الهمزة حرف يخرج من أقصى الحلق، وهي أدخل الحروف في الحلق، فلما كانت كذلك استثقل أهل التخفيف إخراجها من حيث كانت كالتهوع١، فخففوها.
_________________
(١) ١ التهوع: تكلف القيء.
[ ١٦٥ ]
ولتخفيفها أحكام أرجأناها إلى ذكر وقف حمزة؛ لأن الحاجة إليه ثم أمس.
ونجري هنا على طريقة المقرئين في تقسيمها، وذكر اختلاف القراء فيها فنقول:
الهمزة لا تخلو من أن تكون متحركة أو ساكنة، والمتحركة لا تخلو من أن تلاقي همزة أخرى أو لا تلاقي.
فإن التقت الهمزتان فقد ذكر القراء أنهما يجيئان في كلمة وفي كلمتين، وتحقيقه إن ذلك كله من كلمتين إلا ﴿أَئِمَّةً﴾ .
فكل ما كان من كلمة فإنه ينقسم قسمين: أن تكون الهمزة الأولى داخلة على ألف اللام، أو تكون داخلة على غيرها.
فأما الداخلة على ألف اللام فجملة ما في القرآن من ذلك ستة مواضع وهي: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ﴾ في الموضعين في [الأنعام: ١٤٢، ١٤٤]، و﴿آلْآنَ﴾ في الموضعين في [يونس: ٥١، ٩١]، و﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ في [يونس: ٥٩]، و﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ في [النمل: ٥٩] .
فأجمع القراء على تحقيق همزة الاستفهام وتخفيف الثانية، وفي يونس موضع سابع على قراءة أبي عمرو، وهو "آلسحر"٨١.
وصورة التخفيف قد ذكر أصحاب سيبويه أنه بالبدل ألفا.
قال لي أبي -﵁: والذي يوجبه قول سيبويه في باب الهمز أنها تخفف بين بين، كما يخفف غيرها من الهمزات المتحركة، إلا ما استثنى من المفتوحة التي قبلها ضمة أو كسرة، وإنما تخفف بالبدل الهمزة الساكنة، وهذا العموم يتناول الوصل والقطع، فأما قوله: "إنما ثبتت تشبيها بهمزة أحمر، وكما شبهوها بها في قولهم: ألحمر في لغة من خفف الهمزة" وقوله في باب همزة الوصل: "ولم تحذف في الوصل" فإنما بين هنا أنها تخالف غيرها من همزات الوصل، في أن غيرها يحذف نحو ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ﴾ [ص: ٧٥] وهذه ثبتت لئلا يلتبس الاستفهام بالخبر، فذكر في كل باب ما يختص به، وجاء من مجموع ذلك ما ذكرناه.
قال أبو جعفر: وهذا أحسن غاية، وعلى هذا لا يتمكن المد، وعلى قول من
[ ١٦٦ ]
ذهب إلى البدل يتمكن المد.
وأما الداخلة على غير ألف اللام، فإنها تجيء على ثلاثة أضرب: مفتوحتان، ومفتوحة ومكسورة، ومفتوحة ومضمومة.
ذكر المفتوحتين:
المفتوحتان في جميع القرآن ثمانية وعشرون موضعا:
تسعة منها لم يمض القراء فيها على أصولهم.
وباقيها مضوا فيها على أصولهم، وهي تسعة عشر موضعا، أولها في البقرة ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ [٦] ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ﴾ [١٤٦]، وفي آل عمران ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ [٢٠] ﴿أَأَقْرَرْتُمْ﴾ [٨١]، وفي [المائدة: ١١٦] ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ﴾، وفي [هود: ٧٢] ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ وفي [يوسف: ٣٩] ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾، وفي [الإسراء: ٦١] ﴿أَأَسْجُدُ﴾، وفي [الأنبياء: ٦٢] ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ﴾، وفي [الفرقان: ١٧] ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ﴾، وفي [النمل: ٤٠] ﴿أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾، وفي يس: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ [١٠] ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ﴾ [٢٣]، وفي الواقعة: ﴿أَأَنْتُمْ﴾ أربعة مواضع [٥٩، ٦٤، ٦٩، ٧٢]، وفي [المجادلة: ١٣] ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾، وفي [النازعات: ٢٧] ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ﴾، فقرأ الكوفيون وابن ذكوان بتحقيق الهمزتين في هذه المواضع.
وقرأ الباقون، وهم الحرميان١ وأبو عمرو وهشام، بتسهيل الثانية منهما، وهم في التسهيل مختلفون.
فورش يبدلها ألفا، هكذا رواية المصريين عنه، والقياس أن يكون بين بين، وبه يأخذ له أبي -﵁- في هذا الفصل، وبه قرأت عليه.
وابن كثير يجعلها بين بين، ولا يدخل بينهما ألفا.
وقالون وهشام وأبو عمرو كذلك، إلا أنهم يدخلون بينهما ألفا.
_________________
(١) ١ نافع، وابن كثير.
[ ١٦٧ ]
وقد حكى أبو الطيب عن ورش مثل ذلك، وليس بمعروف.
فأما التسعة التي لم يمضوا فيها على أصل واحد:
فأولها: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾ في [آل عمران: ٧٣] .
قرأه ابن كثير بهمزتين على الاستفهام، الثانية منهما بين بين من غير فصل على أصله.
الباقون بهمزة واحدة على الخبر.
الثاني والثالث والرابع: ﴿أَأَمِنْتُمْ﴾ في [الأعراف: ١٢٣]، [وطه: ٧١]، [والشعراء: ٤٩] .
قرأ أبو بكر وحمزة والكسائي فيهن على الاستفهام بهمزتين محققتين بعدهما ألف.
وروى حفص في الثلاثة بهمزة وألف على الخبر.
وروى قنبل "فرعون وآمنتم" [الأعراف: ١٢٣] يبدل في حال الوصل من همزة الاستفهام واوا مفتوحة، ويمد بعدها مدة في تقدير ألفين١، هذه رواية ابن مجاهد عنه.
وقال غيره عنه: "فرعون وآمنتم" بواو بعدها همزة على الاستفهام، وقرأ في [طه] على الخبر بهمزة وألف٢، وقرأ في الشعراء على الاستفهام، وبهمزة ومدة مطولة في تقدير ألفين٣.
وكذلك قرأ الباقون٤ في الثلاثة.
وأجمعوا على ترك الفصل بين المحققة والمسهلة في هذه المواضع؛ كراهية اجتماع ثلاث ألفات بعد الهمزة، وليس ذلك في ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ على أن الأهوازي ذكر أنه
_________________
(١) ١ أي: يسهل الهمزة الثانية بين بين وبعدها ألف. ٢ مثل حفص. ٣ بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الثانية بين بين وبعدها ألف مثل قالون ومن معه. ٤ نافع والبزي وأبو عمرو وابن عامر وقنبل في غير ابن مجاهد.
[ ١٦٨ ]
قرأ على السلمي للشاميين عن ابن ذكوان بمدة في تقدير أربع ألفات، وهذا غير مأخوذ به.
ومن أخذ لورش في "ءأنذرتهم" بالبدل لم يأخذ له هنا إلا بين بين.
الخامس: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ﴾ في [فصلت: ٤٤] .
قرأه هشام بهمزة واحدة من غير مد على الخبر، كذلك قال أبو طاهر بن أبي هاشم، ومحمد بن أبي عمر النقاش، وأبو بكر الولي، وأبو العباس العجلي عن ابن مجاهد عن قنبل كهشام. وكذلك نص عليه ابن مجاهد في "كتاب المكيين" وفي "الجامع" وقال عنه في السبعة بالمد.
وقرأه الباقون بهمزتين على الاستفهام، وحققهما أبو بكر وحمزة والكسائي، ولين الباقون الثانية.
وفصل قالون وأبو عمرو بينهما على أصلهما في ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ وورش على أصله في إبدال الثانية ألفا من غير فصل، والقياس بين بين.
ولم يفصل ابن كثير على أصله أيضا، ومثله حفص؛ لأنه إذا حقق الهمزتين لم يفصل.
فأما ابن ذكوان فقد اختلف الشيوخ في الأخذ له، فكان عثمان بن سعيد يأخذ له بغير فصل كابن كثير، وكذلك روى لنا أبو القاسم -﵀- عن المليحي عن أبي علي البغدادي.
وكذلك قال محمد بن إبراهيم أبو عبد الله القيسي، فيما أخبرني عبد الله بن علي عن مروان بن عبد الملك عنه، وهؤلاء الثلاثة حُفّاظ، علماء بتأويل نصوص من تقدم.
وكان أبو محمد مكي بن أبي طالب يأخذ له بالفصل بينهما بألف، وعلى ذلك أبو الطيب وأصحابه، وهو الذي تعطيه نصوص الأئمة من أهل الأداء؛ ابن مجاهد
[ ١٦٩ ]
والنقاش وابن شنبوذ وابن عبد الرزاق وأبي الطيب التائب وأبي طاهر بن أبي هاشم وابن أشتة والشذائي وأبي الفضل الخزاعي وأبي الحسن الدارقطني وأبي علي الأهوازي، وجماعة كثيرة غيرهم من متقدم ومتأخر، قالوا كلهم: بهمزة ومدة١.
وهكذا الخلاف بين الشيوخ لابن ذكوان في ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ﴾ في [القلم: ١٤] .
فأما أبو عمرو ومن قال بقوله، فحجتهم ما حدثنا به أبي -﵁- قراءة عليه، حدثنا أبو داود وأبو الحسن، حدثنا أبو عمرو قال: لما لم يفصل ابن ذكوان بهذه الألف بين الهمزتين في حال تحقيقهما مع ثقل اجتماعهما علم أن فصله بها بينهما في حال تسهيله إحداهما مع خفة ذلك غير صحيح في مذهبه٢.
قال: على أن الأخفش قد قال في كتابه عنه بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية، ولم يذكر فصلا بينهما في الموضعين، قال: فاتضح ما قلناه.
وأما أبو محمد مكي ومن قال بقوله، فحجتهم ما حدثنا به أبو القاسم خلف بن محمد بن صواف -﵀- قراءة عليه وأنا أسمع، حدثنا أبو عبد الله محمد بن مطرف الطرفي، حدثنا أبو محمد مكي٣ قال في ترجمة ﴿أَأَعْجَمِيٌّ﴾: "لكن ابن ذكوان لم يجئ له أصل يقاس عليه، فيجب أن يحمل أمره على ما فعل هشام في "أئنكم" و"ءأنذرتهم" ونحوهما، فيكون مثل أبي عمرو وقالون، وحمله على مذهب الراوي معه عن رجل بعينه أولى من حمله على غيره". وقال في ترجمة ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ﴾ [القلم: ١٤]: "وكان حمل قراءة ابن ذكوان على مذهب هشام أولى لعلل، منها أنه لم يفرق بينهما في الترجمة في نقل الرواية في هذا، ومنها أن إجراءه على مذهب من روى معه عن رجل بعينه أولى من حمله على مذهب من لم يرو معه، ومن لم يرو هو عنه، ومنها أنه وجه حسن في التخفيف، في أشباه ذلك"٤.
_________________
(١) ١ ليس قولهم: "بهمزة ومدة" يدل على الفصل، ولكن يدل على تحقيق الأولى وتسهيل الثانية كالمدة، فعبروا عن بين بين بالمدة. ٢ الفصل لابن الأخرم عن الأخفش من "التبصرة" و"الهادي" و"الهداية" وللرملي عن الصوري عن ابن ذكوان من "غاية" الهمذاني. ٣ انظر "التبصرة: ٣٢٧" فيؤخذ منه الإدخال وعدمه، صدر عن الدار. ٤ انظر "التبصرة: ٣٦٤" صدر عن الدار.
[ ١٧٠ ]
وقال لي أبي -﵁: الأمر في هذا قريب، ولم يذكر مكي إلا ما قرأ به على أبي الطيب، ونصوص القوم يسبق منها ما ذهب إليه، والأقيس ما رواه أبو عمرو، وعبارتهم لا يقطع منها على خلاف ما رآه، لا سيما أن الكوفيين همزة بين بين عندهم ساكنة، فهي ممدودة، وتجيء عبارة القراء على قول الكوفيين، وهو أكثر ما يوجد لهم، والله أعلم.
السادس: ﴿آلِهَتِنَا﴾ في [الزخرف: ٥٨] .
أجمعوا على قراءته بالاستفهام، إلا ما ذكر الأهوازي عن أبي حفص الكتاني، عن زيد بن أبي بلال، عن الرملي، عن النحاس، عن أبي يعقوب، عن ورش أنه قرأه على الخبر، وهي رواية ابن عبد الرزاق، عن عبد الجبار بن محمد، عن أبي الأزهر عنه١، ولم أقرأ له بذلك.
وكان الكوفيون يحققون الهمزتين، وبعدهما ألف مبدلة من الهمزة التي هي فاء الفعل.
وسهل الباقون الثانية وبعدها ألف، ولم يدخل أحد منهم ألفا بين المحققة والمسهلة لما ذكرنا في ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٣] . وقياس قول السلمي عن الشاميين عن ابن ذكوان إدخالها بينهما، ولم يذكر فيه الأهوازي عنه شيئا.
السابع: ﴿أَذْهَبْتُمْ﴾ في [الأحقاف: ٢٠] .
قرأ ابن ذكوان بهمزتين محققتين من غير إدخال ألف بينهما، وكذلك قال الأخفش عن هشام.
وقرأ ابن كثير وهشام بهمزتين الثانية مسهلة، وأدخل هشام بينهما ألفا على أصله، ولم يدخلها ابن كثير على أصله أيضا. الباقون بهمزة واحدة على الخبر.
الثامن: ﴿النُّشُورُ، أَأَمِنْتُمْ﴾ [الملك: ١٥، ١٦] .
أجمعوا على الاستفهام فيه، وحقق الهمزتين الكوفيون وابن ذكوان.
_________________
(١) ١ عن ورش، انظر طريقه في "المستنير" لابن سوار، صدر عن الدار.
[ ١٧١ ]
ولين الثانية الباقون، وهم على أصولهم في البدل، وبين بين.
وروى ابن مجاهد وجماعة عن قنبل أنه أبدل همزة الاستفهام واوا مفتوحة في الوصل، فإذا ابتدأ حققها.
فأما الثانية التي هي فاء الفعل، فالثابت عن ابن مجاهد وغيره عنه تسهيلها بين بين.
وذكر الأهوازي عن ابن شنبوذ، وغيره عن قنبل تحقيقها١، فيقول:
"النشور، وأمنتم".
والصواب عندي في الرواية ما ثبت عن ابن مجاهد٢ عنه، ألا ترى أنه إذا ابتدأ على هذا القول جمع بين همزتين محققتين، وهذا خلاف لأصله، إلا أن يكون في قول هؤلاء إذا ابتدأ ليَّنها، وإذا وصل حقَّقها على نحو ما يصنع من تخفيف ﴿الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] والله أعلم، وهو على هذا أيضا خلاف لأصله.
وذكر الأهوازي أيضا عن جماعة عن قنبل تحقيق همزة الاستفهام في الوصل كالباقين.
التاسع: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ﴾ في [القلم: ١٤] .
قرأ أبو بكر وحمزة وابن عامر ﴿أَنْ كَانَ﴾ بهمزتين على الاستفهام، ولين الثانية ابن عامر، وفصل هشام بينهما بألف، وابن ذكوان كذلك عند مكي.
ولا يفصل عند أبي عمرو٣ على ما ذكرناه آنفا في ﴿أَأَعْجَمِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤] .
وذكر عن هشام وعن ابن ذكوان أيضا تحقيق الهمزتين.
الباقون بهمزة واحدة على الخبر.
_________________
(١) ١ ذكر في "النشر" تحقيق الثانية مع إبدال الأولى وصلا بما قبلها لابن شنبوذ، وتسهيل الثانية مع إبدال الأولى وصلا بما قبلها لابن مجاهد، ولا خلاف بينهما ابتداء بها في تحقيق الأولى وتسهيل الثانية. ٢ وكذا ما ثبت عن ابن شنبوذ. ٣ أي: الداني صاحب "التيسير".
[ ١٧٢ ]
ذكر الهمزتين المفتوحة والمكسورة:
وجملتها أربعة وعشرون موضعا، سوى الاستفهامين، فإني وضعت لهما بابا مفردا.
والهمزة الأولى في هذه المواضع للاستفهام إلا في ﴿أَئِمَّةً﴾ .
فمن هذه الأربعة والعشرين ثمانية عشر حرفا جَرَوْا فيها على أصل واحد، وستة لم يجروا فيها على أصل واحد.
فأما التي جروا فيها على أصل واحد، فأولها في [الأنعام: ١٩] ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ﴾، وفي [الشعراء: ٤١] ﴿أَإِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾، و﴿أَئِمَّةً﴾ في خمسة مواضع، في [التوبة: ١٢] ﴿أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾، وفي [الأنبياء: ٧٣] ﴿أَئِمَّةً يَهْدُونَ﴾، وفي القصص:
﴿أَئِمَّةً﴾ موضعان [٥، ٤١]، وفي [السجدة: ٢٤] ﴿أَئِمَّةً يَهْدُونَ﴾ .
وهذا هو على الحقيقة من كلمة واحدة؛ لأنه "أَفْعِلة" جمع إمام.
وفي [النمل: ٥٥] ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُون﴾، وفيها ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ خمسة مواضع [٦٠، ٦١، ٦٢، ٦٣، ٦٤] .
وفي [يس: ١٩] ﴿أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾، وفي الصافات: ﴿أَإِنَّكَ لَمِنَ﴾ [٥٢]، ﴿أَإِنَّا لَتَارِكُو﴾ [٣٦] ﴿أَإِفْكًا آلِهَةً﴾ [١٨٦]، وفي [فصلت: ٩] ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ﴾ .
فقرأ الحرميان وأبو عمرو بتحقيق الأولى، وتسهيل الثانية بين بين.
وفصل بينهما بألف قالون وأبو عمر.
والباقون بتحقيق الهمزتين فيهن، وأدخل هشام بينهما ألفا من طريق الفضل وابن عبدان عن الحلواني عنه.
وقرأنا للحلواني عنه من طريق ابن غلبون بغير فصل إلا في الاستفهامين، ونذكر الخلاف فيهما بعد الفراغ من هذا الباب، وإلا في سبعة مواضع؛ أربعة من هذه
[ ١٧٣ ]
التسعة عشر وهي ﴿أَإِنَّ لَنَا﴾ في الشعراء، ﴿أَإِنَّكَ لَمِنَ﴾ في الصافات، وفيها ﴿أَإِفْكًا﴾، و﴿أَإِنَّكُمْ﴾ في فصلت.
وثلاثة من الستة التي خالفوا فيها أصولهم، وهي في الأعراف ﴿أَإِنَّكُمْ﴾ [٨١] و﴿أَإِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ [١١٣]، وفي [مريم: ٦٦] ﴿أَإِذَا مَا مِتُّ﴾ فإنه فصل في هذه السبعة بين الهمزتين، ولين الثانية في "فصلت" خاصة، وهذه رواية محمد بن هشام بن عمار عن أبيه فيما ذكر الأهوازي، غير أنه لم يذكر التليين في ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ﴾، ولا ذكر ﴿أَإِذَا مَا مِتُّ﴾ .
وقال في "الإيضاح": رأيت من يمدهنَّ -يعني الستة- بهمزة واحدة فيهن فقط، عن الحلواني عن هشام.
وأما المواضع الستة:
فأولها: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ﴾ في [الأعراف: ٨١] .
قرأه نافع وحفص: ﴿إِنَّكُمْ﴾ على الخبر.
الثاني: ﴿أَإِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ فيها [١١٣] .
قرأه الحرميان وحفص ﴿إِنَّ﴾ بهمزة مكسورة على الخبر.
الثالث: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ﴾ في [يوسف: ٩٠] .
قرأه ابن كثير ﴿إِنَّكَ﴾ بهمزة مكسورة على الخبر.
الرابع: "إذا ما مت" في [مريم: ٦٦] .
قرأه ابن ذكوان بهمزة واحدة مكسورة على الخبر، هكذا قال ابن شنبوذ عن الأخفش، وتابعه على ذلك عبد الله بن أحمد البلخي، وجعفر بن أبي داود، والشاميون، وكذلك نص عليه الأخفش في كتابه. واختُلف عن ابن الأخرم، فحكى عنه صالح بن إدريس، وأبو بكر الشذائي، وأبو الفرج الشنبوذي، وأبو الحسن الثغري، وغيرهم من العراقيين بهمزتين، وتابعهم على ذلك من أصحابه الشاميين محمد بن عبيد بن الخليل، وقال الأهوازي عن أبي بكر السلمي عن ابن الأخرم
[ ١٧٤ ]
وجماعة معه بهمزة واحدة. وكذلك قال أبو سهل عن ابن الأخرم، وعن النقاش عن الأخفش بهمزتين، لم يُختلف عن الأخفش في ذلك.
الخامس: ﴿أَإِذَا مِتْنَا﴾ في [ق: ٣] .
قرأه هشام بهمزة واحدة على الخبر، هكذا حدثنا به أبو القاسم -﵀- عن أبي معشر عن الكارزيني عن الشذائي، وعن أبي معشر عن الدقاقي عن أبي الفضل الخزاعي عن الشذائي عن ابن عبد الصمد عن الفضل عن الحلواني.
وقرات عليه من طريق الأهوازي عن التستري عن ابن عبد الصمد بالاستفهام كالباقين، وكذلك قرأت من طريق ابن عبدان، وابن غلبون.
وذكر الأهوازي أن الخبر فيه رواية أبي الحسين الأزرق عن الحلواني عن هشام.
السادس: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦٦] .
قرأه أبو بكر بهمزتين، والباقون بواحدة مكسورة.
قال أبو جعفر: وتسهيل الثانية في قول من سهَّل في هذا الفصل بأن تجعل بين بين، أي: بين الهمزة والحرف الذي منه حركتها، وهي الياء، إلا في ﴿أَئِمَّةً﴾ فإن حكم التخفيف فيه عند النحويين والقراء الإبدال ياء محضة؛ لأنها من كلمة واحدة وهكذا نص عليه سيبويه.
ومن القراء من يأخذ في الباب كله بالإبدال ياء محضة.
وذكر الأهوازي أنه قرأ بذلك لأبي عمرو من طريق ابن أبي برزة عن الدوري، قال: وقال أبو الحسن العلاف -﵀: إظهار الياء في تليين الثانية من ذلك هو مذهب البصريين عن أبي عمرو.
[ ١٧٥ ]
الاستفهامان:
اختلفوا في الاستفهامين إذا اجتمعا في أحد عشر موضعا: في الرعد موضع [٥]، وفي بني إسرائيل موضعان [٤٩، ٩٨]، وفي المؤمنون موضع [٨٢]، وفي النمل موضع [٦٧]، وفي العنكبوت موضع [٢٨، ٢٩]، وفي السجدة موضع [١٠]، وفي الصافات موضعان [١٦، ٥٣]، وفي الواقعة موضع [٤٧]، وفي النازعات موضع [١٠، ١١] .
وكلها يجتمع الاستفهامان منها في آية، سوى "العنكبوت، والنازعات" فإنهما من آيتين.
فكان نافع والكسائي يجعلان الأول منهما استفهاما والثاني خبرا، وخالفا أصلهما في "النمل، والعنكبوت".
أما في "النمل" فأخبر نافع بالأول واستفهم بالثاني، وقرأ الكسائي على أصله إلا أنه زاد نونا في ﴿أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ١.
وأما في "العنكبوت" فأخبر نافع بالأول واستفهم بالثاني، وجمع الكسائي بين الاستفهامين.
وقرأ ابن عامر بضدهما، فأخبر بالأول واستفهم بالثاني، إلا في "النمل، والنازعات" فإنه استفهم بالأول وأخبر بالثاني، وزاد في "النمل" نونا كالكسائي.
وقرأ في "الواقعة" يجعلهما استفهاما.
وهي قراءة الباقين من القراء في جميع هذا الباب، إلا أن ابن كثير وحفصًا خالفا أصلهما في "العنكبوت" فأخبرا بالأول واستفهما بالثاني، وهم على أصولهم في التخفيف والتحقيق، والفصل وتركه.
وابن غلبون يفصل بين الهمزتين لهشام كسائر رواة الحلواني عنه.
_________________
(١) ١ أي: "إننا لمخرجون".
[ ١٧٦ ]
والشيوخ يوردون الاستفهامين على ثلاثة أوجه:
الأول: أن تذكر بخلافها واستثنائها، وإعادة مذاهبهم في التحقيق والتليين، والفصل وتركه.
الثاني: أن تذكر بخلافها واستثنائها فقط كما ذكرناها.
الثالث: أن تذكر بخلافها فقط، فيقال: نافع والكسائي يستفهمان بالأول، ويخبران بالثاني إلا ما استثنى.
ابن عامر بضدهما إلا ما استثني.
الباقون بالجمع بين الاستفهامين، إلا ما استثنى بعضهم.
ذكر الهمزتين المفتوحة، والمضمومة:
وهي أربعة مواضع، الهمزة الأولى فيهن للاستفهام، ثلاثة منها الترجمة فيها واحدة، وهي ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ في [آل عمران: ١٥]، و﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ﴾ في [ص: ٨]، ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ﴾ في [القمر: ٢٥] .
فالحرميان وأبو عمرو يسهلون الثانية، وقالون يُدخل بينهما ألفا.
وكذلك قرأت لأبي شعيب من طريق ابن حبش، وكذلك ذكر أبو محمد مكي عن أبي شعيب فيما قرأته على غير أبي الطيب.
وذكر الشيخ أبو محمد أيضا أنها رواية ابن اليزيدي عن أبيه، والذي ذكر الخزاعي والأهوازي عن ابن اليزيدي قصر ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ ومد ﴿أَأُنْزِلَ﴾ و﴿أَأُلْقِيَ﴾ .
واختلف عن هشام، فقرأت من طريق ابن عبدان عن الحلواني عنه بهمزتين بينهما ألف فيهن قولا واحدا، ومن طريق ابن غلبون عن الحلواني بتحقيق الهمزتين في "آل عمران" من غير ألف بينهما وبتسهيل الثانية في ﴿أَأُنْزِلَ﴾ و﴿أَأُلْقِيَ﴾ وبفصل فيهما بألف.
وقال الأهوازي في مفردة ابن عامر: الحلواني عن هشام بهمزتين مقصورتين،
[ ١٧٧ ]
وبهمزتين بينهما مدة، وبهمزة واحدة ممدودة فيهن، ثلاثة أوجه عنه.
وبها ثلاثتها قرأت على أبي القاسم -﵀.
الباقون بتحقيق الهمزتين فيهن من غير ألف بينهما.
الموضع الرابع: ﴿أَشْهِدُوا﴾ في [الزخرف: ١٩] قرأه نافع بهمزتين، الثانية مضمومة مسهلة بين الهمزة والواو، وفصل قالون من غير طريق مكي بألف.
الباقون ﴿أَشْهِدُوا﴾ بهمزة واحدة، مبني الفعل للفاعل.
القسم الثاني:
وهو ما كان من الهمزتين المتحركتين في كلمتين
وذلك ينقسم قسمين: أن تكونا متفقتي الحركة أو مختلفتي الحركة، فالمتفقتا الحركة على ثلاثة أقسام: مكسورتان، ومفتوحتان، ومضمومتان.
ذكر المكسورتين:
إذا اتفقتا بالكسر فجملة ما في القرآن من ذلك خمسة عشر موضعا، كلها قبل الهمزة الأولى منها ألف إلا موضعا واحدا ما قبل الهمزة فيه واو.
أولها في [البقرة: ٣١] ﴿هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ﴾، وفي النساء: ﴿مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا﴾ موضعان [٢٢، ٢٤] وفي [هود: ٧١] ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾، وفي [يوسف: ٥٣] ﴿بِالسُّوءِ إِلَّا﴾، وهذا هو الموضع الذي قبل الهمزة فيه واو، وفي [بني إسرائيل: ١٠٢] ﴿هَؤُلاءِ إِلَّا﴾ وفي [النور: ٣٣] ﴿عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ﴾، وفي [الشعراء: ١٨٧] ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ﴾، وفي [السجدة: ٥] ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾، وفي الأحزاب ﴿مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [٣٢]، و﴿أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ﴾ [٥٥]، وفي سبأ ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ﴾ [٩]، و﴿أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ﴾ [٤٠]، وفي [ص: ١٥] ﴿هَؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً﴾، وفي [الزخرف: ٨٤] ﴿فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ﴾ فقرأ الكوفيون وابن عامر بتحقيق الهمزتين
[ ١٧٨ ]
فيهن، وسهل الباقون.
واختلفوا في صور التسهيل، فكان قنبل وورش يبدلان الثانية ياء ممدودة، هكذا نصوص القراء، والقياس فيه بين بين.
وحدثنا أبو داود قال: حدثنا أبو عمرو قال: أخذ على ابن خاقان لورش بجعل الثانية ياء مكسورة في الموضعين خاصة في البقرة ﴿هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ﴾، وفي النور ﴿عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ﴾ قال: وذلك مشهور عن ورش في الأداء، دون النص.
وقرأ قالون والبزي بجعل الأولى بين بين، وتحقيق الثانية إلا قوله تعالى: ﴿بِالسُّوءِ إِلَّا﴾ فإنهما حذفا الهمزة الأولى، وألقيا حركتها على الواو قبلها، وحققا الثانية.
هكذا أخذ علينا أبي -﵁- وهو القياس، ولا أعلمه روي.
والذي يذكر القراء فيه ﴿بِالسُّوءِ إِلَّا﴾ بواو مشددة بدلا من الهمزة، وبهذا يأخذ معظمهم.
ومنهم من أخذ لهما بجعل الأولى بين بين كالمواضع الأربعة عشر، وهو مذهب الكوفيين، يجرون الواو والياء مجرى الألف في تخفيف الهمزة بعدهما بين بين، وسيجيء ذكر هذا في وقف حمزة إن شاء الله.
ذكر المفتوحتين:
وجملة ما في القرآن منها تسعة وعشرون موضعا: أولها في [النساء: ٥] ﴿السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾، وفيها [النساء: ٤٣] ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ﴾ وفي [المائدة: ٦] ﴿جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ﴾، وفي [الأنعام: ٦١] ﴿جَاءَ أَحَدَكُمُ﴾، وفي الأعراف ﴿جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ [٣٤] و﴿تِلْقَاءَ أَصْحَابِ﴾ [٤٧]، وفي [يونس: ٤٩] ﴿جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾، وفي هود: ﴿جَاءَ أَمْرُنَا﴾ سبعة مواضع [٤٠، ٥٨، ٦٦، ٧٦، ٨٢، ٩٤، ١٠١]، وفي الحجر ﴿جَاءَ آلَ لُوط﴾ [٦١] و﴿جَاءَ
[ ١٧٩ ]
أَهْلُ الْمَدِينَةِ﴾ [٦٧]، وفي [النحل:٦١] ﴿جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾، وفي [الحج: ٦٥] ﴿السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ﴾، وفي [المؤمنون: ٢٧، ٩٩] ﴿جَاءَ أَمْرُنَا﴾ و﴿جَاءَ أَحَدَهُمُ﴾، وفي [الفرقان: ٥٧] ﴿شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ﴾، وفي [الأحزاب: ٢٤] ﴿إِنْ شَاءَ أَوْ﴾، وفي [فاطر: ٤٥] ﴿جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾، وفي [المؤمن: ٧٨] ﴿جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾، وفي [القتال: ١٨] ﴿جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾، وفي [القمر: ٤١] ﴿جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ﴾، وفي [الحديد: ١٤] ﴿جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾، وفي [المنافقون: ١١] ﴿جَاءَ أَجَلُهَا﴾، وفي [عبس: ٢٢] ﴿شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾، فحقق الهمزة فيهن الكوفيون وابن عامر، وسهل ورش وقنبل الثانية بأن أبدلاها ألفا، هكذا عبارتهم، والقياس أن تجعل بين بين، كذلك ذكره سيبويه، وبه أخذ علينا أبي -﵁- وبه كان يأخذ طاهر بن غلبون، ولا أعلمه روى.
وقالون والبزي وأبو عمرو يحذفون الأولى، هكذا يأخذ القراء لهم.
وروى سيبويه عن الخليل عن أبي عمرو جعل الأولى بين بين على ما يوجبه القياس، وحذف الهمزة من التخفيف الشاذ.
قال أبو جعفر: وتسهيل الثانية في هذا عند الخليل وسيبويه أولى من تسهيل الأولى، ويحتجان بأن التخفيف وقع على الثانية إذا كانتا في كلمة واحدة، نحو آدم وآخر، فكذلك إذا كانتا من كلمتين.
وكان أبو محمد مكي يأخذ لورش في ﴿جَاءَ آلَ لُوطٍ﴾ في الموضعين خاصة بين بين، قال: "لأنك لو أبدلت لوجب الحذف؛ لالتقاء الساكنين".
وكان أبو عمرو يأخذ له بالبدل١، فلينظر الأرجح من قوليهما، وقد تقدم الكلام على أصل ﴿آلَ﴾ في الإدغام.
_________________
(١) ١ ويكون له القصر والمد.
[ ١٨٠ ]
ذكر المضمومتين:
وهما في موضع واحد، في قوله تعالى: ﴿أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ﴾ في [الأحقاف: ٣٢] .
فورش وقنبل يخففان الثانية، واختلفت عبارة القراء لهما على ما قدمناه في الفصلين قبل، والوجه بين بين.
وقال أبو محمد مكي: "البدل أحسن في قراءة ورش خاصة؛ لأن الرواية عنه أنه مد الثانية".
وقالون والبزي يجعلان الأولى بين بين، أي: بين الهمزة والواو.
وأبو عمرو يسقطها، والوجه في ذلك بين بين، والباقون يحققونهما معا.
قال لي أبي -﵁: مذهب سيبويه أن همزة بين بين متحركة، ومذهب الكوفيين أنها ساكنة، فيمكن أن يحمل ما جاء من عبارة القراء في مذهب من سهل إحدى الهمزتين في هذه الأبواب، إذ عبروا بالمد على مذهب الكوفيين، فلا يخرج ذلك عن التخفيف بين بين إلى غيره، على أنهم أكثر ما يعبرون بالبدل، والله أعلم.
القسم الثاني:
من الهمزتين المتحركتين في كلمتين:
وذلك المختلفتا الحركة، وهما يجيئان على خمسة أضرب:
الأول: مضمومة ومفتوحة، نحو: ﴿السُّفَهَاءُ أَلَا﴾ [البقرة: ١٣]، و﴿يَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ [هود: ٤٤]، و﴿الْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾ [الممتحنة: ٤] .
الثاني: مفتوحة ومضمومة، عكس الأول، وذلك في موضع واحد، قوله تعالى: ﴿جَاءَ أُمَّةً﴾ [المؤمنون: ٤٤] .
الثالث: مكسورة ومفتوحة، نحو: ﴿مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]،
[ ١٨١ ]
و﴿وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٦] .
الرابع: مفتوحة ومكسورة، عكس الثالث، نحو: ﴿شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ﴾ [البقرة: ١٣٣] .
الخامس: مضمومة ومكسورة، نحو ﴿مَنْ يَشَاءُ إِلَى﴾ [البقرة: ١٤٢، ٢١٣]، و﴿نَشَاءُ إِنَّكَ﴾ [هود: ٨٧]، ولا عكس له في القرآن.
فقرأ الكوفيون وابن عامر بتحقيق الهمزتين في الأضرب الخمسة.
وقرأ الباقون بتسهيل الثانية على ما تقتضيه مقاييس العربية من وجوه التسهيل، فالضرب الأول والثالث تسهل فيه الهمزة بأن تبدل واوا محضة وياء محضة، فيقول: "السفهاء ولا"، و"وعاء يخيه"، ولا يجعل بين بين؛ لأنها إذا فعل بها ذلك قربت من الألف، والألف لا تكون قبلها ضمة ولا كسرة، فكذلك ما قرب منها.
على أن الأهوازي قد ذكر من طريق ابن برزة عن الدوري عن اليزيدي عن أبي عمرو أنه يترك الثانية من ﴿السُّفَهَاءُ أَلَا﴾ وبابه، ويجعل مكانها فتحة كالألف، ومعنى هذا أنه يجعلها بين بين.
فقال لي أبي -﵁: هذا إن أمكن النطق به بمنزلة ما يقول سيبويه في: هذا مرتع إبلك، وسئل، بتقريب الهمزة المكسورة من الياء الساكنة وقبلها ضمة، ولا يجوز في الياء الساكنة أن يكون قبلها ضمة، ففرق بين المقرب من الياء والياء الساكنة.
وقال أصحابه: هذا مما لا يستطاع النطق به، فكأن هذا عند أبي عمرو مما يستطاع النطق به، ولعل سيبويه أراد بقوله: لا يستطاع النطق به، أي: يثقل، كما تقول: لا أستطيع كلام زيد، أي: أستثقله.
والأضرب الثلاثة الباقية تخفيف الهمزة فيها بين بين، أي: بين الهمزة والواو١، وبين الهمزة والياء٢، هذا مذهب الخليل وسيبويه، وعليه من القراء من يضبط
_________________
(١) ١ في ﴿جَاءَ أُمَّةً﴾ ونحو ﴿يَشَاءُ إِلَى﴾ . ٢ في المكسورة بعد مفتوحة.
[ ١٨٢ ]
العربية، فأما ما أخذ به أكثر أهل الأداء وآثروه، من إبدال المكسورة المضموم ما قبلها واوا مكسورة على حركة ما قبلها فيقول: "يشاء ولي" فليس بمذهب لأحد١، وهم يعزونه إلى الأخفش.
وأخبرنا أبي -﵁- قال: الذي حكى أبو عمرو الجرمي في كتابه عن الأخفش أن الهمزة المكسورة التي قبلها ضمة يبدلها واوا في المتصل كسئل، ويجعلها بين الهمزة والياء في المنفصل، كقول الخليل وسيبويه سواء، في نحو قولهم: هذا مرتع إبلك.
وبالوجهين كان يأخذ أبو عمرو، وحكى أنه قرأ على فارس بين بين، وعلى أكثر شيوخه بالبدل واوا، وكان أبو محمد مكي يأخذ بين بين، وبه نأخذ.
وقد جرى على أبي محمد مكي وهم في القول المعزو إلى الأخفش، فحكى عنه أنه يخفف بين الهمزة والواو، وإنما هو بالإبدال واوا محضة، هكذا الحكاية عنه.
وقد بينا أن ذلك في المتصل فقط، والتسهيل إنما هو في الوصل لتلاصق الهمزتين.
ذكر الضرب الثاني من قسمي المتحركة، وهو ما لم تلق الهمزة فيه همزة أخرى
هذا الضرب لا تخلو الهمزة فيه من أن تكون فاء أو عينا أو لاما.
فالتي هي فاء لا تخلو من أن يكون ما قبلها متحركا مثلها أو ساكنا، والمتحرك ما قبلها لا يخلو أن تكون تلك الحركة مخالفة لحركة الهمزة أو موافقة لها، فإن كانت مخالفة لها فذلك على ثلاثة أضرب:
الأول: الهمزة المفتوحة المضموم ما قبلها:
سهلها ورش بالبدل واوا في ثلاثة أسماء، وخمسة أفعال، فالأسماء: ﴿مُؤَجَّلًا﴾
_________________
(١) ١ قال الشاطبي: إنه مذهب أكثر القراء، انظر متن الشاطبية بيت رقم "٢١٢"، وقال ابن الجزري: إنه مذهب القراء قديما.
[ ١٨٣ ]
[آل عمران: ١٤٥]، ﴿وَمُؤَذِّنٌ﴾ [الأعراف: ٤٤، يوسف: ٧٠]، ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ﴾ [التوبة: ٦٠]، والأفعال: ﴿يُؤَاخِذُ﴾ [النحل: ٦١، فاطر: ٤٥]، و﴿يُؤَخِّرَ﴾ [المنافقون: ١١] وما جاء منهما، و﴿يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ﴾ في [آل عمران: ١٣]، و﴿يُؤَدِّهِ﴾ [آل عمران: ٧٥] وبابه، و﴿يُؤَلِّفُ﴾ [النور: ٤٣] وبابه.
وحقق الباقون، وإذا وقف حمزة وافق ورشا.
الثاني: الهمزة المفتوحة المكسور ما قبلها:
أبدلها ورش ياء في ﴿لِئَلَّا﴾ حيث وقع، وفي ﴿لِأَهَبَ لَكِ﴾ في [مريم: ١٩] .
ووافقه أبو عمرو على التخفيف في ﴿لِأَهَبَ لَكِ﴾ وقد قيل: إن الياء في "ليهب" ياء المضارعة، وقيل: ما حملناه عليه من أنها بدل من ألف المتكلم، وكلا الوجهين صواب. وهذا الفصل ليست الهمزة فيه فاء على الحقيقة، ألا ترى أن "أن" حرف، والحروف لا توزن، وأن الفاء في "ليهب" محذوفة كما تحذف في مضارع "وعد"؟!
الثالث: الهمزة المضمومة المفتوح ما قبلها:
وذلك حرفان: ﴿يَؤُودُهُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، و﴿تَؤُزُّهُمْ﴾ [مريم: ٨٣] .
أجمعوا على تحقيقهما، إلا ما روي عن أبي بكر عن عاصم من طريق لم نذكره هنا، وإلا حمزة إذا وقف.
وأما الحركة الموافقة لها فنحو "مآب، ومآرب، وما تأخر، وتأذن" وشبهه مما صورته في الخط ألف، فهم أيضا مجمعون على تحقيقها إلا حمزة في الوقف، وسأبين مذهبه بعد.
وأما الهمزة الساكن ما قبلها وهي فاء فنحو "الأرض، والآخرة، والآن" وإن كات من كلمة فهي تجري عند القراء مجرى ما كان من كلمتين، ومما هو من كلمتين نحو: ﴿كَمَنْ آمَنَ﴾ .
فلورش في تحقيقها مذهب نشرحه مع مذهبه فيما ليست فاء وقبلها ساكن في باب "نقل الحركة".
[ ١٨٤ ]
باب نقل الحركة:
كان ورش يحذف كل همزة في أول كلمة إذا كان قبلها ساكن، وينقل حركتها إليه، أي حركة كانت، إذا كانا من كلمتين، ما لم يكن الساكن حرف مد ولين، أو ميم الجميع، وهذا إذا وصل. وإذا وقف حقق الهمزة لابتدائه بها.
وقد قسم أبو عمرو الساكن الواقع قبل الهمزة على ثلاثة أضرب:
الأول: أن يكون تنوينا نحو: ﴿حَامِيَةٌ، أَلْهَاكُمُ﴾ [القارعة: ١١]، [التكاثر: ١]، و"مِنْ نَبِيءٍ إِلَّا" [الأعراف: ٩٤]، و﴿عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ [يونس: ٢]، و"كُفُؤا أَحَدٌ" [الإخلاص: ٤]، و﴿مُبِينٌ، أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [نوح: ٢، ٣] ونحوه.
الثاني: أن يكون لام التعريف نحو "الأرض، والآخرة، والآزفة، والأولى، والأذن" وشبهه.
الثالث: أن يكون سائر حروف المعجم نحو:
﴿مَنْ آمَنَ﴾، و﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾، و﴿خَلَوْا إِلَى﴾ [البقرة: ١٤]، و﴿أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ﴾ [الصافات: ٦٩]، و﴿نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾ [المائدة: ٢٧] و﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ﴾ [سبأ: ١٦] وشبهه.
قال أبو جعفر: أفرد التنوين لكونه زائدا، وحرف التعريف لاتصاله في الخط، وقد قضى النحويون بانفصاله؛ لأنه من حروف المعاني كقد، لا من حروف الزيادة التي هي من البناء، كميم اسم الفاعل.
وأما قوله تعالى: ﴿كِتَابِيَهْ، إِنِّي﴾ [الحاقة: ١٩، ٢٠] على مذهبه في إثبات هاء السكت في الوصل، فلم يأت فيه عنه من طريق أبي يعقوب نص.
وذكر الأهوازي أن الأصبهاني روي عنه تحقيق الهمزة.
وذكر أبو عمرو أن عبد الصمد نص عليه بنقل الحركة إلى الهاء، قال: ولم يذكر ذلك منصوصا عنه غيره، وعامة أصحاب أبي يعقوب على ترك النقل.
وعليه عول أبو محمد وأبو عمرو، وبه قرآ وأخذا.
[ ١٨٥ ]
وقال أبو محمد: "هو أحسن وأقوى، وقال: ويلزم من نقل الحركة أن يدغم ﴿مَالِيَهْ، هَلَكَ﴾ [الحاقة: ٢٨، ٢٩] لأنه قد أجراها مجرى الأصل حين ألقى عليها الحركة، وقدر ثبوتها في الوصل".
فأما حروف المد واللين، فلا تنقل إليها الحركة نحو ﴿فَمَا آمَنَ﴾ [يونس: ٨٣]، و﴿فِي أَنْفُسِكُمْ﴾، و﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [التحريم: ٦] .
قال أبي -﵁: الألف لا تنقل إليها حركة الهمزة لأنها لا تتحرك، وتنقل إلى الواو والياء اللذين ما قبلهما منهما، نحو: ﴿فِي أَنْفُسِكُمْ﴾، و﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، فيقول: "في نْفُسِكُمْ"، و"قوا نْفُسَكُمْ" ولم ينقل ورش إليها الحركة؛ لأنه حملهما على الألف.
فأما ميم الجمع فالذي وقع الإصفاق عليه من أهل الأداء الأخذ لورش بضمها وصلتها بواو مع الهمزة فقط، نحو: "عَلَيْهِمُ أنْذَرْتَهُمْ أَمْ" [البقرة: ٦] وشبهه.
وذكر أبو بكر بن أشتة قال: وقال إبراهيم النقاش في تصنيفه في قراءة نافع: وإن أردت ترك همزة الألف وأنت تريد مذهب نافع وأصحابه فأتبع الميم بالهمزة، إن كانت مضمومة فأشمها الرفعة، وإن كانت مفتوحة فمثلا، وإن كانت مكسورة فكذلك نحو قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨] و﴿كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، و﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤] وكذلك ما كان من نحوه في كل القرآن، قال: وهي لغة قريش وكنانة.
قال ابن أشتة: وإنما يريد ذلك مع تسكين الميم وترك إثبات الواو بعدها، ويعني بالإشمام إلقاء حركة الهمزة على الميم وتحريكها بها، ولم أر أحدا كان يأخذ بشيء من ذلك، ولا بلغني.
قال أبو جعفر: وقد أجاز أبو إسحاق الزجاج نقل حركة الهمزة إلى ميم الجميع على وفق ما ذكر إبراهيم النقاش فقال في "المعاني": وإذا نقلت حركة الهمزة، قلت: "عليهمُ أنْذرتهم".
[ ١٨٦ ]
وسألت عن هذا أبا عبد الله محمد بن أبي العافية النحوي فأجازه لي، وقال لي: قد قرئ في غير السبع، وكتب لي بذلك خط يده بحضرتي.
وقال لي أبي -﵁: هذا ذهاب عن الصواب الذي عليه الخليل وسيبويه وسائر النحويين المتقدمين. والقول في ذلك أن ورشا إنما ضم ميم الجميع مع الهمزة للإشعار بأنه قصد إلى أصله، من تخفيف الهمزة ونقل حركتها إلى الساكن قبلها في مثل: ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾، و﴿مِنْ إِمْلاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١]، و﴿فَقَدْ أُوتِيَ﴾ [البقرة: ٢٦٩] فاعترضه أن ميم الجميع لا تحرك عند الحاجة إلا بحركتها، لا بحركة التقاء الساكنين ولا بحركة غيرها، وإنما تحرك بحركة أصلها في نحو: ﴿عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ [البقرة: ٦١]، [آل عمران: ١١٢]، و﴿إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ [يس: ١٤] فصرفته حركة الأصل عما قصد إليه من نقل الحركة إليها.
وهذا أحد الأحكام التي يقصدها المتكلم فتعترضه الأصول، فلا يصل إليها مخافة الإحالة في معارضة الأصول.
ونظير هذا ما روى سيبويه عن الخليل في قولهم: اضربا زيدًا بالنون الخفيفة، فقال: إذا أمرت اثنين وأردت النون الخفيفة قلت: اضربا زيدًا، فلم يأت بها لمعارضة أصل آخر يمنع منها، وهو أنه لا يلتقي ساكنان في هذا الموضع لعدم شرطه، وذلك أن الشرط المصحح لالتقائهما كون الأول حرف مد، وكون الثاني مدغما إدغاما لازما، فلم يجز: اضربان زيدا، باجتلاب النون مع قصدهم إلى ذلك، فكذلك ميم الجميع، إنما قصد ورش إلى نقل الحركة، وعلم أن ذلك لا يتأتى له فأتى بحركة الأصل، وأذن بها أن قصده نقل الحركة.
وقال الأهوازي: واختلف عنه عند الحاء والعين، كقوله:
﴿وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ﴾ [المائدة: ١٣]، و﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ ونحوهما.
قال: والذي قرأت به عن ورش بترك الهمز، ونقل حركته إلى الحاء والعين في ذلك على أصله.
فأما ﴿آلْآنَ﴾ في الموضعين في [يونس: ٥١، ٩١] فنقل ورش الحركة فيهما على
[ ١٨٧ ]
أصله، ووافقه أيضا قالون فنقل الحركة فيهما، وقد ذكرنا حكم همزة الوصل فيه قبل.
فأما ﴿عَادًا الْأُولَى﴾ في [النجم: ٥٠] فقرأه نافع وأبو عمرو بضم اللام بحركة الهمزة التي هي فاء الفعل، وإدغام التنوين فيها.
وتفرد قالون بهمز عين الفعل من طريق مكي، وأبي عمرو.
وقال الأهوازي، والخزاعي كأبي عمرو.
فأما الابتداء بهذه الكلمة فيتجه لأبي عمرو، وقالون ثلاثة أوجه:
أحدها: "الولى" بإثبات همزة الوصل، وهو الذي يذهب إليه سيبويه لأنه حكى الحمر، وقال: شبهوها بهمزة أحمرة.
الثاني: "لُولى" بحذف همزة الوصل، وهو قياس ما فعله أبو عمرو من الإدغام.
الثالث: "الأولى" بإثبات همزة الوصل، ورد الهمزة التي هي فاء الفعل.
ويمتنع هذا الوجه الثالث في مذهب ورش؛ لأنه ينقل الحركة، ويتجه في مذهبه الوجهين الأولين.
واختيار أبي -﵁- لهم من هذه الوجوه "ألولى" بإثبات همزة الوصل مع نقل الحركة؛ لأنه هو الذي ذكر سيبويه.
واختيار أبي علي الفارسي لهم "لُولى" بالنقل وحذف همزة الوصل، وإن كان لم يذكره سيبويه فقد حكاه أبو الحسن الأخفش، وهو الذي يشبه قول نافع وأبي عمرو من الإدغام.
واختيار عثمان بن سعيد لقالون وأبي عمرو ﴿الْأُولَى﴾ بإثبات همزة الوصل، ورد فاء الفعل؛ لأن الموجب لتحريك اللام من التقاء الساكنين قد زال بحكم الوقف.
[ ١٨٨ ]
فإن كان الساكن، والهمزة في كلمة لم ينقل ورش الحركة إليه نحو: ﴿شَيْئًا﴾، و﴿كَهَيْئَةِ﴾ [آل عمران: ٤٩]، [المائدة: ١١٠]، و﴿جُزْءًا﴾ [البقرة: ٢٦٠]، [الزخرف: ١٥]، و﴿الْخَبْءَ﴾ [النمل: ٢٥]، و﴿دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥]، و﴿مِلْءُ﴾ [آل عمران: ٩١] وشبهه، إلا في ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤] فإنه خالف أصله، فألقى الحركة على الدال وهما في كلمة، وتابعه على ذلك قالون.
وقد روي عن نافع أنه ليس مخففا من "ردء"، وأنه "فعل" من قولهم: أردى على المائة، أي: زاد عليها، واستشهد ببيت حاتم:
وأسمر خطيا كأن كعوبه نوى القسب قد أردى ذراعا على العشر
أي: زاد، والمعنى على هذا، فأرسله معي زيادة يصدقني، ولا يكون مخالفا لأصله على هذا الوجه.
وقال الخزاعي: وقال ابن الصلت عن الأزرق: الوقف بالهمز، والوصل بتركه.
وكذلك قال طاهر بن غلبون عن ابن ما شاء الله عن ابن هلال عن النحاس عن الأزرق.
ونص عليه الأزرق في كتابه عن ورش بغير همز، ولم يخص وصلا دون وقف بترك الهمز في الحالين قرأت عن نافع، وبه آخذ.
وحمزة إذا وقف وافق نافعا.
الباقون بالهمز في الحالين، وإسكان الدال.
فقد حصل الباب على ثلاثة أقسام: قسم يجوز نقل الحركة إليه، وقسم لا يجوز نقل الحركة إليه، وقسم يجوز نقل الحركة إليه، ولم ينقل ورش الحركة إليه.
الأول: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ و﴿الْأَرْضِ﴾ و﴿شَيْءٍ إِذْ﴾ .
الثاني: الألف، وميم الجميع.
الثالث: حرفا اللين: الواو والياء.
[ ١٨٩ ]
وما كان من كلمة والساكن من كلمة ينقسم ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يكون حرف مد ولين.
الثاني: أن يكون حرف لين.
الثالث: أن يكون حرفا صحيحا.
ذكر المتحركة التي هي عين:
وهي أيضا لا تخلو من أن يتحرك ما قبلها أو يسكن، فإن تحرك ما قبلها اختلفوا منها في أصل مطرد، وفي حرفين.
فالأصل المطرد قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ﴾، و﴿أَرَأَيْتُمْ﴾، ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ وشبهه حيث وقع، إذا كان في أوله ألف الاستفهام.
قرأ نافع جميع هذا الأصل بتخفيف الهمزة الثانية، بجعلها بين الهمزة والألف.
قال الأهوازي: والبصريون يمدونها عنه قليلا، والبغداديون لا يمدونها عنه.
قال أبو جعفر: يعني القراء من البغداديين، والقراء من البصريين؛ لأن النحويين من البصريين لا مد عندهم في همزة بين بين.
وقيل عن ورش في ذلك بالبدل، وبه أخذ له أبو محمد وأبو عمرو.
والذي أخذ علينا أبي -﵁- بين بين على القياس.
وأخذ علينا غير بالبدل؛ لأن النقل عنه إنما جاء بالمد، والمد عندهم يقتضي البدل. وقال أبي -﵁: لا يقتضي البدل.
وقرأ الكسائي جميع ذلك بحذف الهمزة الثانية، وهو مسموع في هذا الفعل من العرب، والباقون بتحقيقها، وإذا وقف حمزة خفف، والواجب في تخفيفها أن يكون بين بين، ويجوز البدل والحذف١.
_________________
(١) ١ قال ابن الجزري: ومن المتوسط المتحرك بعد المتحرك المفتوح بعد الفتح مسألة "سأل إلخ" ونحوه، ففيه وجه واحد وهو بين بين، وحكى وجها آخر وهو إبدال الهمزة ألفا وقال: وليس بصحيح لخروجه عن القياس وضعفه رواية وقال: "وأرأيت" وبابه فقد حكى فيها وجها ثالثا وهو الحذف على رسم بعض المصاحف وليس بصحيح، وإن كان قد صح من رواية الكسائي، فإن لا يلزم أن كل ما صح عن قارئ يصح عن قارئ آخر "النشر": باب الوقف على الهمز.
[ ١٩٠ ]
والحرفان: أحدهما ﴿التَّنَاوُشُ﴾ في [سبأ: ٥٢] .
قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر بالهمز، ويمدون زيادة.
والباقون بواو مضمومة، فلا يزيدون في المد.
والآخر ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ في [المعارج: ١] .
قرأه نافع وابن عامر "سَالَ" بإبدال الهمزة ألفا، والبدل في هذا الفعل مسموع، حكاه سيبويه عن العرب، والباقون بهمزة، وخفف حمزة بالبدل، أو بين بين، وإن سكن ما قبلها اختلفوا من ذلك في أصلين: أولهما قوله تعالى وجل: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢﴾، و﴿فَاسْأَلُوهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣]، و﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ﴾ [يونس: ٩٤] و﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣، والأنبياء: ٧] وشبهه من الأمر المواجه به خاصة، وقبل السين واو أو فاء.
قرأ جميع ذلك ابن كثير والكسائي بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على السين. والباقون بإثباتها، وحمزة يوافقهما في الوقف.
فإن كان ما سوى ذلك، من نهي، أو أمر غائب، أو ماضٍ، أو مضارع، لم يختلف في همزه نحو ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ﴾ [المائدة: ١٠١] ﴿وَلْيَسْأَلُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] و﴿سَأَلَ﴾ [المعارج: ١]، و﴿تَسْأَلُوا﴾ [البقرة: ١٠٨]، وفي ﴿سُئِلَ﴾ [البقرة: ١٠٨] اختلاف عن ابن عامر من طريق لم أذكره في هذا الكتاب.
وإن كان أمر المواجه به ليس قبله شيء لم يختلف في ترك همزه نحو:
﴿سَلْ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ [البقرة: ٢١١] .
وثانيهما: قوله تعالى: ﴿اسْتَيْأَسَ﴾ حيث وقع، وجملة ذلك خمسة مواضع، في يوسف ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾ [٨٠]، ﴿وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ﴾ [٨٧] ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [١١٠]، وفي الرعد ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [٣١] .
قرأ البزي خمستهن بالألف وفتح الياء من غير همز. هذه رواية النقاش عن أبي ربيعة عنه، وبه أخذ النقاش. وروى ابن الصباح وابن بقرة عن أبي ربيعة بالهمز فيهن كالجماعة.
[ ١٩١ ]
قال أبو الطيب: وكذلك ذكره أبو ربيعة.
واختلف عن الخزاعي عن البزي، فقال إبراهيم بن عبد الرزاق، والحسن بن سعيد المطوعي عنه بالهمز، كالجماعة فيهن، وذكر أبو الحسن الدارقطني أنه قرأ على ابن ذؤابة عن الخزاعي بتخفيف الذي في الرعد فقط.
وكذلك قرأت من طريق أبي محمد مكي، عن أبي الطيب، عن الطوسي عن أبي بكر الجصاص عن شيوخه عن البزي، قال أبو الطيب: وذكره الجصاص في كتابه.
قال أبو جعفر: وأنا رأيته في كتاب الجصاص.
وقرأت أيضا من طريق أبي محمد عن أبي الطيب عن ابن عبد الرزاق عن الخزاعي بالهمز فيهن، وهو اختيار أبي الطيب، والله أعلم.
ذكر المتحركة التي هي لام الفعل:
وهي أيضا لا تخلو من أن يتحرك ما قبلها أو يسكن.
فإن تحرك ما قبلها اختلفوا من ذلك في اثني عشر حرفا وهي: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ في [البقرة: ٦٢]، [الحج: ١٧]، و﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ في [المائدة: ٦٩]، و﴿هُزُوًا﴾ حيث وقع، و﴿كُفُوًا﴾ [الإخلاص: ٤]، و﴿بَادِيَ﴾ في [هود: ٢٧]، و﴿يُضَاهِئُونَ﴾ في [التوبة: ٣٠]، وفيها ﴿مُرْجَوْنَ﴾ [١٠٦]، و﴿تُرْجِي﴾ في [الأحزاب: ٥١]، و﴿ضِيَاءً﴾ في [يونس: ٥]، [والأنبياء: ٤٨]، و﴿بِضِيَاءٍ﴾ في [القصص: ٧١]، و﴿مِنْسَأَتَهُ﴾ في [سبأ: ١٤] .
فأما "الصابئين، والصابئون" فترك همزها نافع، وهمز الباقون.
وأما "هزؤا، وكفؤا" فقرأهما حفص بضم الزاي والفاء من غير همز.
وحمزة بإسكان الزاي والفاء، وبالهمز في الوصل، فإذا وقف أبدل الهمزة واوا اتباعا للخط، وتقديرا لضمة الحرف الساكن قبلها وقد أحكمنا ذلك في بابه، الباقون بالضم والهمز.
وأما ﴿يُضَاهِئُونَ﴾ فقرأه عاصم بالهمز وكسر الهاء، والباقون بضم الهاء من غير همز. وأما ﴿مُرْجَوْنَ﴾، و﴿تُرْجِي﴾ فترك همزهما نافع وحمزة والكسائي وحفص، وهمزهما الباقون.
وأما ﴿ضِيَاءً﴾، و﴿بِضِيَاءٍ﴾ فقرأه قنبل بهمزة بعد الضاد، والباقون بياء مفتوحة بعدها.
[ ١٩٢ ]
وهذا الحرف على الحقيقة لم يختلف في همز لامه، غير أن قنبلا قلب اللام إلى موضع العين، اعتلت العين التي هي ياء منقلبة عن واو لوقوعها طرفا بعد ألف زائدة، فأما لام الفعل فهمزة على قول الجميع.
وأما ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧] فقرأه أبو عمرو بهمزة مفتوحة بعد الدال، والباقون بياء مفتوحة.
وأما ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾ [سبأ: ١٤] فأبدل نافع وأبو عمرو من الهمزة ألفا ساكنة، وهو مسموع من العرب، وابن ذكوان بهمزة ساكنة، والباقون بهمزة مفتوحة.
وإن سكن ما قبلها اختلفوا من ذلك في أصلين مطردين، وفي ثلاثة أحرف.
فالأصلان: أحدهما: "النبي، والنبيين، والأنبياء، والنبوة" حيث وقع، قرأه نافع بالهمز، إلا أن قالون ترك الهمز في قوله تعالى في الأحزاب: ﴿لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ﴾ [٥٠]، و﴿بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا﴾ [٥٣] في الموضعين في الوصل دون الوقف على أصله في الهمزتين المكسورتين.
والباقون بغير همز١.
والثاني: ﴿الْقُرْآنِ، وَقُرْآنًا، وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] حيث وقع إذا كان اسما.
ترك همزه ابن كثير٢، وهمز الباقون. فإذا وقف حمزة وافق ابن كثير، وليس قول من قال: القرآن من "قريت" بشيء.
والأحرف: أحدها ﴿النَّسِيءُ﴾ [التوبة: ٣٧] قرأه ورش بتشديد الياء من غير همز، وهمز الباقون، وإذا وقف حمزة وهشام وافقا ورشا.
والثاني والثالث ﴿الْبَرِيَّةِ﴾ في الموضعين ﴿البينة: ٦، ٧] قرأ نافع وابن ذكوان بالهمز فيهما، وخفف الباقون٣.
_________________
(١) ١ أي: بالياء المشددة في "النبي" وجمعه سالما والمخففة في "الأنبياء" وبالواو المشددة في النبوة. ٢ أي: بنقل حركة الهمزة إلى الراء، وحذف الهمزة. ٣ أي: بإبدال الهمزة ياء مفتوحة تدغم التي قبلها فيها.
[ ١٩٣ ]
ذكر الضرب الثاني من القسمة الأولى، وهو الهمزة الساكنة:
لا تخلو الهمزة الساكنة من أن تلاقي همزة أخرى أو لا تلاقي.
فإن لقيتها همزة فلا بد أن تكون تلك الهمزة متحركة؛ لأن ساكنين لا يجتمعان، "يعني في الهمز" ولا تخلو أن تكون بعد الساكنة أو قبلها، فإن كانت بعدها لزمها الإدغام إذا كانت عينا، نحو: "رأس، وسأل" ولم يجئ ذلك في كتاب الله تعالى.
وفي المنفصل "اقرأ إنا أنزلناه" "اقرأ إنا فتحنا لك" الوجه التخفيف في الأولى.
وذكر الأهوازي فيه وجهين: الإظهار والإدغام، ويعني بالإظهار التحقيق، وهو الوجه والجيد فيه، ولم يجئ هذا أيضا في القرآن.
فإن كانت قبلها لزم الساكنة التخفيف بالبدل على حركة ما قبلها.
إن كانت مضمومة قلبت واوا نحو ﴿أُوتِيَ﴾، و﴿أُوتُوا﴾ وكذلك ﴿اؤْتُمِنَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] في الابتداء؛ لأن الساكنة التي هي فاء الفعل لقيتها المتحركة التي للوصل، فأبدلت واوا١.
وإن كانت مكسورة قلبت ياء نحو:
"إِيمان"، و﴿إِيتَاءِ﴾ وكذلك ﴿ائْذَنْ لِي﴾ [التوبة: ٤٩] في الابتداء، و﴿ائْتِنَا﴾ ٢.
وإن كانت مفتوحة قُلبت ألفا نحو "آدم، وآمن، وآخر، وآل لوط".
وهذا إجماع من القراء والنحويين، إلا ما ذكر سيبويه عن عبد الله بن أبي إسحاق، وقد حكيناه في الإدغام.
وإلا ما ذكر الأهوازي وغيره عن خلف عن الكسائي أنه أجاز الابتداء بقوله تعالى: ﴿اؤْتُمِنَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] بهمزتين، قال: وهذا شيء لا يعوَّل عليه.
_________________
(١) ١ لضم همزة الوصل ابتداء. ٢ لكسر همزة الوصل ابتداء.
[ ١٩٤ ]
قال لي أبي -﵁: لهذا وجه، وهو أنه لم يعتد بهمزة الوصل، فأجراها مجرى المنفصل في نحو "جَاءَ أَحَدَهُمْ" [المؤمنون: ٩٩] وشبهه، ومن مذهبه في ذلك الجمع بين همزتين، فحمل هذا على هذا.
وروى النقار عن الشموني عن الأعشى عن أبي بكر "إِيلافِهِمَ" في [قريش: ٢] بهمزتين؛ الأولى مكسورة والثانية ساكنة، والجماعة على تخفيف الساكنة.
فإن لم تلاق الهمزة الساكنة همزة أخرى، وجاءت منفردة فذلك كثير في القرآن جدا، ولا يخلو من أن يكون فاء أو عينا أو لاما كالمتحركة.
فإن كانت فاء أو عينا وجدت في الأسماء والأفعال، فالأسماء نحو: ﴿الْمُؤْتَفِكَاتِ، والْمُؤْمِنُ، وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، والكأس، ﴿والرَّأْسُ، والْبَأْسَ﴾، والبئر، والذئبَ، ﴿وسُؤْلَكَ، والرُّؤْيا﴾ وبابه.
والأفعال نحو: ﴿يُؤْمِنْ﴾ و﴿يُؤْمِنُونَ﴾ و﴿يُؤْلُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، و﴿يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ [التوبة: ٤٩]، و﴿الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، و﴿لِقَاءَنَا ائْتِ﴾ [يونس: ١٥] وشبهه.
وإذا كانت لاما لم توجد إلا في الأفعال نحو: "أنشأنا، وأخطأنا، وشئنا، وشئتم، وجئنا، وجئتم، وتبرأنا" [القصص: ٦٣]، "وتبرأتم"، و﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ [البقرة: ٧٢] وشبهه، فلأبي عمرو في تخفيف هذا الباب، ولورش في تخفيف بعضه، مذهب أبينه إن شاء الله.
مذهب أبي عمرو في ذلك:
كان لا يهمز كل همزة ساكنة، فاء كانت أو عينا أو لاما، في اسم أو فعل، ويبدلها على حركة ما قبلها١.
وقد اختلفت ألفاظ الرواة عنه، متى يفعل ذلك؟
فقال أبو عمر عن اليزيدي عنه: إنه كان لا يهمز إذا قرأ فأدرج القراءة.
_________________
(١) ١ فيبدلها واوا بعد ضم نحو: "يؤمن ومؤمن"، وياء بعد كسر نحو: "بئس، بئر، الذي اؤتمن"، وألفا بعد فتح نحو: "يأكلون، أنشأنا، لقاءنا ائت".
[ ١٩٥ ]
وقال أبو شعيب عن اليزيدي عنه: كان لا يهمز إذا قرأ في الصلاة، وقال غير واحد عنه: كان لا يهمز إذا قرأ بالإدغام.
وقال أبو عبد الرحمن والبلخي وغيرهما عن اليزيدي: كان لا يهمز إذا قرأ، أي: إذا قرأ على أي وجه كان.
قال أبو جعفر: والذي عليه الأئمة لأبي عمرو الأخذ له بالهمز وبتحقيقه مع الإظهار، وبالتخفيف لا غير مع الإدغام.
وقد استثنوا له من هذا الباب إذا خفف ما كان السكون فيه لأحد خمسة أشياء:
الأول: أن يكون سكون الهمزة للجزم، وذلك تسعة عشر موضعا: في البقرة "أو ننسأها" [١٠٦] وفي آل عمران ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ [١٢٠]، وفي النساء ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ [١٣٣]، وفي المائدة ﴿تَسُؤْكُمْ﴾ [١٠١]، وفي الأنعام ﴿مَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ﴾ [٣٩] و﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ [١٣٣]، وفي التوبة ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ [٥٠]، وفي إبراهيم ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ [١٩]، وفي الإسراء ﴿إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ [٥٤]، وفي الكهف ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ﴾ [١٦]، وفي الشعراء: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ﴾ [٤]، وفي سبأ ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ﴾ [٩]، وفي يس ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ [٤٣]، وفي الشورى ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ [٣٣]، وفي النجم ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ﴾ [٣٦] ١.
الثاني: أن يكون للبناء، وجملته أحد عشر موضعا، في البقرة ﴿أَنْبِئْهُمْ﴾ [٣٣]، وفي [الأعراف: ١١١]، [والشعراء: ٣٦] ﴿أَرْجِئْه﴾، وفي يوسف ﴿نَبِّئْنَا﴾ [٣٦]، وفي الحجر ﴿نَبِّئْ عِبَادِي﴾ [٤٩] ﴿وَنَبِّئْهُمْ﴾ [٥١]، وفي سبحان ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ [١٤]، وفي الكهف ﴿وَهَيِّئْ لَنَا﴾ [١٠]، وفي القمر ﴿وَنَبِّئْهُمْ﴾ [٢٨]، وفي العلق ﴿اقْرَأْ﴾ في الموضعين [١، ٣] .
الثالث: أن يكون ترك الهمز فيه أثقل من الهمز، وذلك قوله ﷿: ﴿وَتُؤْوِي﴾ [الأحزاب: ٥١]، و﴿تُؤْوِيهِ﴾ [المعارج: ١٣] .
_________________
(١) ١ ويبقى ثلاثة مواضع من "١٩" موضعا هي: ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٣٩] وتحرك وصلا للساكنين، وموضع فاطر ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ [١٦] وموضع الشورى ﴿فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ﴾ [٢٤] .
[ ١٩٦ ]
الرابع: أن يكون يوقع الالتباس بما لا يهمز، وذلك في قوله تعالى ﴿وَرِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤] .
الخامس: أن يكون يخرج من لغة إلى لغة، وذلك في قوله: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ في الموضعين [البلد: ٢٠]، [الهمزة: ٨] فجملة ذلك ثلاثة وثلاثون موضعا.
واستثناؤها اختيار منهم، لا أن له أصلا في الرواية عن أبي عمرو.
وقد قرأت على أبي القاسم شيخنا -﵀- من طريق ابن برزة، عن الدوري عن اليزيدي بتسهيل ما كان للجزم أو للبناء.
فهذا الاستثناء اختيار من ابن مجاهد، حكاه عنه أبو طاهر وأبو سهل وغيرهما، إلا أنه مروي عن أبي عمرو، ألا ترى أن الرواية جاءت مطلقة غير مقيدة باستثناء شيء من هذه المواضع مع ما ذكرت من رواية ابن برزة.
وقد أدخل بعضهم في المستثنى ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ في [الأنعام: ٣٩]، و﴿فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ﴾ في [الشورى: ٢٤] لأن تحرك هذين الفعلين لالتقاء الساكنين، فتجيء المواضع المستثناة على هذا خمسة وثلاثين موضعا١.
وأدخلوا فيها أيضا ﴿بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] في قول من سكنها عن أبي عمرو، ومنهم من سهلها. والاختيار التحقيق؛ لأنه إذا اختير في المجزوم ألا يخفف؛ لأن الجزم فيه عارض، فهذا أولى.
مذهب ورش في ذلك:
كان ورش يتركها وهي ساكنة إذا كانت فاء من الفعل لا غير، نحو: "يأخذ، ويأكل، وتألمون"، و﴿لِقَاءَنَا ائْتِ﴾ [يونس: ١٥]، و"يؤمن، والمؤمنون، ويؤثرون، ويؤتون"، و﴿الْمُؤْتَفِكَةَ﴾ [النجم: ٥٣] وجمعها، و﴿الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، و﴿الْمَلِكُ ائْتُونِي﴾ [يوسف: ٥٠، ٥٤] وشبهه، إلا ﴿الْمَأْوَى﴾ وبابه، فإن أصحاب أبي يعقوب استثنوه، وأجراه غيرهم مجرى نظائره.
_________________
(١) ١ عدها ابن الجزري "٣٥" موضعا، كذلك انظر "النشر" "باب الهمز المفرد"، صدر عن الدار.
[ ١٩٧ ]
وذكر الأهوازي أن ﴿تُؤْوِي﴾، و﴿تُؤْوِيهِ﴾ لا خلاف بين أصحاب ورش في همزه، واختلف عنه في ﴿الْمَأْوَى﴾ و﴿فَأْوُوا﴾ [الكهف: ١٦] .
وهذا الذي ذكر على هذا الحد غير معروف، والثابت أن باب "الإيواء" وقع فيه الخلاف بين أصحاب ورش، فأخذ أصحاب أبي يعقوب بهمزه كله، وأخذ غيرهم بتخفيفه كله، وهكذا ذكره أئمتنا سواه، والله أعلم.
فإن كانت عينا همز كالباقين١، إلا "بئس، وبئسما، والبئر، والذئب" فإنه سهل٢ الهمزة فيهن في جميع القرآن، تابعه الكسائي على ﴿الذِّئْبُ﴾ وحده، فترك همزه.
وإن كانت لاما همز جميع الباب، لا أعلمه سهل شيئا منه كالباقين.
وههنا حروف بين القراء فيها خلاف، وهي ﴿يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ في [الكهف: ٩٤، الأنبياء: ٩٦]، و﴿وَرِئْيًا﴾ في [مريم: ٧٤]، و﴿سَاقَيْهَا﴾ في [النمل: ٤٤]، و﴿بِالسُّوقِ﴾ في [ص: ٣٣]، و﴿عَلَى سُوقِهِ﴾ في [الفتح: ٢٩]، و﴿ضِيزَى﴾ في [النجم: ٢٢] .
فأما ﴿يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ فقرأهما عاصم بالهمز، وخفف الباقون٣.
وأما ﴿وَرِئْيًا﴾ فقرأه قالون وابن ذكوان بتشديد الياء من غير همز، والباقون بالهمز.
وأما ﴿سَاقَيْهَا﴾، و﴿بِالسُّوقِ﴾، و﴿عَلَى سُوقِهِ﴾ فهمز العين فيهن قنبل، والباقون بغير همز.
وأما ﴿ضِيزَى﴾ فهمز عينه ابن كثير، والباقون بغير همز، والله أعلم.
باب مذهب حمزة، وهشام في الوقف على الهمز:
جاءت الرواية عن حمزة بتخفيف المتطرفة والمتوسطة والمبتدئة إذا نزلت منزلة المتوسطة.
وجاءت عن هشام، فيما نص عليه الحلواني عنه، بتخفيف المتطرفة فحسب، وأنا أبين مذهبهما على ما يجب، إن شاء الله ﷿.
_________________
(١) ١ أي: حقق كالباقين وهم القراء إلا أبا عمرو، فله تحقيق وإبدال. ٢ أي: بتخفيف الهمزة فتبدل ياء. ٣ بإبدال الهمزة ألفا.
[ ١٩٨ ]
ذكر المتطرفة:
وهي التي ليس بعدها شيء من الحروف الثابتة في الوقف.
فالمتطرفة لا بد أن تكون ساكنة؛ لأنها إن كانت متحركة في الوصل فالوقف يوجب سكونها، فأما الساكنة وصلا ووقفا لجازم أو بناء، أو لتوالي الحركات، فما قبله لا يكون ساكنا ولا متحركا بالضم، ويكون متحركا بالفتح نحو: ﴿إِنْ يَشَأْ﴾، و﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ﴾ [النجم: ٣٦]، و﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: ١-٣]، [الإسراء: ١٤] وشبهه، وبالكسر نحو ﴿نَبِّئْ عِبَادِي﴾ [الحجر: ٤٩]، و﴿هَيِّئْ لَنَا﴾ [الكهف: ١٠]، و﴿يُهَيِّئْ لَكُمْ﴾ [الكهف: ١٦]، و﴿مَكْرَ السَّيِّئِ﴾ [فاطر: ٤٣] على قراءة حمزة.
فهي في ذلك حيث وقع، تبدل ألفا وياء على حركة ما قبلها.
ولم تأت في القرآن ساكنة مضموما ما قبلها، سمعت أبا القاسم -﵀- يذكر ذلك، ونحكي أنه غلط في ذلك بعض الشيوخ، ولو جاءت لخففت بالبدل واوا.
وذكر غير واحد أن حمزة يحقق الهمزة في الوقف إذا كانت ساكنة للجزم حيث وقعت، وذكر الأهوازي أنه اختيار ثعلب وابن مجاهد في قراءة حمزة.
ولم يبين الأهوازي إن كانت متطرفة أم لا، بل أطلق كلامه على المجزومة حيث وقعت.
وقال عبد الوهاب في كتاب "الوجيز": جميع من ترك الهمزة الساكنة، فإنه يبدل منها إذا انفتح ما قبلها ألفا، وإذا انضم واوا، وإذا انكسر ياء.
وأما المتحركة وصلا فما قبلها، يكون ساكنا أو متحركا.
فإن كان متحركا، فبإحدى الحركات الثلاث نحو:
﴿أَنْ لَا مَلْجَأَ﴾ [التوبة: ١١٨] و"ذرأ، وبدأ" و﴿مِنْ مَلْجَأٍ﴾ [الشورى: ٤٧]، و"سبأ، وبنبأ، واستهزئ، وقرئ"، و﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ﴾ [عبس: ٣٧]، و﴿مِنْ شَاطِئِ﴾، و﴿يَسْتَهْزِئُ﴾ [البقرة: ٢٥]، و"يبدئ، والبارئ"، و﴿إِنِ امْرُؤٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، و"لؤلؤا، واللؤلؤ".
[ ١٩٩ ]
فهي في ذلك كله وما أشبهه حيث وقع تبدل ألفا، وياء، وواوا، على حركة ما قبلها على ما تقدم.
والروم والإشمام ممتنعان في الحرف المبدل من الهمزة لسكونه، لا تجوز الإشارة إلى ألف ﴿ذَرَأَ﴾ كما لا تجوز إلى ألف "الرحى" ولا إلى واو ﴿امْرُؤٌ﴾ كما لا تجوز إلى واو "يغزو" ولا إلى ياء ﴿قُرِئَ﴾ كما لا تجوز إلى ياء "يرمي".
وقد ذكر أبو عمرو عن قوم أنهم يسهلون الهمزة في هذا بين بين على حسب حركتها في الوصل، يعني مع الإشارة. وذكر أبو محمد مكي ذلك وبين أنه مع روم الحركة، وجعله مرويا عن خلف، وقال في المفتوحة: البدل لازم لها، ولأن الروم والإشمام لا يستعملان فيها.
وقال لي أبي -﵁: لا فائدة في حكاية أبي محمد مذهب من زعم أن الهمزة الموقوف عليها تخفف بين بين، وأن ذلك في حال رومها لا في حال حركتها ولا في سكونها؛ لأن الحرف الموقوف عليه ساكن، وطروء الروم عليه لا يوجب له حركة، وإذا كان كذلك سكنت الهمزة في الوقف، كما يجب في كل حرف موقوف عليه، ثم تبدل ألفا أو واوا أو ياء على حسب حركة ما قبلها، ولا يتأتى في هذه الحروف روم، وسبيلها في ذلك سبيل تاء التأنيث المبدلة في الوقف هاء، فلا يكون فيها روم ولا إشمام؛ لأن الحرف الساكن في الوقف غير الحرف المتحرك في الوصل.
قال أبو جعفر: وهؤلاء القوم إنما أخذوا بين بين؛ فرارا من خلاف السواد١ في حروف جاءت في الخط على ما لا يقتضي الوقف بالبدل نحو ﴿الْمَلَأُ﴾ في بعض المواضع، و﴿يَتَفَيَّأُ﴾ [النحل: ٤٨] ومن ﴿نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤] وحروف سواها.
وهم أيضا -فيما أرى- يجيء في قولهم: خلاف الخط في مثل: "يبدئ، ويستهزئ" لأن الخط في ذلك يقتضي البدل لا بين بين، فقد خالفوا أيضا الخط مع قياس العربية.
_________________
(١) ١ أي: رسم المصحف.
[ ٢٠٠ ]
واختار أبو محمد البدل فيما وافق الخط، وبين بين فيما خالفه إن أبدل.
وذكر أبو عمرو أن الثابت عن خلف وغيره عن حمزة البدل، قال: وإليه ذهب ابن مجاهد وأبو طاهر وغيرهما، وإليه ذهب أبي -﵁- وإن خالف الخط في بعض ذلك، وخلاف الخط في مثل هذا جائز إذا أدى إليه القياس.
وأما الساكن ما قبلها، فإن كان الساكن حرف صحة ألقى حركة الهمزة عليه، وأسقطها، ثم يدرك السكون ما قبل المتطرفة في الوقف، لكنه سكن عن الحركة التي نقلت إليه، وذلك نحو "المرء، ودفء، والخبء، وملء، وجزء" وشبهه، والروم والإشمام جائزان في ذلك.
وقال الأهوازي: رأيت من يذكر التشديد في "الخبء، وملء، وجزء" ونحوهن.
قال أبو جعفر: هذا على أنه وقف بالتضعيف، وقد ذكر ذلك سيبويه فقال: "وإذا كانت الهمزة ما قبلها ساكن فالحذف لازم، ويلزم الذي ألقيت عليه الحركة ما يلزم سائر الحروف غير المعتلة، من الإشمام، وإجراء الجزم، وروم الحركة والتضعيف، وذلك قولك: هذا الوث، من الوث، ورأيت الوث، والخب، وهو الخب، ورأيت الخب، ونحو ذلك".
وإن كان الساكن حرف علة أصليا فحكمه أيضا نقل الحركة إليه، وحذف الهمزة كالحرف الصحيح، نحو "شيء، والسوء، وعن سوء، وسيء، وجيء، والمسيء، ويضيء، وتفيء، وليسوء، ولتنوء" وشبهه حيث وقع.
ويسكن بحكم الوقف الحرف المنقول إليه حركة الهمزة، ولك الروم والإشمام فيه كالأول، وذلك في القسمين حسن؛ لتكون الحركة فيما عهد سكونه إشعارا بالأصل.
وذكر عثمان بن سعيد -﵀- جواز الإبدال والإدغام في الياء والواو في الوقف حملا للأصلي على الزائد، قال: وبه أقرأني أبو الفتح، قال: وحكاه يونس والكسائي.
قال أبو جعفر: وهذا لم يذكره سيبويه وذلك عندي غير بعيد، وقد رأيت أبا علي الفارسي حكى ذلك، وحكاه لي أبو الحسن بن شريح.
[ ٢٠١ ]
وحكى لنا أبي -﵁- أن بعض العرب يحذف وينقل في الزائد نحو ﴿خَطِيئَةً﴾ [النساء: ١١٢] تشبيها بالأصلي، فكذلك تشبيه الأصلي بالزائد لاستوائهما في أنهما حرفا علة، فأما ما قرأت به على أبي القاسم -﵀- للضبي عن حمزة من الوقف على ﴿شَيْئًا﴾ حيث وقع منصوبا، و"كهيئة، وسوأة، وسوءاتهما، وخطيئة"، وشبه ذلك، بتشديد الياء، فقد ذكره سيبويه فقال: "واعلم أن العرب منها من يقول في أو أنت: أوْ نت، ويقول: أرمي باك، وأبو يوب، وغلاميَّ بيك، يريد: أبو أيوب، وغلامي أبيك.
وكذلك المنفصلة كلها إذا كانت الهمزة مفتوحة، فإن كانت في كلمة واحدة نحو: سوأة، وموءلة حذفوا فقالوا: سوة ومولة، وقالوا في حوأب: حوب؛ لأنه بمنزلة ما هو من نفس الحف، وقال بعض هؤلاء: سوّة وضوّ، شبهوه بأوَّنت".
فأما مد حرف المد واللين في الوقف نحو: "تفيء، ويضيء، والمسيء، ولتنوء، وسوء" فغير مطول، سواء وقفت بالإسكان أو بالروم، وهذا قول أبي -﵁- وكذلك نص عليه الأهوازي فقال: تمد الياء في "جيء، وسيء" على قدر ما يجوز من تجويد حروف المد واللين.
وقال أبو الحسن بن شريح: الوجه البين تطويل المد؛ لأنه سكن بعد تقدير نقل الحركة إليه، قال: وتطويل المد جائز؛ لأن الحركة المنقولة عارضة على الحرف، فلما سكن رجع إلى سكون كان له أصلا قبل التسهيل؛ لأن الهمزة مقدرة وإن حذفت، قال: ولا سبيل إلى تطويل المد في ذا الفصل مع الروم.
وإن كان الساكن ألفا، سواء كانت منقلبة عن حرف أصلي أو كانت زائدة، فأكثر القراء يأخذ له في المرفوع والمخفوض بالروم، وجعل الهمزة بين بين نحو: ﴿هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣]، و﴿مِنْهُ الْمَاءُ﴾ [البقرة: ٧٤]، و﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]، وفي المفتوح بإبدالها ألفا نحو:
﴿إِذَا جَاءَ﴾، و﴿كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ [البقرة: ١٣٣] لأنه لا روم فيه عند القراء، ولا يتقدر بين بين إلا معه.
[ ٢٠٢ ]
وبهذا أخذ الأهوازي، وبه قرأ على شيوخه، وبه قرأ أبو عمرو على فارس بن أحمد عن قراءته، وله أصل عن حمزة.
حدثنا أبو داود، حدثنا أبو عمرو، حدثنا أبو مسلم، حدثنا ابن الأنباري، حدثنا إدريس عن خلف قال: كان حمزة يقف على قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ﴾ [البقرة: ٦] يمد، ويشم الرفع من غير همز.
قال أبو عمرو: وقال ابن واصل: حمزة يقف على "هؤلاء" بالمد والإشارة إلى الكسر من غير همزة، ويقف على ﴿لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١] بالمد، ولا يشير إلى الهمز.
ومنهم من أخذ له بإبدال الهمزة ألفا بأي حركة تحركت، وهو مذهب أبي -﵁- لا يجوز عنده غيره؛ لأن سكون الهمزة في الوقف يوجب فيها الإبدال ألفا على الفتحة التي قبل الألف الزائدة أو المنقلبة، فهي تخفف تخفيف الساكن لا تخفيف المتحرك، ولا يوجب له طروء الروم عليه حركة على ما قدمنا قبل.
وبهذا يأخذ من عنده حذق في العربية من القراء، فإذا قلنا بإبدالها ألفا فقد عرض التقاء ساكنين، فيحتمل حينئذ وجهين: أحدهما أن تمد عن حرفين ساكنين، كما فعل يونس بالنون الخفيفة في التثنية إذا وقف عليها.
واختار ذلك أبو عمرو، وقال: وبه ورد النص عن حمزة من طريق خلف، وغيره.
والثاني: أن تحذف أحد الساكنين، قال القراء: فإن قدرت أن الألف الأولى المحذوفة لم تطول المد، وإن قدرت أن الثانية المحذوفة فقيل: تمد؛ لأن التخفيف عارض، وقيل: تمكن ولا تمد.
وقال لي أبي -﵁: المحذوف لالتقاء الساكنين الثاني دون الأول؛ لأنه فيما هو من كلمة كما يحرك فيها، نحو "أين، وكيف" قال: والمد عن حرف واحد ساكن.
وقال الأهوازي: إنه قرأ على البصريين والبغداديين والكوفيين في حال النصب
[ ٢٠٣ ]
بغير همز ولا مد، يعني: ولا تطويل مد.
وقال أبو الحسن بن الحمامي: قال لي عبد العزيز بن الواثق بالله لما قرأت عليه بغير همز وبغير مد، يعني في الأحوال الثلاثة.
وما ثبت له صورة من الهمزة في الخط مثل ما لم تثبت له صورة في الإبدال عند أبي -﵁- نحو ﴿مَا نَشَاءُ﴾ في [هود: ٨٧]، و﴿الضُّعَفَاءُ﴾، و﴿شُرَكَاءُ﴾، و﴿مِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ [طه: ١٣٠]، و﴿مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس: ١٥] وفي كلم أخر١.
واختار القراء الوقف بين بين إيثارا لاتباع الخط، ولما جاء عن حمزة من رعايته لذلك.
وذكر الأهوازي أن بعض شيوخه كان يأخذ للجماعة بتخفيف الهمزة في هذا الفصل، وأن أبا عبد الله اللالكائي ذكر له أن ترك الهمز في ذلك في حال الرفع، والخفض إجماع من القراء.
قال أبو جعفر: وهذا لا يؤخذ به.
وإن كان الساكن ياء أو واوا مزيدتين للمد فقط أبدلت الهمزة، وأدغمتها فيها على ما قدمناه، فالياء نحو: ﴿النَّسِيءُ﴾ [التوبة: ٣٧]، و﴿بَرِيءٌ﴾ [الأنعام: ١٩]، و"دُرِّيء" [النور:٣٥] على قراءته.
والواو ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وليس في القرآن غيره.
والروم والإشمام جائزان في المبدل من الهمزة؛ لأن الحركة مقدرة فيه، ولولا ذلك لم يدغم فيه الأول.
وذكر الأهوازي في ﴿قُرُوءٍ﴾ التخفيف من غير تشديد، وهذا يحتمل أن يريد به التخفيف بين بين على ما يذهب إليه الكوفيون، من إجراء الواو والياء مجرى الألف في ذلك، ويحتمل أن يريد به التخفيف بالنقل والحذف على إجراء الزائد مجرى الأصلي، على ما حكي عن قوم من العرب، والله أعلم. وقياسه "النسي، وبري" ولم يذكر فيه شيئا فيما أعلم.
_________________
(١) ١ انظر كتابنا "عمدة المبتدئين في معرفة الوقف على الهمز" صدر عن الدار.
[ ٢٠٤ ]
فهذا تحصيل مذهب حمزة في المتطرفة.
ووافقه هشام على التخفيف فيها من رواية الحلواني.
وقد قرأت من طريق غيره عن هشام كالجماعة بغير تسهيل، ولكن الذي آخذ به ما رواه ونص عليه أبو الحسن الحلواني عنه، لضبط الحلواني وإمامته وبحثه، فقد كان إماما لا يجارى في هذا الفن.
وقد حدثنى أبو القاسم، وأبو محمد بن عتاب، قالا: حدثنا محمد بن عابد، وحدثنا أبو محمد، حدثنا أبو عبد الله قال: حدثنا أبو محمد مكي قال: حدثنا أبو الطيب قال: حدثني أبو الحسن، يعني ابن بلال قال: حدثني ابن المنادي قال: سألت الحسن بن العباس عن قراءة الحلواني عن هشام بن عمار، فقال لي عن أحمد بن يزيد، يعني الحلواني: إنه قرأ على هشام بن عمار، ثم قدم العراق، فبلغته حروف، فخرج ثانية فقرأ عليه بتلك الحروف، ثم قدم العراق فبلغته حروف، فخرج إليه فقرأ عليه القرآن، وقرأ بتلك الحروف.
ذكر المتوسطة:
المتوسطة: على ضربين، ساكنة ومتحركة، وأعني بالمتوسطة التي هي لام الفعل، فاتصل بها ضمير أخرجها عن الطرف، أو التي هي عين الفعل، أو التي هي فاء الفعل، ودخل عليها حرف زيادة فصيرها متوسطة، حرف الزيادة من بناء الكلمة التي يزاد فيها، كزوائد المضارعة في ﴿يُؤْمِنُ﴾ والميم في ﴿مُؤْمِنٌ﴾ فأما حرف المعنى، ففي تقدير كلمة منفردة كغيرها من الكلم، نحو حروف الجر، وحروف العطف، وحروف التعريف.
فالساكنة: تبدل حرفا من جنس حركة ما قبلها على ما قدمت في غير موضع، نحو: "المؤمنون، ويؤفكون، ورأس، وشأن، والرؤيا، وسؤلك"، و﴿تَسُؤْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٠]، [والتوبة: ٥٠]، و"مؤصدة، ولؤلؤ، وكدأب، ويأكلون، والذئب، والبئر، وبئس" وشبهه.
وذكر مكي وأبو عمرو أن قوما من أهل الأداء أدغموا ما اجتمع فيه مثلان،
[ ٢٠٥ ]
وذلك ﴿تُؤْوِي﴾، و﴿تُؤْوِيهِ﴾، و﴿وَرِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤] اعتدادا بالعارض، واختاره أبو عمرو لموافقته الخط، ولأنه -فيما ذكر- قد جاء نصا عن حمزة في ﴿وَرِئْيًا﴾ واختار أبو محمد الإظهار، وهو الذي عليه أكثر الناس؛ لأن البدل عارض، وهو اختيار أبي -﵁- واختيار شيخنا أبي الحسن بن شريح.
قال أبو محمد مكي: "فأما "رؤيا" فما علمت أن أحدا من القراء روى فيها الإدغام١؛ لأنه يلزم فيها كسر الراء وإبدال الواو ياء مع الإدغام، وذلك تغيير وإحالة".
قال لي أبي -﵁: هذا كله حكاه سيبويه، وقد أجازه بعضهم ورواه.
قال أبو جعفر: ولكن لا يؤخذ به كما ذكر أبو محمد.
فأما ﴿أَنْبِئْهُمْ﴾ [البقرة: ٣٣] منهم من كسر الهاء لمجاورتها الياء المبدلة من الهمزة، كما تكسر مع الياء الصحيحة في ﴿فِيهِمْ﴾ وهو مذهب ابن مجاهد.
ومنهم من يتركها على حالها من الضم؛ لأن الهمز مراد، ولأنه كهاء ﴿عَلَيْهِمْ﴾ إذ ياؤها غير لازمة مع الظاهر، فمراعاة حال الوصل في الوقف آكد من مراعاة حال الظاهر مع الضمير، وهذا الوجه أولى، وقد نص عليه أبو هشام الرفاعي.
وأما المتحركة: فما قبلها ينقسم كانقسام ما قبل المتطرفة:
فإن سكن ما قبلها، وكان حرفا صحيحا، أو واوا أو ياء أصليين حذفتها، وألقيت حركتها على الساكن فحركته بها نحو ﴿خِطْئًا﴾ [الإسراء: ٣١]، و﴿الْمَشْأَمَةِ﴾ [الواقعة: ٩، والبلد: ١٩]، و﴿تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]، و﴿يَسْأَلونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، [والزخرف: ١٩]، و﴿شَيْئًا﴾، و﴿كَهَيْئَةِ﴾ [آل عمران: ٤٩]، [والمائدة: ١١]، و﴿مَذْءُومًا﴾ [الأعراف: ١٨]، و﴿مَسْؤُولًا﴾، و﴿سِيئَتْ﴾ [الملك: ٢٧]، و﴿اسْتَيْأَسُوا﴾ [يوسف: ٨٠]، و﴿مَوْئِلًا﴾ [الكهف: ٥٨]، و﴿الْمَوْؤُودَة﴾ [التكوير: ٨] وشبهه.
وهذا التخفيف القياسي موافق في هذا الفصل للخط، إلا ﴿النَّشْأَةَ﴾، و﴿مَوْئِلًا﴾ فإنهما كتبتا بألف وياء بعد الساكنين، وسأورد ما ذكر القراء فيهما إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) ١ الإدغام في "رؤيا" وبابها قراءة أبي جعفر يزيد بن القعقاع، إمام المدينة.
[ ٢٠٦ ]
وإن كان الساكن زائدا أبدلت وأدغمت إذا كان ياء أو واوا، نحو قوله: ﴿هَنِيئًا﴾، و﴿مَرِيئًا﴾، و﴿بَرِيئُونَ﴾ [يونس: ٤١]، و﴿خَطِيئَةً﴾ [النساء: ١١٢]، و﴿خَطِيئَاتِكُمْ﴾ [الأعراف: ١١٦]، وما كان على وزن "فعيل" حيث وقع، ولم تأت الواو في القرآن.
وقال مكي وأبو عمرو: لا يجوز في الزائد إلا الإدغام.
وقال الأهوازي: رأيت من يذكر التخفيف في ذلك مع ترك همزهن.
وقد قدمت أن حكايته تحتمل بين بين، أو النقل والحذف، وكلاهما قد ذكره النحويون.
وإن كان الساكن ألفا خففت الهمزة بين بين، كانت الألف منقلبة أو زائدة، نحو ﴿دُعَاءَهُ﴾ [الإسراء: ١١]، و﴿أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، و﴿وَرَاءَهُ﴾ [البقرة: ٩١] وبابه و﴿تَرَاءَى﴾ [الشعراء: ٦١]، و﴿نِسَاؤُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، و﴿أَبْنَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ١١]، و﴿مَاءً﴾، و﴿غُثَاءً﴾، و﴿سَوَاءٌ﴾، و﴿آبَاؤُكُمْ﴾، و﴿جَاءُوا﴾، و﴿هَاؤُمُ﴾ [الحاقة: ١٩]، و﴿مِنْ آبَائِهِمْ﴾، و﴿الْقَائِمِينَ﴾ [الحج: ٢٦]، و﴿خَائِفِينَ﴾ [البقرة: ١١٤]، و﴿مَلائِكَتِهِ﴾ وشبهه.
قال أبو عمرو: وإن شئت مكنت الألف اعتدادا بالهمزة١٧١، وإن شئت قصرتها لعدمها مخففة. قال: والتمكين أقيس. وغير أبي عمرو لا يذكر في ذلك إلا التمكين فقط١٧٢.
وإن تحرك ما قبلها انقسمت باعتقاب الحركات عليها، وعلى ما قبلها مع اتفاقها واختلافها تسعة أقسام:
أن تكون مفتوحة قبلها فتحة نحو ﴿سَأَلَ﴾ [المعارج: ١]، و﴿تَأَخَّرَ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، و﴿خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢]، و﴿مَلْجَأً﴾، و﴿مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] .
_________________
(١) ١٧١ أي: مددت الألف على المتصل مقدارا. ١٧٢ قال محمد بن شريح في كتاب "الكافي": فقيل: يمد حرف المد واللين، وقيل: لا يمد إذا ذهب الموجب للمد، انظر "ص٤١" من "الكافي".
[ ٢٠٧ ]
﴿رُؤُوسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦، والفتح: ٢٧]، و﴿بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] .
أو مكسورة قبلها كسرة نحو: ﴿خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، [والأعراف: ١٦٦]، و﴿مُتَّكِئِينَ﴾ .
أو مفتوحة قبلها ضمة، نحو ﴿يُؤَيِّدُ﴾ [آل عمران: ١٣]، و﴿لُؤْلُؤًا﴾، و﴿نُؤَخِّرُهُ﴾ [هود: ١٠٤]، و﴿يُؤَدِّهِ﴾ [آل عمران: ٧٥]، و﴿يُؤَلِّفُ﴾ [النور: ٤٣] .
أو مفتوحة قبلها كسرة نحو ﴿سَيِّئَةً﴾، و﴿وَنُنْشِئَكُمْ﴾ [الواقعة: ٦١]، و﴿إِنَّ شَانِئَكَ﴾ [الكوثر: ٣]، و﴿مُلِئَتْ﴾ [الجن: ٨]، و﴿الْخَاطِئَةِ﴾ [الحاقة: ٩]، و﴿مِائَةَ﴾، و﴿مِائَتَيْنِ﴾، و﴿فِئَةٌ﴾، و﴿فِئَتَيْنِ﴾ .
أو مضمومة قبلها فتحة نحو: ﴿رَؤُوفٌ﴾، و﴿فَادْرَأُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨]، و﴿يَؤُوسًا﴾ [الإسراء: ٨٣]، و﴿وَلَا يَؤُودُهُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
أو مضمومة قبلها كسرة، نحو: ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾، و﴿مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، و﴿لِيُوَاطِئُوا﴾ [التوبة: ٣٧]، و﴿أُنَبِّئُكُمْ﴾، و﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ [الأعلى: ٦]، و﴿سَيِّئُهُ﴾ [الإسراء: ٣٨] .
أو مكسورة قبلها ضمة، نحو ﴿سُئِلُوا﴾ [الأحزاب: ١٤]، و﴿سُئِلَ﴾ [البقرة: ١٠٨] .
أو مكسورة قبلها فتحة، نحو: ﴿يَئِسُوا﴾ [العنكبوت: ٢٣، والممتحنة: ١٣]، و﴿يَئِسَ﴾ [المائدة: ٣]، [والممتحنة: ١٣]، و﴿يَوْمَئِذٍ﴾، و﴿حِينَئِذٍ﴾ [الواقعة: ٨٤] وشبهه.
فحكم هذه الأقسام التخفيف بين بين، إلا المفتوحة التي قبلها كسرة أو ضمة فإنها تبدل مع الكسرة ياء، ومع الضمة واوا؛ لأنه لا يستطاع فيها بين بين، لأنها لو قربت من الألف لم يمكن ذلك؛ لأن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا، فكذلك فيما قرب منها لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا، وقبلها في أحد النوعين كسر، وفي الآخر ضم؛ فلذلك لا يستطاع فيها بين بين، وجاز البدل في المضمومة المكسور ما قبلها إذا كانت صورتها في الخط ياء، فأبدلوها ياء مضمومة اتباعا للخط، نحو: ﴿أُنَبِّئُكُمْ﴾، و﴿سَنُقْرِئُكَ﴾، و﴿كَانَ سَيِّئُهُ﴾ .
فقال لي أبي -﵁: القياس أن تخفف بين الهمزة والواو على ما رآه سيبويه، ويوجه كتاب المصحف بالياء على ما يجب للهمزة المتطرفة من التخفيف في "سنقرئ، وسيء، وأنبئ" في الوقف، بإبدالها ياء، ثم يتصل الضمير بعد ذلك، وقد وجب كتابها في الانفراد ياء.
[ ٢٠٨ ]
ذكر المبتدأة:
المبتدأة المنزلة منزلة المتوسطة هي الهمزة التي هي فاء الفعل إن كانت الكلمة مما يوزن، نحو:
"يؤمن، ويؤمنون، ويؤخر، ويؤيد"، و﴿تَؤُزُّهُمْ﴾ [مريم: ٨٣]، و﴿وَلَا يَؤُودُهُ﴾ ونحوه.
أو في حكم ما هو فاء الفعل إن كانت الكلمة مما لا يوزن، ودخل عليها زائد من حروف المعاني أو غيرها من الكلم.
وحروف المعاني هي الحروف التي في تقدير الانفراد، وليست من بناء الكلمة، سواء كانت متصلة في الخط، نحو لام الجر، وبائه، ولام التعريف، أو منفصلة فيه، نحو واو العطف، وألف الاستفهام، وحروف التشبيه. وفرق ما بينها وبين حروف الزيادة أن تلك بنيت الكلمة عليها بناء لا يتقدر فيه انفصال، فاعرف هذا فليس بمتقن في كتبهم، وإن كان المتقدمون من القراء إياه أرادوا.
وهذه الهمزة أحكام تخفيفها كأحكام المتوسطة سواء، إلا أنه قد يوجد من المتوسطة ما لا نظير له فيها. فما كان متحركا فإن كان قبله ساكن غير الألف نقلت الحركة إليه نحو ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ [المؤمنون: ١]، و﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ [المائدة: ٣٢] ونحو "الأرض، والآخرة" ولام التعريف كله.
وقد كنت بينت أن لام التعريف حرف معنى كقد، لا حرف زيادة كميم اسم الفاعل.
وإن كان الساكن ألفا جعلت بين بين، نحو:
"هؤلاء، وها أنتم، ويا أيها"، و﴿يَا أُخْتَ﴾ [مريم: ٢٨]، و"يا آدم، ويا أولي".
وإن كان ما قبلها متحركا فعلى حكم ما تقدم١٧٣، إما بين بين، أو البدل،
_________________
(١) ١٧٣ أي: حكمها حكم المتوسطة المتحركة بعد متحرك، وهي في هذا القسم ست صور؛ لأن الهمزة تحرك بضم أو بكسر أو بفتح، وما قبلها يكون مفتوحا أو مكسورا نحو "أوحى، لأخراهم، فإنه، بإيمان، كأنه، بأنه" ولم يأت ما قبل الهمز مضموما في هذا القسم.
[ ٢٠٩ ]
نحو: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾، و﴿أَفَأَنْتَ﴾، و﴿سَأَصْرِفُ﴾ [الأعراف: ١٤٦]، و﴿كَأَيِّنْ﴾، و﴿كَأَنَّ﴾، و﴿وَيْكَأَنَّ﴾ [القصص: ٨٢]، و﴿فَلِأُمِّهِ﴾ [النساء: ١١]، و﴿بِأَنَّهُمْ﴾، و﴿بِأَيِّكُمُ﴾، و﴿فَبِأَيِّ آلاءِ﴾، و﴿فَأُعَذِّبُهُمْ﴾، و﴿لِأُولَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٨]، و﴿لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥] .
وإن كانت ساكنة، فالبدل نحو ﴿لِقَاءَنَا ائْتِ﴾ [يونس: ١٥]، و﴿إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ [الأنعام: ٧١]، و﴿الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، و﴿قَالُوا ائْتُوا﴾ [الجاثية: ٢٥] .
فأكثر القراء يأخذون لحمزة بالتسهيل في هذا الباب؛ لأن الهمزة قد صارت متوسطة، ولا يوقف على حروف المعاني وغيرها دونها، وله أصل عن خلف؛ لأنه قال في كتاب الوقف: "أإن لنا، وأإنك" نقف عليهما بغير همز، إلا أن من أخذ بالتسهيل ربما خلط فأخذ في بعض ذلك بالتحقيق، وفي بعضه بالتسهيل، مثلما اختاروا في ﴿الْأَرْضِ﴾ وبابه التسهيل١، وفي ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ وشبهه مما انفصل في الخط التحقيق. والأمر عندنا فيهما واحد، وهذا كذكرهم في المتوسطة حروفا من هذا الباب، وفي هذا الباب حروفا من المتوسطة؛ لأن نكتة الفرق بين البابين ذهبت عنهم، وهي تحصيل حرف الزيادة من حرف المعنى، وإنما نظروا إلى الخط.
ومن الناس من يأخذ لحمزة في هذا الباب بالتحقيق لا غير؛ لكون الهمزات مبتدآت، وهو قياس ما روى أبو أيوب الضبي عن رجاء بن عيسى أن حمزة يقف على "الآخرة، والأولى" وبابهما بالهمز كالوصل، وكذلك روى أبو مزاحم الخاقاني عن أصحابه عن حمزة، وهو اختيار أبي سهل وأبي الطيب وابنه طاهر وغيرهم. وهو اختيار أبي -﵁- قال: وهو الصواب الذي لا يصح غيره، والأول اختيار عثمان بن سعيد، وذكر أنه مذهب شيخه أبي الفتح والجمهور من أهل الأداء، وهو اختيار أبي الحسن بن شريح، وذكر لي أنه أقيس.
_________________
(١) ١ أي: مطلق التخفيف.
[ ٢١٠ ]
باب: ما ذكر القراء مما جرى في التسهيل على غير
قياس سيبويه، وإجراء مسائل على التخفيف القياسي وغيره
اعلم أن كل ما ذكرت من التخفيف في هذه الأبواب لحمزة وغيره فهو على محض القياس إلا قليلا نبهت عليه. وأنا أذكر في هذا الباب حروفا جرت عادتهم بذكر وجوه شاذة فيها.
وأصل بذلك مسائل أخذتها عن أبي الحسن بن شريح -أيده الله- فيها تدريب للطالب.
وقد رأيت أن أقدم على ذلك عقد القياس في تخفيف الهمزة ليحفظ مجموعا، ثم أتبعه الوجوه الشاذة التي تجري عليها هذه الحروف، فتكون هذه المقدمة تفيد ملاك هذا الباب كله، مطرده وشاذه إن شاء الله -﷿.
ذكر ذلك:
اعلم أن الهمزة المبتدأة لا تخفف؛ لأنها تقرب بالتخفيف من الساكن، فلم يبتدئوا بمقرب من ساكن كما لم يبتدئوا بساكن، وإنما تخفف غير المبتدأة بين بين، أي: بين الهمزة والحرف الذي منه حركتها، وبالبدل وبالحذف. وأصلها في التخفيف بين بين؛ لأنه التخفيف الذي يدل على أصلها من الهمز، فكرهوا تخفيفها بالبدل لئلا تدخل في بنات الياء والواو، وإنما تخفف بالبدل إذا امتنع تخفيفها بين بين وساغ البدل؛ لأنها لا يوجد لها ما تقرب منه، كما لا تخفف بالحذف إلا إذا امتنع تخفيفها بين بين وبالبدل.
فهذه طريقة تخفيفها على القياس، فإذا خففت بالبدل حيث يجوز بين بين، أو الحذف حيث يجوز البدل أو بين بين، فهو من التخفيف الشاذ الذي لا يقاس عليه.
[ ٢١١ ]
فالهمزة لا تخلو من أن تكون متحركة قبلها متحرك، أو متحركة قبلها ساكن، أو ساكنة قبلها متحرك.
فالمتحركة المتحرك ما قبلها: تخفف بين بين أبدا "كسأل، ولؤم، ويئس، ﴿وإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ "، إلا المفتوحة المضموم ما قبلها، أو المكسور ما قبلها "كجؤن، ومئر" فإنها تخفف بالبدل حرفا منه حركة ما قبلها "فتقول: جون ومير"، وإنما كان ذلك لأنها لو قربت من الألف لم يمكن ذلك؛ لأن الألف لا يكون قبلها ضمة ولا كسرة، فكذلك ما قرب منها.
وإذا كانت ساكنة: خففت بالبدل، تبدل حرفا منه حركة ما قبلها، وإنما كان ذلك كذلك لأن بين بين تقريب المتحرك من الساكن الذي هو أخف منه، وليس بعد الساكن ما هو أخف منه، ولا يمكن ذلك، فرجعوا إلى البدل في الساكنة، كما رجعوا إليه في المتحركة المفتوحة التي قبلها ضمة أو كسرة.
وإذا كانت متحركة قبلها ساكن، فلا يخلو الساكن أن يكون حرفا صحيحا أو حرف علة. فإن كان صحيحا خففت الهمزة بأن تحذف وتنقل حركتها إلى الساكن نحو: "الجزء، والخبء، والمرأة، والنشأة" تقول في التخفيف: الجز، والخب، والمرة، والنشة.
وإنما كان كذلك لأن تخفيفها بين بين وبالبدل ممتنع؛ لأنه لا يجتمع ساكنان في الوصل، ولا ساكن ومقرب من ساكن، كما لم يجز أن يبتدأ بساكن ولا بمقرب منه؛ لأن ما بعد الساكن في حكم ما يبتدأ به، وقد مضى تمثيل هذا كله.
وروى سيبويه أن منهم من يخفف الهمزة هنا بالبدل لسكون ما قبلها، فيجريها مجرى الساكنة فيقول: الكماة والمراة، ويمكن أن يكونوا كتبوا في المصحف "النشأة" بالألف مراعاة لحال تخفيفها في هذه اللغة، ويمكن أن يكون على مذهب أهل التحقيق١.
وإذا كان الساكن حرف علة، فلا يخلو من أن يكون ألفا أو واوا أو ياء، فالألف
_________________
(١) ١ وقيل: لتحتمل القراءتين.
[ ٢١٢ ]
تخفف معها الهمزة بين بين، كما تخفف مع المتحركة؛ لأن طول مدها ينوب مناب الحركة وأكثر، وتقول في "هباءَه، وعظاءَه": هباءه، وعظاءه، فتجعلها بين بين.
وإن كان ياء أو واوا فلا يخلو أن يكونا زائدين للمد، أو أصلين، أو ملحقين بالأصل.
فالزائدان تبدل معهما الهمزة ويدغمان، تقول في "قروء، بريء": قرو، وبري، ولا تخفف الهمزة معهما بين بين لقصر مدهما عن مد الألف، فكان انفراد الألف بتخفيف الهمزة بين بين معها بمنزلة انفرادها بالردف، واختصاصها بالتأسيس، وإن ساوتهما في غير هذا.
وأما الأصليتان نحو ﴿سَوْءَةَ﴾ [المائدة: ٣١]، و﴿كَهَيْئَةِ﴾ [آل عمران: ٤٩]، [والمائدة: ١١٠] والملحقتان نحو "حوأب، وجيئل" فتخفف الهمزة معهما بالحذف، ونقل حركتها إليهما، على قياس الساكن الصحيح، فتقول: سوة، وكهية، وحوب، وحيل.
ولم يقع الملحق في القرآن على قراءة حمزة.
فهذا حد الهمزة في التخفيف القياسي عند سيبويه، وخالفه أبو الحسن في موضعين: في المضمومة التي قبلها كسرة، وفي المتصل والمنفصل نحو ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾، و"من عند أخته" فيبدلها في التخفيف ياء فيقول: "يستهزيون" و"من عند يخته" قال: لأنه ليس من كلام العرب واو ساكنة قبلها كسرة، وإذا كانت كذلك انقلبت ياء، نحو: "ميزان، وميعاد"، فكذلك يجب في الهمزة المقربة أيضا، وفي المكسورة التي قبلها ضمة في المتصل دون المنفصل، نحو ﴿سُئِلَ﴾، و"بأكمئك" لأن الياء الساكنة المضموم ما قبلها تبدل واوا في نحو "موقن، وموسر" فيجب في الهمزة المقربة من الواو والساكنة أن تبدل واوا مع الضمة.
وسيبويه يقول: إنها تخفف بين بين؛ لأنه يستطاع التكلم بها، فبقيت على أصلها من التخفيف بين بين، وإنما احتيج إلى البدل في "جؤن، ومئر" لأن بين بين لا يستطاع التكلم به، وأصلهما من الهمزة يمنعهما من الحمل على الياء والواو في الاعتلال.
[ ٢١٣ ]
فإذا كانت الهمزة المكسورة منفصلة من الضمة نحو قولهم: عبد إخوانه، فقد ذكرنا أن أبا الحسن يوافق سيبويه على تخفيفها إلى الياء، إلا أن أبا الحسن يبدلها ياء، وسيبويه يجعلها بين الهمزة والياء، قال: لأن الضمة المنفصلة بعيدة من الهمزة في التقدير، فلم يكن لها تأثير.
وأما ما ذكروه مما جرى على شذوذ، فإنه لا يخرج عن أحد ثلاثة أوجه:
الأول: حذف الهمزة حذفا استثقالا لها، كما قالوا: ويلمه، ويابا المغيرة، وكما روي عن ابن كثير "لاحدى الكبر" [المدثر: ٣٥] .
الثاني: التحويل، وهو قلب الهمزة حرف علة، وتخفيفها بالبدل أبدا.
الثالث: ما ذهب إليه الكوفيون من تخفيف المتحركة التي قبلها واو أو ياء للمد بين بين كالألف.
فهذه الأصول من حفظها، ووقف عليها لم يخف عليه من أحكام الهمز شيء، إن شاء الله.
إجراء المسائل على الأصول:
من ذلك: ﴿الْمَوْؤُودَةُ﴾ [التكوير: ٨] قال الشذائي: كان ابن مجاهد يذهب إلى الوقف عليه في قراءة حمزة "المَوْدَة" بوزن الموزة، وهو قول الفراء، وقال أبو طاهر بن أبي هاشم: كان حمزة إذا وقف لفظ بعد فتحة الميم بواو ساكنة، ثم أشار إلى الهمزة بصدره، ثم أتى بعدها بواو ساكنة، قال: وهذا ما لا يضبطه الكتاب.
قال أبو جعفر: أما ما ذهب إليه ابن مجاهد فهو على حذف الهمزة اعتباطا، كما قالوا: ويلمه، ويابا المغيرة، وكما قرأ الزهري "فلا اثم عليه" فإذا حذفت التقى ساكنان فحذف الثاني فجاء "المودة".وذكر فيه أبو محمد مكي تعليلا آخر، وهو أنه خفف على القياس، فجاء "الموودة" ثم استثقل الضمة على الواو فأزالها، فالتقى ساكنان فحذف.
[ ٢١٤ ]
والتوجيه الأول هو الصواب المعول عليه، قاله لي أبي -﵁.
وعلى هذا ما ذكره الأهوازي أنه قرأ لحمزة "روسكم" بوزن "فعلكم"١ قال: وهو اختيار ابن مجاهد في قراءة حمزة؛ لأنك إذا طرحتها لم تغير معنى الجمع.
وأما قول أبي طاهر فهو على ما يقوله الكوفيون من إجراء الواو والياء مجرى الألف في التخفيف بين بين، إلا أن فيه هنا بعدا؛ لأن الواو هنا لا تشبه الألف؛ لأن حركة ما قبلها ليست منها.
وقد تقدم وجهان آخران في تخفيف ﴿الْمَوْؤُودَةُ﴾ وهما النقل والحذف، والإبدال والإدغام، فهذه أربعة أوجه فيها٢.
ومن ذلك "هزؤا"، و"كفؤا" قال الأهوازي في "الإيضاح": وقف حمزة على قوله تعالى: "هُزوًا"، و"كُفْوًا" بإسكان الزاي والفاء، وبواو بعدهما من غير همزة، يقول: "هزوا" و"كفوا".
وقال خلاد عن سليم عنه بالإشارة إلى الهمزة فيهما بعد إسكان الفاء، والزاي في الوقف.
ووقف حمزة أيضا عليهما برفع الزاي والفاء، وبواو بعدهما من غير همز، قال: ولم يعرف أبو إسحاق ذلك عنه، ووقف عليهما أيضا "كفا"، و"هزا" بفتح الفاء والزاي، وبألف بعدهما من غير همز٣.
قال أبو جعفر: أما الوجه الأول من حكايته فبه يأخذ معظم القراء، وإن كان خارجا عن القياس، لما فيه من موافقة الخط، وقد نص عليه خلف كذلك، ووجهه عندهم أنه سكن الزاي والفاء على وجه التخفيف من المثقل الذي هو "هُزُؤا"، و"كُفُؤا"، كقراءة سائر القراء، إلا أن يكون سكنهما من أول وهلة دون أن يقدر الضم، فإذا كان كذلك كان الساكن في تقدير الضم كما كان الساكن من: لقضو
_________________
(١) ١ قال ابن الجزري: فيها التسهيل بين بين، وفيها الحذف على الرسم. ٢ قال ابن الجزري: فيها النقل والإدغام، وغير ذلك شاذ. ٣ قال ابن الجزري: فيهما النقل، وكذا الإبدال واوا على الرسم مع سكون ما قبل الواو.
[ ٢١٥ ]
الرجل في تقديره، ولذلك لم يردوا ياء "قضيت" التي أوجب انقلابها واوا الضمة قبلها.
فإذا كان الساكن في نية الضم فحكم المفتوحة التي قبلها ضمة أن تبدل واوا نحو ﴿يُؤَيِّدُ﴾ [آل عمران: ١٣] .
قال لي أبي -﵁: لا يسوغ تشبيه الهمزة بالواو؛ لأن الواو حرف مد، وحرف المد أحكامه مطردة في القلب والتصحيح، والهمزة حرف صحيح، وإن كان قد يخرج في بعض المواضع إلى حرف العلة، فبابه أولى به، فحكمها مع السكون غير حكمها مع الحركة.
وأما الحكاية عن خلاد، فالمراد بها جعل الهمزة بين بين، ولعله مذهب للكوفيين.
وقد ذكرها في "مفردة حمزة" بأجلى من عبارته في "الإيضاح" فقال: وهذا نصه خلاد عن سليم عنه، يقف على قوله تعالى: "هزؤا" و"كفؤا" بإسكان الزاي والفاء، وبتليين الهمزة من غير أن يظهر الواو فيهما، وكذلك يقف على قوله تعالى: ﴿جُزْءًا﴾ حيث كان منصوبا.
وأملى عليَّ أبي -﵁- قال سيبويه: "إنما حذفت الهمزة هنا لأنك لم ترد أن تتم، وأردت إخفاء الصوت، فلم يكن ليلتقي ساكن وحرف هذه قصته، كما لم يكن ليلتقي ساكنان، ألا ترى أن الهمزة إذا كانت مبتدأة محققة في كل لغة فلا تبتدئ بحرف قد أوهنته؛ لأنه بمنزلة الساكن، كما لا يبتدأ بساكن".
قال لي أبي -﵁: فيمكن أن يكون سيبويه أشار إلى رد هذا القول المحكي عن خلاد، ولعلهم أيضا يجيزون الابتداء بهمزة مقربة من الساكن، كما أجازوا الإدغام في مثل "فَمَا اسْطَاعُوا" [الكهف: ٩٧] ١ ولا شرط فيه من المد يسهل الإدغام.
وأما الوجه الثالث الذي ذكر أن أبا إسحاق الطبري لم يعرفه، فقد نسبه في
_________________
(١) ١ حيث قرأ حمزة بتشديد الطاء حيث يريد "استطاعوا" فأدغم التاء في الطاء وجمع بين ساكنين وصلا "السين والطاء؛ لأن المشدد بحرفين أولهما ساكن".
[ ٢١٦ ]
"المفردة" إلى خلف والضبي، وقال فيه مكي: إنه ليس بالمشهور، وقال أبو عمرو: العمل بخلافه، وحكى أن الضبي كان يأخذ به.
وقال لي أبي -﵁: هو أقرب وأشبه من الأول والثاني؛ لأن الأخذ به جمع بين وفاق الخط ولزوم القياس، ولم يبال بخلاف الرواية.
وأما الوجه الرابع، وهو النقل والحذف، فهو وجه القياس، وبه يأخذ أبي -﵁- ويوجه خط المصحف على أن الواو كتبت على قراءة من حرك لا على قراءة من سكن؛ لأن كتَّاب المصحف ينزهون عن كتابته على ما لا تقتضيه اللغة، وعلى هذا كثير من المحققين.
وذكر الأهوازي في ﴿جُزْءًا﴾ [البقرة: ٢٦٠]، [والزخرف: ١٥] الوقف بإسكان الزاي وبواو بعدها من غير همز، كالوجه الأول في ﴿هُزُوًا﴾، و﴿كُفُوًا﴾ وهذا في ﴿جُزْءًا﴾ غلط؛ لأنه خلاف الخط والقياس جميعا.
ومن ذلك: ﴿مَوْئِلًا﴾ [الكهف: ٥٨] ذكروا فيه خمسة أوجه:
الأول: "مَوِلًا" بالنقل والحذف على موجب القياس.
الثاني: "مَوِّلَا" بالإبدال والإدغام، وقد تقدم القول في مثله.
الثالث: "مَوْلًا" بإبدال الهمزة ياء، وهذا قد قدمت أن سيبويه حكاه، ووجهه أنهم حذفوا الهمزة على تقدير أن حركة الهمزة حركة لما قبلها، وسكن ما قبلها سكون لها، فكأنه إذا قيل: "مَوْيِلًا" خفف من ﴿مَوْئِلًا﴾ كما قال:
أحب المؤقدين إلي مؤسى
فأبدل الواو المضموم ما قبلها همزة، كما يبدلها في "أجوه" و﴿أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١] .
ومثل ﴿مَوْئِلًا﴾ قوله: اللواتي لا تزير.
ومن أخذ بهذا الوجه وقف على ﴿النَّشْأَةَ﴾، و﴿شَطْأَهُ﴾ بألف ساكنة مثل "الكماة، والمراة" وإليه يميل القراء لموافقته الخط، وهو حسن.
ومن آثر القياس نقل الحركة، وحذف الهمزة فقال: "النشه، وشطه" واعتل
[ ٢١٧ ]
لوقوعه في الخط بألف بأنه على لغة أهل التحقيق، أو على مراعاة قراءة من قرأ "النشاءَة، وشطَأه" ويمكن أن يكونوا كتبوا: ﴿النَّشْأَةَ﴾، و﴿شَطْأَهُ﴾ بألف، و﴿مَوْئِلًا﴾ بالياء رعاية لحال تخفيفها بالبدل، وبالوجهين يأخذ أبي -﵁- في هذه الكلم الثلاث، أعني: وجه القياس والبدل١.
والرابع: ﴿مَوْئِلًا﴾ بين بين، ذكره أبو عمرو عن أبي العباس بن واصل عن خلف، والقول فيه كالقول في ﴿الْمَوْؤُودَةُ﴾ فيمن أخذ فيه بهذا الوجه، وقد ذكرته.
الخامس: ذكر الأهوازي أنه رأى من يجيز ﴿مَوْيِلًا﴾ بياء مكسورة من غير همز، وذكره أيضا مكي وأبو عمرو، ورجحه أبو عمرو على الوجه الذي قبله، قال: لأنه أوفق للرسم، وأوجه للشذوذ، ولم يبين واحد من الثلاثة وجهه.
قال لي أبي -﵁: الذي يتجه في "هُزُؤًا" و﴿مَوْئِلًا﴾ وما كان مثله أن من العرب من يخفف الهمزة البدل أبدا، ولا يلتفت إلى غيره من بين بين، والحذف، فيقول في "قرأ": قرا، وفي "قرأت": قرات، وفي "يقرأ": يقرا، ولا يدخلها في باب المد واللين إلا في مقدار البدل دون سائر التصريف، فإذا التزم البدل فقياسه أن يطرده فيقول في "هزْوًا": هزْوًا وفي ﴿مَوْئِلًا﴾: مويلا، ويكون قياس من قال: "الكماة، والمراة" عند هؤلاء أنه خفف بالبدل، وحرك لالتقاء الساكنين.
ومن ذلك: ﴿رَؤُوفٌ﴾ أخبرني أبو محمد بن عتاب، عن أبي محمد مكي، عن أبي الطيب، عن أبي سهل أنه حكى في ﴿رَؤُوفٌ﴾ أن حمزة يقف عليه بسكون الواو.
قال أبو محمد: "وتقدير سكون الواو في هذا أنه سهلها على البدل، فأبدل منها واوا مضمومة، ثم حذف الضمة استثقالا، فبقيت "رَوْف" مثل "طَوْف".
قال أبو جعفر: ويكون هذا أيضا على حذف الهمزة٢.
_________________
(١) ١ قال ابن الجزري ﴿مَوْئِلًا﴾ أجمع المصاحف على تصوير الهمزة فيه ياء من أجل مناسبة رءوس الآي قبل وبعد ومحافظة على لفظها "النشر": باب الوقف على الهمز. ٢ قوله: "على حذف الهمزة": تصبح الكلمة "رف" لأنه يقرأ بحذف الواو أصلا فحذف الهمزة، أو إبدالها واوا على الرسم لا يصح أي منهما، بل فيها التسهيل بين بين.
[ ٢١٨ ]
ومن ذلك: "تفتأ، ويعبأ، ويتفيأ، ويدرءوا، ويبدءوا، ويتبوأ، وينبأ" و﴿الْمَلَأُ﴾ الأول من [المؤمنون: ٢٤]، والثلاثة المواضع من [النمل: ٢٩، ٣٢، ٣٨] .
وما أشبه ذلك، مما رسم بالواو من الهمز المتطرف.
ذكر الأهوازي أنه قرأ ذلك على أبي إسحاق الطبري بإبدال الهمزة ألفا على القياس، وذكر في "مفردة حمزة" أنها رواية خلاد والدوري وابن سعدان عن سليم عن حمزة، قال عنهم: بألف ساكنة من غير همز، ولا إشارة إلى الإعراب. وهذا هو اختيار أبي -﵁.
وذكر أبو عمرو أنه اختيار طاهر بن غلبون، وذهب قوم إلى الأخذ في ذلك ببين بين مع الروم، فيوافق القياس والخط، وقد رددنا قولهم قبل، وبينا أن الإشارة لا تجوز.
وذهب الأكثر من القراء إلى إبدال الهمزة واوا في ذلك اتباعا لخط المصحف.
وذكر الأهوازي أنه به قرأ على شيوخه حاشا الطبري.
وذكر أبو عمرو أنه اختيار شيخه أبي الفتح، قال: وهو اختياري؛ لأن ابن الجهم رواه عن خلف كذلك، وأيضا فإن أبا هشام وخلفا رويا عن سليم عن حمزة أنه كان يتبع في الوقف على الهمز خط المصحف.
قال أبو جعفر: كتبهم١ في المصحف ﴿الْمَلَأُ﴾ ونحوه بالواو يحتمل أن يكون على رعاية حكم التخفيف في الوصل، ويحتمل أن يكون على ما حكى سيبويه أن من العرب من يبدل الهمزة واوا في الرفع؛ لأن ذلك أبين من الهمزة فيقول: هو الكلو، وياء في الجر، وألفا في النصب، فيقول: من الكلى ورعيت الكلا، قال: "وهذا وقف الذين يحققون الهمزة" وعلى هذه اللغة يتوجه الوقف عليه بالواو، وهو وإن كان على وفق الخط ففيه خلاف لعقد مذهب حمزة؛ لأنه يأخذ في الوقف بمذهب من يخفف في الوصل، ولعله أراد التصرف في وقفه بالجمع بين مذهب من حقق ومن خفف، وذكر الأهوازي أنه قرأ في الفصل كله بإبدال الهمزة واوا أبدا، وإن كانت صورتها في الخط ألفا، وهذا لا يؤخذ به.
_________________
(١) ١ أي: كتابتهم.
[ ٢١٩ ]
ومن ذلك: ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وبابه.
قال الأهوازي: فإن كان بعد الهمزة واو قبلها ضمة، مثل قوله تعالى: ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾، و"خاطئون"، و﴿فَمَالِئُونَ﴾، و﴿يَتَّكِئُونَ﴾، و﴿الْمُنْشِئُونَ﴾، و﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾ ونحو ذلك كان له في الوقف عليها ثلاثة مذاهب: تليين الهمزة، وتكون بين الواو والهمزة بأدنى مد، وهو نص رواية خلف عن سليم عنه، والأكثر عليه عنه.
ويقف أيضا عليها بترك الهمزة من غير عوض، ويرفع الحرف الذي قبلها فيقول: "خاطُون، وفمالُون، ويتكُون" ونحو ذلك، وهو نص رواية أبي هشام عن سليم عنه.
حدثنا بذلك أبو أحمد قال: حدثنا أبو جعفر قال: حدثنا أبو هشام ذلك.
ويقف عليها أيضا بترك الهمزة، وبإبدال ياء مضمومة منها، وهو نص رواية ابن أبي حماد عنه، وهو أضعفها.
قال أبو جعفر: الأول مذهب سيبويه وهو القياس، والثاني مذهب الكسائي، والثالث مذهب أبي الحسن الأخفش.
ومن ذلك: ما ذكر الأهوازي أنه قرأ به لحمزة على شيوخه إلا أبا إسحاق الطبري، ومن جعل المفتوحة المكسور ما قبلها بين بين، وهذا كما حكى عن أبي عمرو أنه يجعل المفتوحة المضموم ما قبلها بين بين، وقد تقدم ذلك. ومن ذلك: "مِن نَّبَأِ الْمُرْسَلِينَ" [الأنعام: ٤٣]:
ذكر أبو عمرو أن من أخذ له في ﴿تَفْتَأُ﴾ بالإبدال واوا أبدل في "نبأ" الألف ياء.
قال أبو جعفر: الوجه الأخذ فيه بالبدل ألفا على موجب التخفيف، فأما وقوعه في المصحف بألف وياء فعلى أنه أثبت للهمزة صورتان، فالألف صورتها على التحقيق، والياء صورتها على التخفيف، ليستفاد بذلك معرفة جواز القراءة بهما.
وهكذا القول في "يأتيكم، ويأتيك" وكذلك: ﴿نَبَأُ الَّذِينَ﴾ الألف صورة التحقيق، والواو صورة التخفيف.
ومن ذلك: ﴿يَؤُوسًا﴾ [الإسراء: ٨٣] ذكر أبو محمد مكي أن ابن مجاهد روى عن
[ ٢٢٠ ]
محمد بن الجهم أن حمزة يقف بإسكان الواو، وهذا أيضا على حذف الهمزة، والحذف لالتقاء الساكنين، وعند أبي محمد على تقدير البدل، ثم حذف الواو الثانية لالتقاء الساكنين.
وهذه مسائل ابن شريح:
- قال لي أبو الحسن بن شريح: إن سأل سائل عن الواقف على قوله تعالى: ﴿إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ [الأنعام: ٧١] ففيه جوابان على ما تقدم: أحدهما التحقيق؛ لأن الهمزة في تقدير الابتداء، والآخر: التسهيل بالبدل، لما ذكرناه من مضارعتها المتوسطة، فالألف الملفوظ بها بعد الدال هي المبدلة من الهمزة.
وقوم يذهبون إلى أنها لام الفعل من ﴿الْهُدَى﴾ وتلزم على قولهم الإمالة على أصل حمزة في الألف المنقلبة عن الياء.
وبالأول أقول، ولا أعول على سواه؛ لأن التي هي لام الفعل قد انحذفت مع الهمزة، وهذه الألف عوض منها.
وأيضا فإنما تسهل الهمزة بعد ذهاب تلك الألف معها.
قال: فإن سأل سائل عن الوقف على قوله تعالى: ﴿اطْمَأَنَّ﴾ [الحج: ١١] ففيه جوابان على ما تقدم:
أحدهما، وهو الوجه القياسي: أن تجعل الهمزة بين الهمزة والألف، والآخر: البدل على ما ذكر أنه مروي ومسموع، فيمد للمشدد بعد، ومثله في الحكم ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾ [الزمر: ٤٥] .
- قال: فإن سأل سائل عن الوقف على قوله تعالى: ﴿رَأَى﴾ .
ففيه أيضا جوابان: بين بين، والبدل، ويلزم مع البدل الحذف لالتقاء الساكنين فيبقى: راى، وقد روى ذلك خلف عن حمزة في ﴿رَأَى الْقَمَرَ﴾ [الأنعام: ٧٧] ونحوه، أنه كان يترك الهمز ولا يمد وهذا على الحذف، فإن قدرت أن الألف المحذوفة هي المبدلة من الهمزة؛ لأن أكثر الاعتلال في التقاء الساكنين للأول أملت
[ ٢٢١ ]
الألف التي هي لام الفعل وما قبلها، وإن قدرت أن المحذوفة التي هي لام الفعل، لئلا يجتمع اعتلالان على حرف، أملت أيضا؛ لأن الرواية أتت عن حمزة بإمالة الراء والهمزة، فالألف بدل من الهمزة الممالة الفتحة إلى الكسرة، فينبغي أن تكون الألف المعوضة منها ممالة إلى الياء، وأيضا فإنه لا بد أن يميل الألف للنحو بفتحة الراء نحو الكسرة، والألف غير الممالة لا يكون قبلها إلا فتحة خالصة.
فإن قيل: فلم لم تذهب إمالة الراء والمبدل من الهمزة لذهاب موجب الإمالة، وهو الألف المنقلبة عن الياء؟ فالجواب أنه قد أبقى في الوصل إمالة الراء إذا سقطت الألف المنقلبة عن الياء لالتقاء الساكنين للدلالة على الأصل، ولأنه لم يعتد بالعارض، فها هي هنا أيضا قد سقطت لتسهيل عارض في وقف مثله، فإمالة الراء باقية كما كانت هناك، ولا بد من رجوع الألف على حكمها لما ذكرنا من العلة، كما أنك أيضا إذا قصدت إمالة الألف لم يكن بد من إمالة الفتحة.
- قال: ومثل ﴿رَأَى﴾ في جميع الأحوال ﴿نَأَى﴾ [الإسراء: ٨٣]، [وفصلت: ٥١] على قراءة خلف، وأما على قراءة خلاد فهي مشغبة، إذا أخذت فهي بوجه البدل؛ لأنه يفتح النون، ويميل ما بعدها، فإن قدرت أن الأولى هي المحذوفة صرت في حرج من طريق الرواية، وذلك أنك إن وفيت الألف المنقلبة عن الياء ما روى فيها، وهي الإمالة، أملت معها النون مضطرا، والمروي فتحها، وإذا وفيت النون ما روى فيها من فتحها فتحت الألف مضطرا، والمروي إمالتها، وبين المذهبين من الفتح والإمالة مع مخالفتهما الرواية ترجيح أضربت عن ذكره، إذ الأخذ بين بين اختياري، وإن قدرت أن المنقلبة عن الياء هي المحذوفة لم تمل، فاعلمه.
قال أبو جعفر: والأخذ ببين بين في هذا كله أولى، وكذلك الأحسن في ﴿رَأَيْتَ﴾ الأخذ ببين بين، وهو الوجه البين، فإن أخذت بالبدل لزمك الحذف على ما روي في ﴿رَأَى الْقَمَرَ﴾ فتقول: ريت، وهو نحو قراءة الكسائي في "أريتَكُمْ" [الأنعام: ٤٠-٤٧] يجوز عندي أن يكون محمولا على البدل والحذف، وقد قيل: إنه حذف الهمزة حذفا من غير تقدير بدل، كما كان في ذلك في: "ويلمه".
الألف التي هي لام الفعل وما قبلها، وإن قدرت أن المحذوفة التي هي لام الفعل، لئلا يجتمع اعتلالان على حرف، أملت أيضا؛ لأن الرواية أتت عن حمزة بإمالة الراء والهمزة، فالألف بدل من الهمزة الممالة الفتحة إلى الكسرة، فينبغي أن تكون الألف المعوضة منها ممالة إلى الياء، وأيضا فإنه لا بد أن يميل الألف للنحو بفتحة الراء نحو الكسرة، والألف غير الممالة لا يكون قبلها إلا فتحة خالصة.
فإن قيل: فلم لم تذهب إمالة الراء والمبدل من الهمزة لذهاب موجب الإمالة، وهو الألف المنقلبة عن الياء؟ فالجواب أنه قد أبقى في الوصل إمالة الراء إذا سقطت الألف المنقلبة عن الياء لالتقاء الساكنين للدلالة على الأصل، ولأنه لم يعتد بالعارض، فها هي هنا أيضا قد سقطت لتسهيل عارض في وقف مثله، فإمالة الراء باقية كما كانت هناك، ولا بد من رجوع الألف على حكمها لما ذكرنا من العلة، كما أنك أيضا إذا قصدت إمالة الألف لم يكن بد من إمالة الفتحة.
- قال: ومثل ﴿رَأَى﴾ في جميع الأحوال ﴿نَأَى﴾ [الإسراء: ٨٣]، [وفصلت: ٥١] على قراءة خلف، وأما على قراءة خلاد فهي مشغبة، إذا أخذت فهي بوجه البدل؛ لأنه يفتح النون، ويميل ما بعدها، فإن قدرت أن الأولى هي المحذوفة صرت في حرج من طريق الرواية، وذلك أنك إن وفيت الألف المنقلبة عن الياء ما روى فيها، وهي الإمالة، أملت معها النون مضطرا، والمروي فتحها، وإذا وفيت النون ما روى فيها من فتحها فتحت الألف مضطرا، والمروي إمالتها، وبين المذهبين من الفتح والإمالة مع مخالفتهما الرواية ترجيح أضربت عن ذكره، إذ الأخذ بين بين اختياري، وإن قدرت أن المنقلبة عن الياء هي المحذوفة لم تمل، فاعلمه.
قال أبو جعفر: والأخذ ببين بين في هذا كله أولى، وكذلك الأحسن في ﴿رَأَيْتَ﴾ الأخذ ببين بين، وهو الوجه البين، فإن أخذت بالبدل لزمك الحذف على ما روي في ﴿رَأَى الْقَمَرَ﴾ فتقول: ريت، وهو نحو قراءة الكسائي في "أريتَكُمْ" [الأنعام: ٤٠-٤٧] يجوز عندي أن يكون محمولا على البدل والحذف، وقد قيل: إنه حذف الهمزة حذفا من غير تقدير بدل، كما كان في ذلك في: "ويلمه".
[ ٢٢٢ ]
ومن أجاز الجمع بين ساكنين الأول منهما حرف مد ولين، والثاني غير مشدد، وممن أجازه يونس والكوفيون، وذكر أنه مسموع قال مع البدل: أرايت فمد ولم يحذف، وقد قرئ "محيايْ" [الأنعام: ١٦٢] بسكون الياء و﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦]، [ويس: ١٠] بالبدل، ووجه الحذف وإن ضعف أقيس.
- قال: فإن سأل سائل عن الوقف على قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنّ﴾ .
ففيه ستة أجوبة على ما تقدم، أحسنها أن تجعل كل واحدة من الهمزتين بين بين، ثم يليه أن تحقق الأولى لأنها أول كلمة، وتجعل الثانية بين بين، هذان الوجهان جيدان، ويليهما أن تأخذ في الثانية بالبدل فتمد، والأولى بين بين. ووجه المخالفة بينهما الإشعار بجواز الوجهين، وخصصت الثانية بالبدل؛ لأنك لو أخذت في الأولى بالبدل للزمك الحذف، ثم أن تحقق الأولى وتبدل الثانية فتمد، فإن آثرت وجه البدل في الأولى، وهو ضعيف، لما يلزم من الحذف، ولأن البدل ليس بالقياس، وإن لم يلزم حذفت وسهلت الثانية بين بين، وهو وجه خامس.
وقد ذكرت أن وجه المخالفة بينهما الإشعار بجواز الوجهين، فإن أخذت بالبدل فيهما حذفت الأولى، ومددت الثانية، وهو الوجه السادس.
- قال: فإن سأل سائل عن الوقف على قوله تعالى: ﴿تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ [الشعراء: ٦١] .
ففيه جواب واحد على ما تقدم، وهو أن تجعل الهمزة بين بين ممالة، ليوصل بإمالتها إلى إمالة الألف المنقلبة عن الياء بعدها، وإمالة الألف قبلها والراء إتباعا لما بعدها.
- قال: فإن سأل سائل عن الوقف على قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ [الأعلى: ٦] ففيه ثلاثة أجوبة، وهي المتقدمة في ﴿مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] غير أن الموافق منها للخط في ﴿مُسْتَهْزِئُونَ﴾ مذهب سيبويه، وهو أن تجعل بين الهمزة والواو، وهو في ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ مخالف؛ لأنها كتبت بياء، واتباع الخط رواية عنه فيحسن ها هنا مذهب غيره، وقد ذكر في هذا ونحوه مما الهمزة فيه لام الفعل رفض الهمزة، وهو وجه رابع مسموع ليس بقياسي، يقول بعض العرب: قريت، واستقريت،
[ ٢٢٣ ]
واستهزيت، فتقول على هذا "سنقريك" بياء ساكنة قبلها كسرة، كما تقول: سنعطيك، و"مستهزون" بواو ساكنة قبلها ضمة، كما تقول: مستعلون، وشبه ذلك مما لا أصل له في الهمزة، وهو موافق للخط، ويقول مقدر الهمز: قرات، واستهزات، ويأتي التسهيل على هذا في "سنقريك، ومستهزون" على الأوجه الثلاثة المتقدم ذكرها.
- قال: فإن سأل سائل عن الوقف على قوله تعالى: ﴿بُرَآءُ﴾ [الممتحنة: ٤] ففيه أربعة أجوبة، أحسنها أن تجعل الأولى بين الهمزة والألف، وأن تبدل الثانية ألفا مع إشباع المد، ويليه أن تجعل الأولى بين الهمزة والألف، والثانية بين الهمزة والواو مع الروم، ثم لك أن تبدل الأولى وتجعل الثانية بين بين مع الروم.
ويلزم حذف إحدى الألفين إذا أخذت في الأولى بالبدل، المبدلة من الهمزة أو التي بعدها، وأيهما حذفت كنت مخيرا في تطويل المد وتركه كما تقدم في باب المد، وإن أخذت فيها بالبدل مع سكون المتطرفة، وهذا وجه ضعيف لما يلزم من الحذف، وذلك أنه تجتمع ثلاث ألفات، فلا تبقى منها إلا واحدة، قلت: "بُرَا" فإن قدرت أن الألف الثانية هي الهمزة الأخيرة لم تمد، إنما تأتي بلفظ الألف من غير تطويل، وإن قدرتها ألف الجمع مددت إن شئت على الاختلاف الذي قدمنا في باب المد، وكذلك إن قدرتها التي هي لام الفعل؛ لأنك تقدر سقوط ألف الجمع معها قبل سقوط المتطرفة.
- قال: فإن سأل سائل عن الوقف على قوله تعالى: ﴿رِئَاءَ﴾ .
ففيه جواب واحد، وهو أن تبدل الأولى ياء محضة مثل: ماية، وتبدل الثانية ألفا فتحذف كفعلك في "جاء" وقد تقدم القول في المد، فأغنى عن إعادته.
- قال: فإن سأل سائل عن الوقف على قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ فالثانية تجعل بين الهمزة والياء كفعلك في: قائم، وفي الأولى جوابان، التحقيق لأنها أول الكلمة، والتسهيل بين بين كفعلك في: ﴿رَؤُوفٌ﴾ .
وقد بينت لك هذا الباب بما أمكنني، فتفهمه، وبالله التوفيق.
[ ٢٢٤ ]