ليس تخلو اللام من أن تكون في اسم الله ﷿، أو في كلمة غيره، فأما اسم الله ﷿ فلا يخلو أن يكون قبله فتحة أو ضمة، أو يكون قبل اللام كسرة.
فأجمعوا على تفخيم اللام فيه إذا تقدَّمها فتح أو ضم نحو: ﴿قَالَ اللَّهُ﴾، و﴿كَانَ اللَّهُ﴾، و﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾، و﴿رُسُلُ اللَّهِ﴾ إلا ما كان يأخذ به أبو بكر بن مقسم للجماعة من ترقيقها، وهو مذكور عن أبي عمرو والكسائي.
فحدثني أبي -﵁- حدثنا الحسين بن عبيد الله، حدثنا عبد الوهاب بن محمد، حدثنا الأهوازي، حدثنا أبو الحسن الغضائري، حدثنا أبو محمد القاسم بن زكريا بن عيسى، حدثنا أبو حمدون قال: كان الكسائي إذا قرأ لنفسه رقَّق اللام في ذلك، وإذا أقرأ غيره غلَّظ اللام في جميع ذلك.
قال الأهوازي: وكذلك قرأتها على أبي حمدون عن الكسائي، وهي رواية شجاع واللؤلؤي عن أبي عمرو، وابن برزة عن الدوري عن اليزيدي عنه.
وحدثنا أبو الحسن بن كرز، حدثنا ابن عبد الوهاب قال: سمعت الأهوازي يقول: سمعت أبا الحسن العلاف البصري يقول: مذهب البصريين قديما والكوفيين حديثا ترقيق اللام في ذلك حيث كان.
قال أبو جعفر: والذي قرأت به على أبي -﵁- وسائر شيوخي من الطرق المذكورة في هذا الكتاب تغليظ اللام، وبه آخذ.
وأجمعوا على فتح اللام من غير تغليظ إذا كان قبل اللام كسرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾، و﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، و﴿فِي اللَّهِ﴾، و﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، و﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ونحوه حيث وقع.
وأما اللام في غير اسمه تعالى، فالذي عليه القراء في اللفظ بها أنها مفتوحة غير مفخمة.
[ ١٥٥ ]
والتفخيم عندهم فيما عدا ما ذكرنا من اسم الله تعالى مجتنب مكروه.
قال الحسن بن مخلد: كان القراء يكرهون تغليظ اللامات في القرآن كله.
وحكى أبو طاهر في كتاب "البيان" عن ابن جبير عن سليم عن حمزة، وعن الأعشى عن أبي بكر عن عاصم ﴿أَلَمْ﴾ بتفخيم اللام.
وحكى المصريون عن ورش تغليظها إذا لم تكن حركتها الكسر، ووقع بينهم من الاختلاف عنه نحو ما وقع في الراءات، وأنا أبين ذلك إن شاء الله.
اعلم أن الذي اتفق عليه أهل مصر عن أبي يعقوب عن ورش -من تغليظ اللام- هو أن تكون متحركة بالفتح، وقبلها يليها الصاد متحركة بالفتح أو ساكنة، نحو: "الصلاة، ومصلى، ومفصلا، وفيصلب، ومن أصلابكم" وما أشبهه، فهذا لا خلاف بينهم فيه أنه مفخم له.
وكان أبو بكر بن الأذفوي يأخذ بترقيق ما عداه.
وكان أبو الطيب وابنه وأصحابهما يزيدون إلى ذلك تفخيم اللام المفتوحة إذا كان قبلها يليها الظاء متحركة بالفتح أو ساكنة، على شرط الصاد سواء، نحو "ومن أظلم، وظلموا، وبظلام، وظل وجهه، وظللنا" وشبهه.
وكان أبو عدي وغيره يزيدون إلى ذلك الطاء، سكنت أو تحركت بالفتح إذا انفتحت اللام، مخففة كانت الطاء أو اللام أو مشددتين، نحو: الطلاق، وطلقتم، وطلبا، وبطل و﴿مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ وشبهه.
وبهذا كان أبو عمرو يأخذ، ويذكر أنه كذلك قرأ على خلف بن خاقان وفارس بن أحمد.
وكان ابن سفيان يزيد إلى ذلك من طريق المهدوي تفخيم اللام المفتوحة إذا كانت قبلها ضاد ساكنة نحو: ﴿أَضْلَلْتُمْ﴾ [الفرقان: ١٧] فإن تحركت الضاد رقق كالجماعة، نحو ﴿ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾، و"ضلوا".
فقد حصل الخلاف في اللام مع حروف الإطباق الأربعة.
[ ١٥٦ ]
فإن سكنت اللام أو تحركت بالضم، أو تحركت هذه الحروف قبلها بالضم أو الكسر فذكر أبو عمرو والأهوازي أن الترقيق لا اختلاف فيه نحو: "وصلنا، وصلصال، وفظلتم، وطلع، وطلعها، ويضلون، وفضل، و﴿تَطْلُعُ﴾ ١، وظلة، وظلل، وفصلت، وفي ظلال".
وذكر ابن سفيان في "فضل، وتطلع" التفخيم، وفي ﴿صَلْصَالٍ﴾ الوجهين.
وكذلك ذكر أبو محمد وأبو عمرو الوجهين في ﴿صَلْصَالٍ﴾ .
قال ابن سفيان: فإن وقعت مضمومة أو مفتوحة بين خاء وطاء، أو خاء وصاد، أو تاء وطاء، أو غين وظاء فهي مفخمة مثل "خلطوا، وأخلصوا، فاختلط، وليتلطف، واغلظ عليهم، والمخلصين" وما أشبه ذلك باختلاف عنه. وسمعت أبا القاسم شيخنا يحكي عن ابن عبد الوهاب أن الأهوازي قرأ عليه قارئ ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ﴾ [الكهف: ٤٥] بالتفخيم لورش فقال له: ارفع هذا إلى الختمة الأخرى.
فإن حالت الألف بين اللام المفتوحة والصاد اختلفوا، فرقق بعض، وفخم بعض، وذلك نحو ﴿فِصَالًا﴾ و"يَصَّالحَا" [النساء: ١٢٨] و﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ﴾ .
فإن وقعت اللام التي قبلها الصاد رأس آية، وذلك ثلاثة مواضع، في [القيامة: ٣١] ﴿وَلا صَلَّى﴾، وفي [الأعلى: ١٥] ﴿فَصَلَّى﴾، وفي [اقرأ: ١٠] ﴿إِذَا صَلَّى﴾ فقد اعترضه أصلان، أحدهما يوجب الترقيق، وهو كونه رأس آية، والآخر يوجب التفخيم، وهو ما أصله في نظيره مما لم يكن رأس آية.
فالترقيق عندهم والتفخيم جائزان، والمختار له عند جماعة الترقيق لتعتدل الآي، وهو اختيار ابن سفيان وأبي محمد وأبي عمرو، وهو اختياري.
فأما ﴿يَصْلاهَا مَذْمُومًا﴾ [الإسراء: ١٨]، و﴿يَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: ١٢]، و﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] و﴿لَا يَصْلاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [الليل: ١٥]، و﴿سَيَصْلَى نَارًا﴾ [المسد: ٣] فالذي أخذ به الناس له في هذه الخمسة بالتفخيم.
_________________
(١) ١ الكهف: "٩٠".
[ ١٥٧ ]
وأجاز له أبو عمرو الترقيق على طرد أصله في إمالة ما كان من ذوات الياء بين بين.
وذكر ابن سفيان أنه قرأ على المهدوي بتفخيم اللام من ﴿ثَلاثَةً﴾ حيث وقع، إلا قوله:
﴿بِثَلاثَةِ آلافٍ﴾ [آل عمران: ١٢٤]، ﴿وَثُلاثَ وَرُبَاعُ﴾ [النساء: ٣]، و﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر: ٦]، و﴿إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: ٣٠] فإنه بترقيق اللام.
قال: وعلى هذا تدل رواية داود بن أبي طيبة. قال: وقد ذكر يونس عن ورش وسقلاب أنه قرأ ﴿ثَلاثَةً﴾ عليهما بالفتح في جميع القرآن، يعني التفخيم، وكثير من المصريين يأخذون به.
قال أبو جعفر: هذا ما جاء عنهم في هذا الباب، واختيار أبي -﵁- من ذلك، واختياري ما أخذ به الأذفوي؛ لأنه أقرب إلى ما حكى سيبويه من الألف المفخمة التي ينحى بها نحو ما انقلبت عنه، وهو الواو، كما ينحو من أمال ﴿رَمَى﴾ نحو الياء التي انقلبت عنه.
وقال الأهوازي: أهل العراق ومدينة السلام وأصبهان وخراسان ما يعرفون ذلك عن ورش، ولا يأخذون به.
وقال أبو طاهر بن أبي هاشم: اختلف القراء في تغليظ اللام وترقيقها من ﴿الم﴾، و﴿المر﴾ وشبهه في جميع القرآن، فروى قنبل وابن ذكوان عن أصحابهما أن اللام رقيقة غير مغلظة، قال ابن ذكوان: وكذلك اللام في جميع القرآن. وقال ابن جبير في مختصره عن سليم عن حمزة: كان يقرأ ﴿الم﴾ يفخم اللام ويملأ بها الفم تفخيما حسنا.
قال أبو طاهر: وقرأت على أبي بكر وأبي عثمان بترقيق هذه اللام، وكل لام مشددة قبلها كسرة أو ياء.
قال: وقال الرازي عن الخياط عن الشموني عن الأعشى عن أبي بكر: ﴿الم﴾
[ ١٥٨ ]
يغلظ اللام.
وقال أحمد بن صالح عن قالون: ﴿الم﴾ غير مفخمة اللام.
وقال ابن جبير في "مختصره" عن اليزيدي عن أبي عمرو، وعن إسماعيل، وعن المسيبي عن نافع: كانا لا يبلغان باللفظ ما يبلغ به حمزة؛ لأن مذهبهما الحدر إذا قرآ.
قال أبو جعفر: يعني أحمد بن جبير أن أبا عمرو ونافعا لا يمدان ﴿الم﴾ بقدر مد حمزة؛ لأن المد إنما يكون على حسب التحقيق في القراءة أو الحدر، ولم يرد أنهما لا يبلغان من التفخيم ما يبلغه حمزة؛ لأن الحدر لا يوجب في القراءة تفخيما ولا ترقيقا مخالفا لما يوجبه التحقيق، وإنما يشير إلى المد، والله أعلم.
وهذا الفصل كله ينبغي أن يكون من باب التجويد، وهكذا قال لي أبي -﵁.
[ ١٥٩ ]