدثر مع القيامة، والانفطار مع المطففين، والفجر مع البلد، والعصر مع الهمزة.
[ ٥٣ ]
كآخر آية، وأول السورة الأخرى كأول آية أخرى، فكما لا يلتزم له ولا لغيره وصل رأس آية بأول آية أخرى كذلك لا يلتزم له وصل السورة بالسورة حتما١، ألا تراهم رووا عنه أنه قال: القرآن عندي كالسورة الواحدة، فإذا سميت أول فاتحة الكتاب أجزأني، بين لي هذا أبو الحسن بن شريح، وقوله عندي هو الصواب وقد خولف فيه.
فأما ابن عامر فلم يأت عنه نص، والأكابر من القراء يأخذون له بالفصل، وبه قرأت له على أبي القاسم من الطرق المذكورة هنا، وبه كان يأخذ له النقاش وابن الأخرم وغيرهما.
فأما أبو عمرو وورش فلم يأت عنهما أيضا نص، واختلف أهل الأداء، فمنهم من أخذ لهما بالفصل، ومنهم من أخذ لهما بتركه.
وقد ذكر مكي -﵀- أنه قرأ على أبي عدي بالفصل، وكذلك قال محمد بن شريح عن ابن نفيس عنه، وهو اختيار ابن شريح، وبه قرأت على أبيه.
وقال أبو الفضل الخزاعي عن أبي عدي بغير فصل، فدل هذا على أن أبا عدي كان يخير، وما خير إلا لعدم النص، على أن ابن مروان ذكر أنه قرأ على ابن سيف بغير فصل، قال: وذكر ابن سيف أنه قرأ كذلك على أبي يعقوب٢، وذكر أبو يعقوب أنه قرأ كذلك على ورش، وذكر ورش أنه قرأ كذلك على نافع. وقرأت له على أبي القاسم من طريق الخرقي بغير فصل، وبه قرأت على أبي -﵁- وبه أخذ الشيخان أبو محمد وأبو عمرو٣ وأصحاب الأصبهاني من البغداديين، وغيرهم يأخذون لورش بالفصل.
_________________
(١) ١ وهل إذا فعل هذا، يبسمل أم لا؟ قال في القسم: أجمعوا "أي: القراء" على إثبات التسمية في أول فاتحة الكتاب وكل سورة مبدوء بها ما خلا براءة، وعلى هذا القول يبسمل إذا وقف على آخر السورة ثم ابتدأ بالأخرى. ٢ الأزرق. ٣ أي: أبو محمد مكي، وأبو عمرو الداني.
[ ٥٤ ]
والبصريون يأخذون لأبي عمرو بالفصل، والبغداديون يأخذون له بتركه، وكثير من الناس يأخذون لكل من لم يرد عنه الفصل بالفصل، ويقول: أوثره لفضله، هو اختيار محمد بن شريح، ومنهم من يخير القارئ، وممن لم يأخذ بترك الفصل لهم من يصل السورة بالسورة لما فيه من بيان الإعراب، ومنهم من يأخذ بالسكت لما فيه من الإشعار بتمام السورة، وكلاهما مذكور عن ابن مجاهد.
ومن الآخذين لهم بالوصل من يفصل بين أربع سور: المدثر والقيامة، والانفطار والمطففين، والفجر والبلد، والعصر والهمزة.
وقال الخزاعي: سمعت طلحة بن محمد يقول: كان أكثر قراءة ابن مجاهد وصل السورة بالسورة إلا في مواضع مخصوصة من القرآن، كان يعتمد أن يقف ويُوقِف عليها، من ذلك: ﴿وَأَهْلُ الْمَغْفِرَة، لا أُقْسِمُ﴾ [المدثر:٥٦، القيامة: ١] وعند قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ لِلَّه، وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [الانفطار: ١٩، المطففين: ١] وقوله: ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي، لا أُقْسِمُ﴾ [الفجر: ٣٠، البلد: ١] يقف، وهو في ذلك يصل.
ولم يذكر عنه الخزاعي "العصر والهمزة" وكثير من أهل الأداء يأبى هذا، ويأبى في هذه السورة إلا ما يلتزم في سائر القرآن، من فصل وتركه، وللطائفتين في ذلك حجج ليس هذا موضع ذكرها.
وكان ابن عبد الوهاب، فيما قال لنا أبو القاسم، ممن ينكر ذلك، وكذلك كان أبو داود١.
وقال طاهر بن غلبون، فيما حدثنا به أبو داود عن أبي عمرو عنه: أختار في قراءة ورش وابن عامر وأبي عمرو في خمسة مواضع أن توصل فيها السورة بالسورة التي بعدها من غير فصل بشيء لحسن ذلك، ومشاكلة آخر السورة الأولى لأول التي بعدها، وهي: الأنفال ببراءة، والأحقاف بالذين كفروا، واقتربت بالرحمن،
_________________
(١) ١ أبو داود سليمان بن نجاح.
[ ٥٥ ]
والواقعة بالحديد، والفيل بإيلاف قريش، وهذا كان يستحسنه أبي -﵁- وهو كان اختيار محمد بن أبي الحسن الصقلي، فيما أخبرني أبو القاسم عنه.
القسم الرابع: فأما حكمها في أوائل الأجزاء غير أوائل السور، فقد روينا عن أبي القاسم المسيبي أنه قال: كنا إذا افتتحنا الآية على مشايخنا من بعض السور نبدأ بالتسمية.
وقد روي عن حمزة أنه استشهد بآية، وسمى قبلها، ولم يأت عن أحد من سائر القر اء فيه نص باستعمال التسمية ولا تركها.
واختلف أهل الأداء في ذلك، فمنهم من أخذ للجميع بالتسمية جهرا، ومنهم من أخذ بها مخفاة، ومنهم من أخذ بتركها سرا وجهرا، وهو الذي يأخذ به الأندلسيون، وبه كان يأخذ شيخنا أبو القاسم ويأبي غيره، على أنه أكثر ما قرأ في ذلك بالتسمية، وأما أنا فقرأت عليه لأبي عمرو وورش من الطرق المذكورة في هذا الكتاب بتركها، وللباقين بالتسمية جهرا.
قال أبو جعفر: واختياري التسمية في أوائل الأجزاء لمن فصل بين السور، وتركها لمن لم يفصل.
ونص التسمية عند الجميع: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وهي ثابتة على رأس كل سورة في أكثر المصاحف إلا براءة، وقد تقدم القول فيها، وليست: "بسم الله" من القرآن عند أحد من الأئمة، وإن كان بعضهم يرى حكمها حكم الحمد في التلاوة في الصلاة فإن ذلك لا يوجب أن تكون عنده قرآنا، ولو كان عنده قرآنا لكفر من يقول: ليست بقرآن، وهكذا بين هذا القاضي أبو بكر بن الطيب١، ﵁.
_________________
(١) ١ المعروف بابن الباقلاني.
[ ٥٦ ]