المد يختص بحروف المد واللين، وهي الألف، والياء المكسور ما قبلها، والواو المضموم ما قبلها.
والمد فيهن على قسمين: متفق عليه، ومختلف فيه.
شرح الأول:
اتفقوا على تمكين المد في حروف المد واللين إذا أتى بعدها همزة في كلمة، بأي الحركات تحركت، وكانت الهمزة متطرفة أو متوسطة، أو ساكن في كلمة، مشددا أو غير مشدد، نحو: ﴿جَاءَ﴾، و﴿شَاءَ﴾، و﴿الْمَلائِكَةُ﴾، و﴿أُولَئِكَ﴾، و﴿هَاؤُمُ﴾ [الحاقة: ١٩]، و﴿الضَّالِّينَ﴾، و﴿الصَّاخَّةُ﴾ [عبس: ٣٣]، و"خبير، ويعملون" في الوقف، وفواتح السور ما اعترض فيه منها التقاء ساكنين١، و﴿مَحْيَايَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] في الوقف والوصل في قراءة من سكن الياء فيه.
لا خلاف في تمكين المد في حرف المد في هذين الضربين، زيادة على ما فيه من المد الذي لا يوصل إليه إلا به.
وقد جاء عن حمزة أنه رتب المد عند الهمزة ثلاث مرتبات.
حدثنا أبو القاسم خلف بن إبراهيم شيخنا -﵀- قراءة عليه وأنا أسمع، حدثنا الحسن بن سعيد بجور بفارس، قال: حدثنا محمد بن مخلد الأنصاري عن خلف بن هشام قال: سمعت سليما يقول: قال حمزة: أطول المد عند الهمزة ما كان بالفتح مثل: ﴿تِلْقَاءَ أَصْحَابِ﴾ [الأعراف: ٤٧]، و﴿جَاءَ أَحَدَهُمُ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ونحوهما، ومثله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ بالفتح، وقال: هو في موضع ألفين.
قال: والمد الذي دون ذلك ﴿إِلَّا خَائِفِينَ﴾ [البقرة: ١١٤]، و﴿الْمَلائِكَةِ﴾،
_________________
(١) ١ وهي حروف "ك، م، ع، س، ل، ن، ق، ص" مما كان على ثلاثة أحرف وسطهن حرف مد، وسيأتي بيان حكمها في باب المد.
[ ٢٢٥ ]
و﴿إِسْرائيلَ﴾ ونحو ذلك. وأقصر المد ﴿أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ﴾ لا يمد مثل "خائفين، والملائكة" ونحوه.
قال أبو جعفر: وهذه الحكاية غير مفهومة، وقد أنكر أبو بكر الشذائي قوله: في موضع ألفين، وقال: لا معنى له.
قال الخزاعي: وقال العبسي عنه: المد كله سواء، قال: وقال البزار عن خلاد عن سليم: كل المد عند حمزة سواء، يمد بين المد والقصر في كل القرآن، وهو اختيار ابن مجاهد، وبه قرأت من طريقه.
قال أبو جعفر: وهو الذي قرأت أنا به، فإن كانت الهمزة طرفا نحو "السماء، وماء، والسراء، والضراء" ونحوه، ووقفت عليها فعندي أنه يكون المد أطول؛ لأنه قد اجتمع فيه ما افترق في ﴿جَاءَ﴾، و﴿الضَّالِّينَ﴾ فإن خففت هذه الهمزة على مذهب حمزة وهشام احتُمل المد وتركه، وقد أحكمت ذلك قبل.
وما مُد لساكن بعده أحق وأولى بتمكين المد مما مُد لهمزة بعده؛ لأن المد للهمزة إنما هو على التشبيه بما مُد للساكن، والمد لالتقاء الساكنين لا بد منه، ألا ترى أنه لا يجتمع في الوصل ساكنان في كلامهم، وأنه لا بد من تحريك أو حذف، وهذا المد في ﴿الضَّالِّينَ﴾ وبابه عوض من الحركة، فيصير الساكن لأجل المد بمنزلة ما كان الحرف الذي قبله متحركا، ألا تراهم في المنفصل فروا إلى الحذف نحو: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا﴾ [النمل: ٤٧]، و﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ﴾ [المائدة: ٥٤] و﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾، و﴿قَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: ١٥] ونحوه إلا "عنهو تلهى" [عبس: ١٥] للبزي، وقد ذكرناه.
[ ٢٢٦ ]
شرح الثاني
وهو المختلف فيه من المد:
اختلفوا في المنفصل، وهو أن يكون حرف المد آخر كلمة، والهمزة أول كلمة أخرى، نحو قوله تعالى: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [البقرة: ٤]، و﴿فِي أَنْفُسَكُمْ﴾، و﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، و﴿هَؤُلاءِ﴾ وشبهه.
فكان ابن كثير وأبو عمرو وقالون يقصرون حرف المد فلا يزيدونه تمكينا على ما فيه من المد الذي لا يوصل إليه إلا به١.
واختلف عن كل واحد منهم، فقال الأهوازي: المد مذهب ابن مجاهد وابن شنبوذ وابن المنادي، وقراءة البغداديين واختيارهم في قراءة أبي عمرو وغيره.
والقصر مذهب ابن حرب المعدل ومردويه والحريري والمعدل والعطار، وقراءة البصريين واختيارهم في قراءة أبي عمرو وغيره.
قال: وحدثنا أبو عبد الله -يعني اللالكائي- عن أحمد بن نصر، عن أبي بكر بن مجاهد قال: أخذت عمن أخذ عن أصحاب اليزيدي عن أبي عمرو مد حرف لحرف.
قال: وقرأت على أبي عبد الله في ختمة الإدغام لأبي عمرو بمد حرف لحرف، نحو مد الكسائي.
قال: وقرأت على ابن باذين، عن أبي عبد الله الحسين بن شيرك، عن أبي حمدون، عن اليزيدي، عن أبي عمرو بمد حرف لحرف.
قال ابن باذين: قلت لابن شيرك: لِمَ لَمْ تقرأ على مردويه؟ فقال: كان لا يمد حرفا لحرف لأبي عمرو.
وقال أبو جعفر: وذكر أبو الحسن السعيدي عن أبي بكر بن الإمام أنه كان لا يمد
_________________
(١) ١ وهو القصر ومقداره المد حركتين، وقوله: "الذي لا يوصل إليه إلا به" هو المد الطبيعي.
[ ٢٢٧ ]
لأبي عمرو مدا تاما.
والذي قرأت به على أبي﵁- وسائر شيوخنا المد من طريق الدوري، والاعتبار من طريق أبي شعيب، إلا ابن شريح فإني قرأت عليه لهما بالمد.
وذكر الأهوازي عن أبي الحسن الخاشع، عن جماعة من أصحاب قنبل، منهم ابن الصباح، وابن بقرة، وابن عبد الرزاق، عن قنبل، وعن ابن الحباب عن البزي مد حرف لحرف، قال: كمد الكسائي سواء.
وبذلك قرأت على أبي القاسم -﵀- من هذين الطريقين عن قنبل، وعن البزي.
وذكر أبو الفضل الخزاعي عن أبي ربيعة عن قنبل مد ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ حيث وقع١، قال: ممدود مهموز، قال الخزاعي: وقياس روايته عن البزي يوجب المد، والله أعلم.
قال أبو جعفر: والذي قرأت به لابن كثير على شيوخنا الاعتبار إلا ما ذكرت مما قرأت به على أبي القاسم، وأنا أستحسن حكاية الخزاعي في مد ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ وآخذ به للجميع ممن اعتبر.
وأما قالون فذكر أبو محمد مكي لأبي نشيط المد، وذكر عثمان بن سعيد عنه الوجهين، وروى أبو أحمد الفرضي عن ابن بويان لأبي نشيط الاعتبار، وهو الذي ذكر الخزاعي والأهوازي لقالون من طرق أبي نشيط كلها، ومن جميع الطرق عنه إلا أبا سليمان وحده عن قالون.
وقرأت على أبي القاسم لهشام باعتبار المد، وقرأت على أبي -﵁- وعلى ابن شريح بالمد.
وقد ذكر الأهوازي عن الحلواني والهاشمي عن القواس عن ابن كثير: البتر في جميع ما كان من كلمتين، قال: وهو حذف الألف والياء والواو من سائرهن، قال:
_________________
(١) ١ نحو: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾، ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ﴾ وهو المعروف بمد التعظيم، ومقداره التوسط، ويكون معه قصر المنفصل، بمعنى يقصر نحو: ﴿فِي أَنْفُسِكُمْ﴾، ﴿بِمَا أُنْزِلَ﴾، ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ مع التوسط في ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ونحوه.
[ ٢٢٨ ]
إلا أن الحلواني عن القواس أثبت الألف، ومدها مدا وسطا في ثلاث كلمات لا غير، قوله تعالى: ﴿يَا آدَمُ﴾ حيث وقع، و﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨]، و﴿يَا أَيُّهَا﴾ حيث كان، وباقي الباب بالبتر.
فحدثني أبو داود عن أبي عمرو قال: "هذا مكروه قبيح، لا يُعمل عليه ولا يُؤخذ به، إذ هو لحن لا يجوز بوجه، ولا تجوز القراءة به، ولعلهم أرادوا حذف الزيادة لحرف المد وإسقاطها، فعبروا عن ذلك بحذف حرف المد وإسقاطه مجازا".
وقال لي أبي -﵁: يعني بالبتر حذف المد الذي تجلبه الهمزة، وليس يعني المد الذي كان في الألف قبل مجيء الهمزة؛ لأن ذلك لا يبتر من قبل الهمزة إنما توجب الزيادة في المد، ولا تجلب نقضه ولا إزالته.
وكنت حين قرأت بهذا الطريق على أبي القاسم -﵀- مرة أبتر المد جدا على حسب الظاهر من الرواية، ومرة آتي بأقصر التمكين غير مبتور.
ولا خلاف في تمكين حروف المد واللين وإن لم يلقهن شيء مما ذكرنا، تمكينا وسطا١ من غير إشباع ولا زيادة نحو "قال، وقولوا، وقيل، وتاب، ويتوب" وشبهه، وإن سمى هذا مقصورا فعلى معنى أنه قصر عن المد المشبع؛ لأنه لا مد فيه البتة، وأمكنهن في المد الألف ثم الياء ثم الواو.
وكان أبو القاسم يحكي لنا عن أبي بكر الصقلي أنه كان يذهب إلى أن أمكنهن في المد الواو ثم الياء ثم الألف، وهكذا وضع هذا أبو بكر في كتابه المعروف بـ "الاقتداء".
وقال ابن عبد الوهاب، فيما أخبرني عنه أبو الحسن بن كرز:
أجمعوا على مد ﴿يَا آدَمُ﴾، و﴿يَا أُخْت﴾، وأشكاله، أجروها مجرى ما هو من كلمة للزومها ما بعدها. قال: ويلزم مثل ذلك في: ﴿هَؤُلاءِ﴾ ثم فرق بين "ما" و"يا" بتعليل ذكره.
_________________
(١) ١ لا يقصد منه التوسط المعروف الآن، بل مرتبة بين حذف المد والمد بالتوسط، وقدرت هذه المرتبة بحركتين وأطلق على هذا النوع المد الطبيعي.
[ ٢٢٩ ]
والذي عليه شيوخنا أنه لا فرق بين ﴿يَا آدَمُ﴾ وبين ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ .
وقرأ الباقون بزيادة المد من غير اختلاف عنهم في ذلك حيث وقع.
والذين يقصرون المد في هذا المختلف فيه هم أقصر مدا في المتفق عليه، نص على ذلك الأهوازي وأبو عمرو، وهذا مما ذاكرت به أبا الحسن بن شفيع -﵀- وسألته عنه، فأخبرني بمثل ما ذكرا.
وإنما جرى القراء في المد على طريقة العرب في إدغام المتحرك، فالعرب اجتمعت على الإدغام فيما كان من كلمة نحو "قد، ومد، واحمر" ولم تجتمع في المنفصل نحو ﴿جَعَلَ لَكَ﴾ [الفرقان: ١٠] وإن كان الإدغام أحسن، قال سيبويه: "والبيان عربي جيد حجازي؛ لأن الحرف المنفصل لا يلزمه أن يكون بعده الذي هو مثله سواء".
وتعليل القراء المد مع الهمزة من كلمة ومن كلمتين كتعليل سيبويه في الإدغام، فتأمله.
وأطول القراء مدا في الضربين ورش وحمزة، ومدهما متقارب.
وحدثني أبو القاسم عن أبي معشر قال: وحمزة أطولهما مدا، وقال الأهوازي: مد ورش أطول من مد حمزة، قال: وقال ابن شنبوذ عنه: مثل مد حمزة أو أطول.
ويليهما عاصم؛ لأنه كان صاحب مد وقطع وقراءة شديدة، وبذلك وصفه شريك بن عبد الله القاضي، فيما حدثني علي بن أحمد بن كرز المقرئ، قراءة مني عليه، حدثنا ابن عبد الوهاب، حدثني الأهوازي شيخنا، حدثنا أبو إسحاق الطبري، حدثنا أبو بكر الولي، حدثنا أبو علي الصواف، حدثنا أبو حمدون عن شريك أنه قال ذلك.
ويليه ابن عامر والكسائي، على أن الأهوازي قد أسند عن ابن ذكوان حكاية في التجويد استقرأ منها أن مده كمد عاصم، ثم حكى في كتاب "الإيضاح" عن أبي عبد الله اللالكائي بإسناده إلى الأخفش عن ابن ذكوان أن مد ابن عامر كمد عاصم، قال: وما سمعت هذا من غير هذا الطريق، ووجدت أهل الشام ما يعرفون ذلك.
قال أبو جعفر: وعلى ما قرأت به للحلواني عن هشام من غير طريق ابن عبدان من ترك مد حرف لحرف يكون مد ابن عامر دون مد الكسائي.
[ ٢٣٠ ]
ويليهما أبو عمرو من طريق ابن مجاهد والبغداديين عن أبي عمرو، وقالون من طريق أبي نشيط من غير رواية الفرضي.
حدثنا أبو داود، حدثنا أبو عمرو قال: "وهذا كله على التقريب من غير إفراط، وإنما هو على مقدار مذاهبهم في التحقيق والحدر".
وحدثني أبي -﵁- عن أبي علي الحضرمي، عن ابن عبد الوهاب، عن الأهوازي قال: ويتفاضل ذلك على قدر اختلافهم في الحدر والتحقيق.
وحدثنا أبو القاسم، حدثنا أبو معشر، حدثنا الحسين بن علي، حدثنا الخزاعي قال: وقال سليم: سمعت حمزة يقول: إنما أزيد على الغلام في المد ليأتي بالمعنى.
وهذا مذهب لورش في المد انفرد به:
روى المصريون عن ورش في المد أصلين تفرد بهما، ولم يتابعه أحد من القراء عليهما:
أولهما: مد حرف المد واللين إذا تقدمته الهمزة في أول كلمة، أو وسطها، محققه كانت، أو ملقى حركتها على ساكن قبلها، أو مبدلة، في اسم كانت أو فعل أو حرف نحو "آمن، وآدم، ومن أوتي"، و﴿أُورِثُوا﴾ [الشورى: ١٤]، و﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ﴾ [قريش: ١، ٢]، و﴿جَاءُوكُمْ﴾، و﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾، و﴿هَؤُلاءِ آلِهَةً﴾ [الأنبياء: ٩٩]، و﴿إِي وَرَبِّي﴾ [يونس: ٥٣] وشبهه، فكانوا يأخذون له بزيادة المد في ذلك. هكذا نصوص المتقدمين منهم، وكذلك قال ابن شنبوذ وغيره من الأئمة عنهم، واستثنوا من ذلك إذا كان ما قبل الهمزة حرفا ساكنا صحيحا نحو "القرآن، والظمآن، ومسئولا، ومذءوما" وشبهه.
فإن كان الساكن معتلا، فذكر عثمان بن سعيد أن أهل الأداء اختلفوا؛ فمنهم من مد، ومنهم من قصر، ونحو ذلك: "النبيئين، وسوآتهما، والموءودة" أعني واو مفعول١ ونحو ذلك.
_________________
(١) ١ أي: الواو بعد الهمزة من "الموءودة" وسيأتي استثناء المد في الواو قبل الهمزة في: "سوآت، الموءودة" فيقصرها ولا يزيد على ما فيها من مد طبيعي.
[ ٢٣١ ]
قال: وكان شيخانا أبو القاسم وأبو الفتح لا يعيبان التمكين في ذلك إلا ﴿إِسْرائيلَ﴾ فلا خلاف أنه مقصور.
وذكر الأهوازي عن ورش في ﴿إِسْرائيلَ﴾ المد، وهو مذهب أبي محمد مكي؛ لأنه لم يستثنه.
ونص عليه النحاس ﴿إِسْرائيلَ﴾ بغير ياء، وبه كان يأخذ ابن أبي شنبوذ من طريقه، وليس يؤخذ بهذا، ولكن من أجله، والله أعلم، أخذ فيه من أخذ بترك الزيادة في المد.
واستثنى بعضهم من ذلك أيضا ما الهمزة فيه مجتلبة للابتداء نحو ﴿اؤْتُمِنَ﴾، و﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ﴾، و﴿ائْذَنْ لِي﴾ وشبهه، فلم يمد.
وذكر أبو محمد مكي أن منهم من يمد ويعامل اللفظ، قال: وترك المد أقيس، ولم يذكر أبو عمرو سوى ترك المد.
واستثنى جميعهم الألف المبدلة من التنوين، نحو "ماء، وغثاء"، و﴿جُفَاءً﴾ [الرعد: ١٧] لأن الألف عارضة في الوقف، وقياس مد ﴿اؤْتُمِنَ﴾ في الابتداء أن يمد ﴿جُفَاءً﴾ في الوقف١.
وأما ﴿يُؤَاخِذُكُمْ﴾، و﴿الْآنَ﴾ في الموضعين [يونس: ٥١، ٩١] و﴿عَادًا الْأُولَى﴾ في [النجم: ٥٠] فقد ذكر القراء أنه خالف أصله فيهن فلم يمد٢.
قال مكي: وليس هو مخالفة للأصل؛ لأن ما منعته عن أن يجري على أصله فليس بمخالفة للأصل.
وذكر في ﴿يُؤَاخِذُكُمْ﴾ أنه على قراءة من خفف الفاء من "واخذ" ولا يعرف أهل اللغة "واخذ".
وأما قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ [الشعراء: ٦١]، و﴿رَأى الْقَمَرَ﴾ [الأنعام: ٧٧]،
_________________
(١) ١ على أن كلا منهما عارض، لكن من الطرق عن الأزرق من مد بعد همزة الوصل، انظر "النشر" ولم يختلف في ترك الزيادة في المبدلة من التنوين. ٢ من الطرق عن الأزرق عدم استثناء مد ﴿الْآنَ﴾، و﴿عَادًا الْأُولَى﴾ .
[ ٢٣٢ ]
و﴿تَبَوَّأُوا الدَّارَ﴾ [الحشر: ٩] وبابه فممدود في الوقف؛ لأن سقوط حرف المد في الوصل هو العارض.
فجماع مذهبهم في هذا الأصل مختصرا أن نقول: كل همزة لازمة متقدمة على حرف المد، مبتدأة في حال تقدمها أو متوسطة، متحركا ما قبلها، لازما أو عارضا، أو ساكنا وهو غير معتل، فورش يمد الحروف الثلاثة إلا ما استثني. وقد تنازع القراء في هذا الأصل، فمنهم من أخذ فيه لورش بالمد الطويل المفرط، وعلى ذلك المغاربة، وقد قرأت على غير واحد منهم فرأيتهم يفضلونه في المد على ما تأخرت فيه الهمزة نحو ﴿جَاءَ﴾ ومنهم من زاد في التمكين على نحو ما يزيد مع تأخر الهمزة.
ومنهم من ترك زيادة المد في ذلك البتة، إما منكرا لظاهر الرواية، أو متأولا لها، وإما مختارا لما الرواية عنده خلافه.
فحكى أبو الحسين بن كرز، عن أبي القاسم بن عبد الوهاب، عن الأهوازي، عن أبي بكر الشذائي أنه يكره المد في "آمن، وآدم" ونحوه من المفتوح لئلا يلتبس الاستفهام بالخبر، ولا يكره ذلك في "إيمان، وأوتوا".
وكان أبو الحسن الأنطاكي ينكر زيادة المد في الباب كله، وعلى ذلك كان شيخه إبراهيم بن عبد الرزاق وجماعة من نظرائه.
وإلى إنكار ذلك ذهبت جماعة من المتأخرين، منهم طاهر بن غلبون، واعتمدوا في علة إنكار ذلك على التباس الخبر بالاستفهام.
وقد وضع أبو محمد مكي كتابا يؤيد فيه قول المصريين، وكذلك أبو عبد الله بن سفيان وضع كتابا على الأنطاكي خاصة، إلا أنه تعدى فيه الرد عليه إلى التحامل والجفاء.
وكان أبو عمرو عثمان بن سعيد يذهب إلى أن ما جاء عن أهل مصر ليس فيه دليل على زيادة المد في هذا الأصل، وتأول ما ورد عنهم على ما قد ذكروه في كتبهم.
[ ٢٣٣ ]
والظاهر أن زيادة المد الثابت عن أهل مصر على خلاف ما سواهم عليه من ترك الزيادة. والذي أختاره الزيادة في مد ذلك وإشباعه من غير إفراط ولا خروج عن حد كلام العرب، فأتبع القوم على ما رووا عن صاحبهم، ويكون ذلك أعون على التمطيط والتجويد الذي نلتزمه، ولا أخرج مع ذلك عن الاستناد إلى علة مجوزة لذلك.
وتلك العلة ما ذكره لي أبي -﵁- وأملاه علي فقال: إنما أشبع ورش المد في حرف المد بعد الهمزة في "آمن، وأوتي، وإيمان" إتباعا لإشباع مد حرف المد إذا كانت بعده الهمزة في ﴿جَاءَ﴾، و﴿لِيَسُوءُوا﴾ [الإسراء: ٤]، و﴿تَفِيءَ﴾ [الحجرات: ٩] وذلك لأن المد إنما يستعمل وصلة إلى اللفظ بالهمزة؛ لأن المد ينتهي به إلى مخرج الهمزة فيسهل النطق به، وإذا تقدمت الهمزة فقد حصل النطق بها، ولم يحتاجوا إلى مد يوصل، فكان ذلك المد لمجرد الإتباع لا لعلة موجبة، والاعتلال بالإتباع في كلامهم كثير.
قال: وما خرج عن هذا فهو استثناء من هذا الأصل، ورجوع إلى لغة من لم يتبع "كالقرآن، والظمآن" ونحوه.
الأصل الثاني: الياء والواو إذا انفتح ما قبلهما، وأتى بعدهما همزة في كلمة واحدة، ويسميها القراء حرفي اللين نحو "شيء، وشيئا، وكهيئة، واستيئسوا، وسوأة أخي، وسوآتكم، وسوآتهما" وشبهه.
فكانوا يأخذون لورش بزيادة التمكين للمد في ذلك، فمنهم من يفرط، ومنهم من يتوسط، واستثنوا من ذلك ﴿مَوْئِلًا﴾ [الكهف: ٥٨]، و﴿الْمَوْؤُودَةُ﴾ [التكوير: ٨] فلم يزيدوا في تمكينه، زاد أبو محمد مكي وغيره "سوآتكم، وسوآتهما" قال: يمد ما بعد الهمزة ولا يمد ما قبلها.
وكان أبو عدي، فيما حكى عنه أبو الفضل الخزاعي، يمد ما جاء من لفظ "شيء، وشيئا" فقط غير مفرط فيه١، ويقصر فيما سوى ذلك، وهي رواية
_________________
(١) ١ أي: بالتوسط.
[ ٢٣٤ ]
طاهر بن غلبون، وأظن أنها رواية ابن سيف عن أبي يعقوب، والأوليين رواية النحاس عنه، على أن الأهوازي ذكر عن الخرقي عن ابن سيف المد في الياء والواو كما بدأنا به.
فأما الوقف على الممدود، فكل ما بقي في الوقف الموجب لمده مُد، وما زال فيه الموجب لمده لم يُمد.
فواتح السور:
المد في فواتح السور إنما هو لعلة التقاء الساكنين، فما كان فيه منها التقاء ساكنين مد، وما لم يكن فيه لم يمد.
وقد قسمها مكي وأبو عمرو أربعة أقسام:
قسم هجاؤه على حرفين نحو "ها، وحا، ويا، وطا" فهذا لا إشباع مد فيه، إنما هو التمكين الذي لا يخلو منه حرف المد فقط، إلا أن أبا عبد الله الطرفي حكى عن قوم أنهم أخذوا لورش خاصة فيه بالإشباع إتباعا لما التقى فيه ساكنان، ولم أر ذلك لغيره.
وقسم هجاؤه على ثلاثة أحرف أوسطها متحرك نحو "ألف" فهذا لا يعرض فيه مد؛ لأنه ليس فيه حرف مد.
وقسم هجاؤه على ثلاثة أحرف، ثانيه حرف مد ولين نحو "كاف، وميم، وقاف، وسين" فهذا للجميع من القراء، مشبع المد، وما كان منه مدغما أطول مما لم يكن مدغما عند أكثر أهل الأداء، وبعضهم يسوي بين المدغم وغيره، والمخفى كالمظهر في الحكم.
وقسم هجاؤه على ثلاثة أحرف، ثانيه ياء قبلها فتحة، وهو الذي أخبرتك أن القراء يسمونه حرف اللين، وذلك "عين" في ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١]، و﴿عسق﴾ [الشورى: ٢] لا غير، فهذا فيه لهؤلاء المتأخرين قولان:
منهم من يمده لورش وحده، ولا يمده لسائر القراء، وهو مذهب أبي عبد الله بن سفيان.
[ ٢٣٥ ]
ومنهم من يمده للجماعة، فإذا قلنا: يمده للجماعة فيه، فمنهم من سوى بينه وبين حرف المد، وهو رأي ابن مجاهد، ومنهم من حطّه عنه، وهو مذهب ابن غلبون وأصحابه.
ولا أعلم أحدا ترك مد "عين" لورش، وإنما ذلك لأنه يمد "شيئا" وبابه، ومده لشيء يوجب مده لعين.
فأما سائر القراء فلا مد عنهم في "شيء" وبابه، فمن كان مذهبه من المتعقبين ترك المد في الوقف لما اجتمع فيه ساكنان لم يمد "عين" لأن حروف التهجي في حكم الموقوف عليها، ومن كان مذهبه المد في الوقف مد "عين" فاعلمه.
فأما ﴿الم، اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١، ٢] في قراءة الجماعة و﴿الم، أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ [العنكبوت: ١، ٢] في قراءة ورش فمن أهل الأداء من يراعي اللفظ، فلا يزيد في تمكين الياء من هجاء "ميم" فيهما لتحريك الميم، وعلى ذلك نص إسماعيل النحاس عن ورش.
ومنهم من يسوي بينه وبين ﴿الم، ذَلِك﴾ [البقرة: ١، ٢] وسائر ما لم تعرض فيه حركة، وهو القياس، وعليه أكثر الشيوخ للجميع من القراء.
فأما ما عرض فيه التقاء ساكنين في الوقف نحو: "تكذبان، والرحمن، ويعلمون، وتبصرون، وخبير، وبصير" وكذلك "لا ريب، والموت، وصالحين" فلأهل الأداء فيه مذهبان:
منهم من لا يمد شيئا من ذلك؛ لأن الوقف يحتمل اجتماع ساكنين، فحرف المد في هذا كغيره نحو "حفص وبكر"، وممن ذهب إلى هذا ابن سفيان.
ومنهم من يمد ويقول: إذ قدرت على الفرار من التقاء الساكنين لم أجمع بينهما.
وإلى هذا يميل أبي -﵁- وهو اختيار أبي الحسن الأنطاكي، وكلا القولين صواب.
وذكر سيبويه في "بكر وعمرو" أن من العرب من يكره فيه التقاء الساكنين، فينقل
[ ٢٣٦ ]
حركة الحرف الموقوف عليه إلى ما قبله، فيقول: هذا البكر، ومن البكر، قال: "ولا يكون هذا في زيد وعون ونحوهما؛ لأنهما حرفا مد، فهما يحتملان ذلك كما احتملا أشياء في القوافي لم يحتملها غيرهما وكذلك الألف، ومع هذا كراهية الضم والكسر في الياء والواو، فإنك لو أردت ذلك في الألف قلبت الحرف".
قال أبو جعفر: فكأن هؤلاء الذين ينقلون الحركة يلتزمون مد حرف المدة، والذين لا ينقلون وهم أكثر العرب، لا يلتزمون ذلك، والله أعلم.
فأما تفضيل حرف المد واللين في هذا على حرف اللين، فعلى ما تقدم من اختلاف المتعقبين فيه، على أن أبا عمرو قد ذكر أن حذاق أهل الأداء على ترك المد في حرف اللين نحو ﴿الْمَوْتْ﴾ . وقد تقدم من نص سيبويه تسميته له حرف مد، وهو في حكم الوقف كحرف المد واللين، من مد أو تركه، على القولين، كما كانا في حكم الإدغام سواء، والله أعلم.
[ ٢٣٧ ]