هذا الباب ينقسم قسمين: ممال في الوصل لسبب يعدم في الوقف، وممال في الوقف لسقوطه في الوصل.
شرح الأول:
الممال في الوصل لسبب يعدم في الوقف أصلان:
أحدهما: ﴿النَّاسِ﴾ حيث وقع مجرورا، فلا أعلم خلافا بين أهل الأداء في الأخذ -لمن أماله في الوصل- بالإمالة في الوقف.
والثاني: الراء المكسورة نحو: "النار، والأبرار" وبابه حيث وقع، فهذا لهم فيه -في مذهب من أمال في الوصل أو رقق- ثلاثة أقوال:
منهم من أمال في الوقف، وهو مذهب ثعلب وابن مجاهد، واختيار أبي محمد مكي وأبي عمرو، قالوا: لأن الوقف عارض.
[ ١٥٩ ]
ومنهم من فتح في الوقف لزوال الموجب للإمالة أو الترقيق، وهو مذهب أبي الحسين بن المنادي والشذائي وابن أشتة وابن حبش، وذكره داود بن أبي طيبة في مذهب ورش.
ومنهم من قال: أقف بالروم؛ لأنه مروي عمن يميل هذا الأصل، وأميل أضعف من إمالة الوصل بقدر الإشارة، وهو مذهب أبي طاهر بن أبي هاشم.
قال أبو جعفر: هذه أقوالهم، وقد غاب عنهم -والله أعلم- نص سيبويه في ذلك، قال سيبويه: "وقد قالوا: مررت بمال كثير، ومررت بالمال كله، كما تقول: هذا ماشٍ، وهذا داعٍ، فمنهم من يدع ذلك في الوقف على حاله بالإمالة، ومنهم من ينصب في الوقف؛ لأنه قد أسكن ولم يتكلم بالكسرة فيقول: بالمال وماشٍ، وأما الآخرون فتركوه على حاله ممالا كراهية أن يكون كما لزمه الوقف" قال: "والراء إذا تكلمت بها خرجت كأنها مضاعفة، والوقف يزيدها إيضاحا" ثم قال: "واعلم أن الذين يقولون: هذا داع في السكوت فلا يميلون؛ لأنهم لم يلفظوا بالكسرة كسرة العين، يقولون: مررت بحمار؛ لأن الراء كأنها عندهم مضاعفة، فكأنه جر راء قبل راء، وذلك قولهم: مررت بالحمار، وأستجير من النار".
شرح الثاني:
الممال في الوقف دون الوصل ما اعترضه في الوصل التقاء ساكنين، فحُذف لمعنى الساكنين الألف التي كانت تمال لو لم تحذف، فإذا وقفت رجعت فأميلت.
والساكن الملاقي ألف الإمالة على ضربين: ساكن في كلمة أخرى نحو:
﴿مُوسَى الْكِتَابَ﴾ أو تنوين نحو: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ [سبأ: ١٨] .
[ ١٦٠ ]
فالضرب الأول: لا خلاف من أصحاب الإمالة في الوقف عليه بالإمالة، سواء كان مرسوما في الخط بألف نحو: ﴿أَحْيَا النَّاسَ﴾ [المائدة: ٣٢]، و﴿الرُّؤْيا الَّتِيِ﴾ [الإسراء: ٦٠]، و﴿طَغَا الْمَاءُ﴾ [الحاقة: ١١] أو بياء نحو: ﴿مُوسَى الْكِتَابَ﴾، و﴿عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾، و﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾ [ص: ٤٦] و﴿الْقُرَى الَّتِي﴾ [سبأ: ١٨]، و﴿الْقَتْلَى الْحُرُّ﴾ [البقرة: ١٧٨] وشبهه.
وقرأت من طريق الأهوازي عن الخضر بن الهيثم الطوسي عن أبي شعيب بإمالة الراء فيما فيه راء من ذلك نحو: ﴿الْقُرَى الَّتِي﴾، و﴿نَرَى اللَّهَ﴾ [البقرة: ٥٥]، و﴿يَرَى الَّذِينَ﴾ [البقرة: ١٦٥] .
وبه قرأت على أبي -﵁- في رواية أبي عمران، عن أبي شعيب قراءته على أصحاب عثمان بن سعيد.
وذكر عثمان أنه كذلك قرأ، وأنها رواية أبي العباس الأديب وأحمد بن حفص الخشاب عن أبي شعيب، وأن أبا عمران قد كان يأخذ بالفتح فيه.
وبالفتح في ذلك قرأت أنا من طريق ابن حبش عن أبي عمران.
وبه قرأت على شريح بن محمد عن قراءته على أبيه من طريق أبي أحمد عن أبي عمران.
وقرأت عليه مرة بالإمالة فرده علي وقال: ليس هذا من روايتنا، أو نحو هذا.
وبالوجهين آخذ في رواية أبي عمران موسى بن جرير حسبما قرأت به.
وذكر عن الكسائي الوقف على ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ﴾ [الرحمن: ٥٤]، و﴿طَغَا الْمَاءُ﴾ [الحاقة: ١١] بالفتح لوقوعهما في الخط بألف، وأنه رجع إلى الإمالة. والإمالة المعمول بها لحمزة والكسائي، وما كتب بالألف من هذه الكلم فوجهه الجمع في الرسم بين مذهب من أمال ومن فتح، ولا يحمل ﴿طَغَا﴾ على أنه كُتب بالألف على لغة من قال: طغوت؛ لأن الذي جاء في القرآن لغة أصحاب الياء؛ لأن فيه "الطغيان": ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] فأما قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾
[ ١٦١ ]
[الشمس: ١١] فالوا ومبدلة من الياء للفرق بين الاسم والصفة، كرعوى من الرعاية وبابه.
وذهب أبو محمد مكي -﵀- إلى أن الوجه في الوقف على ﴿كِلْتَا﴾ من قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ﴾ [الكهف: ٣٣] بالفتح لحمزة والكسائي؛ لأن ألفها في مذهب الكوفيين للتثنية، وقد جاء النص عن الكسائي أن ألفها ألف تثنية، وبين بين على قراءة أبي عمرو؛ لأن ألفها عند البصريين للتأنيث.
وذكر عثمان بن سعيد أن أهل الأداء على فتحها لهم ثلاثتهم، وأن سورة نص عن الكسائي على الفتح.
قال لي أبي -﵁: إذا ترجح أن ﴿كِلْتَا﴾ فِعْلى، وصح أن الكسائي يميل "فِعْلَى" وجب أن يوقف له على ﴿كِلْتَا﴾ بالإمالة اتباعا لروايته، وانصرافا عن مذهبه إلى مذهب البصريين، ولا يلزم الجمع بين روايته ومذهبه عند من يستند إلى نظر يثق به، بل تجب مخالفته فيه. قال أبو محمد مكي: ولا يجوز أن تقاس إمالتها على إمالة ﴿كِلاهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] لأن بين الألف والكسرة في ﴿كِلْتَا﴾ حرفين، وليس كذلك ﴿كِلاهُمَا﴾ .
قال لي أبي -﵁: إمالتها للكسرة جائزة مع الحائلين، كما قالوا: صويق، فأبدلوا السين صادا مع الحائلين كما أبدلوها في سيق؛ لأن الإمالة تقريب كالبدل، والساكن غير معتد به.
وقد ذكرنا أن حمزة والكسائي إذا وقفا على ﴿تَرَاءَىَ﴾ [الشعراء: ٦١] أمالا الألف المنقلبة، وأن حمزة زاد إمالة ألف المد وصلا ووقفا، وسنعيد الكلام في هذا الفعل في تخفيف حمزة للهمز إن شاء الله تعالى.
وذكر شيوخنا أن قوله تعالى: ﴿إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ [الأنعام: ٧١] على مذهب حمزة في تخفيف الهمز في الوقف يحتمل أن تكون الألف التي بعد الدال لام الفعل، دون المبدلة من الهمزة، فتمال لذلك له، وهذا الوجه مردود غير جائز.
[ ١٦٢ ]
والضرب الثاني: التنوين في المعتل المنصرف نحو: "قرى، وغزى، وفتى، ومصلى، ومسمى، ومفترى" ونحوه حيث كان في حال الرفع والنصب والجر، فهذه الأسماء المقصورة لحق لامها الإعلال الذي بين النحويون من انقلابه ألفا، ياء كان أو واوا، لانفتاح ما قبله، ولحقها التنوين فحذفت الألف في الوصل لالتقاء الساكنين، فصار الاسم في الأحوال الثلاث على صورة واحدة نحو: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ﴾، و﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ [سبأ: ١٨]، و﴿فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ [الحشر: ١٤] وشبهه.
فإذا وقفت، وقفت على الألف التي هي حرف الإعراب في قول الخليل وسيبويه؛ لأن التنوين يسقط في الوقف؛ لأنه ليس من مواضعه، قاله لي أبي -﵁.
وقد قال لي قبل ذلك: إن التنوين في هذه الأسماء المقصورة يبدل ألفا في الأحوال الثلاثة؛ لأنه فيها مجتمع أبدا مع فتحة، والفتحة توجب البدل لا الحذف، كانت إعرابا أو بناء، فإذا وجب إبدال التنوين ألفا اجتمع في الوقف ألفان، المبدلة والمنقلبة، فوجب حذف إحداهما لالتقاء الساكنين، فقال الخليل وسيبويه: المحذوف الألف الثانية، والاسم متمَّم في الوقف، وقد رجع إليه ما ذهب منه في الوصل.
وقال أبو عثمان وأبو الحسن: الذاهبة الأولى دون الثانية، على أصلهم في: مقول ومبيع، والحذف محمول على التحريك، فإذا كان في موضع يجب فيه تحريك الثاني وجب فيه حذف الثاني، وذلك فيما كان فيه التقاء الساكنين في كلمة واحدة، وإذا كان الساكن الأول هو الذي تحرك كان هو الذي يحذف، وذلك فيما التقى فيه الساكنان من كلمتين.
وقد خلط أبو الحسن وأبو عثمان في هذا، فحملا ما كان من كلمة على ما كان من كلمتين، فتقف على قولهما، في الأحوال الثلاثة على الألف المبدلة من التنوين.
قال أبو جعفر: وذهب أبو علي الفارسي إلى اعتبار المعتلّ بالصحيح، فقال:
[ ١٦٣ ]
الألف في حال النصب بدل من التنوين، وفي حال الجر والرفع هي التي تكون حرف الإعراب، ثم رجع عن هذا في "التذكرة" إلى قول أبي عثمان.
فهذه مذاهب النحويين في هذا الفصل قد ذكرتها، وأبنت عن الصواب منها، وهو موضع لا يقيمه أهل العربية فضلا عن المقرئين، فقِفْ عليه.
فإن قيل: فكيف وجه الوقف على هذه الأسماء على اختلاف أقوالهم؟ قيل: أما الوقف فيه لمن أمال من القراء فبالإمالة لا غير عند جميع من سمينا من النحويين.
أما الخليل وسيبويه، فلأن الوقف عندهما على حروف الإعراب.
وأما أبو الحسن، ومن تبعه فإنهم يميلون أيضا.
قال أبو علي: لأن الألف المبدلة من التنوين لما عاقبت المنقلبة عن لام الفعل أُجري عليها ما كان يجرى عليها، كما أنه لما عاقبت الواو في: يغزو، والياء في: يرمي، والألف في: يخشى حركات الإعراب أُجري عليهن ما يجرى على الحركات من الحذف في الجزم.
قال أبو جعفر: وبالإمالة في هذا الفصل في الأحوال الثلاثة أخذ معظم أهل الأداء، وهذا الذي لا يصح غيره.
وفي "التبصرة" في هذا الموضع ما يحتاج إلى إصلاح؛ لأن أبا محمد -﵀- بعد أن ذكر الصواب عن أبي الطيب حكى قول أبي علي، وجعله مذهب البصريين، وبنى عليه أنه يوقف لأبي عمرو على ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ بالفتح، وعلى ﴿قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ بالإمالة؛ لأن الأول في موضع نصب، والثاني في موضع خفض١.
وقد ذكرنا أن المبدلة من التنوين تُمال أيضا لما عاقبت المنقلبة.
وحكى قول الخليل وسيبويه، وعزاه إلى الكوفيين، ولعله أيضا أن يكون قول الكوفيين، غير أنه يجب أن تعلم أنه مذهب الخليل وسيبويه، وقد نص عليه سيبويه
_________________
(١) ١ انظر "التبصرة" ص"١٤٠" صدر عن الدار.
[ ١٦٤ ]
في أربعة مواضع من كتابه، فقِفْ على هذا الموضع فإنه لا يقيمه أهل العربية فضلا عن المقرئين.
ومن هذا الباب ﴿تَتْرَا﴾ [المؤمنون: ٤٤] في قراءة من نوّن.
ذكر ابن مجاهد في كتاب السبعة أن الوقف لأبي عمرو بالفتح، وتبعه على ذلك أصحابه، فـ ﴿تَتْرَا﴾ عندهم كصبرا ونصرا، وزنه "فَعْل" والألف مبدلة من التنوين.
قال لي أبي -﵁: قال سيبويه: "فأما "ذفرى" فقد اختلف فيها العرب، فتقول: هذه ذِفْرَى أسيلة، وبعضهم يقول: هذه ذِفْرًى أسيلة، وهي أقلهما، جعلوها تلحق بنات الثلاثة ببنات الأربعة، كما أن واو "جدول" بتلك المنزلة، فكذلك ﴿تَتْرَا﴾ فيها لغتان".
قال لي أبي -﵁: يعني من التأنيث والإلحاق، فعلى قوله يوقف لأبي عمرو بالإمالة، ومن زعم أن الألف مبدلة من التنوين، وأنه "فعل" فقد خرج عن مذهب سيبويه، وهذا يوجب عليه أن تبدل الواو تاء في الرفع والجر؛ ليتمكن من حمل النصب عليهما، فيقال: تتر وتتر، وهذا غير معقول ألبتة.
وكونه في الخط بياء موجب لكون الألف للإلحاق في من نوّن، كما هي للتأنيث فيمن لم ينون، وكثيرا ما تتعاقب ألف الإلحاق وألف التأنيث في آخر الكلمة، وإن كان أبو علي قد رجح أن تكون للتأنيث؛ لأن الإلحاق -زعم- لا يكون في المصادر، ولا يلزم طلب النظير، وقد يثبت الإلحاق في ﴿تَتْرَا﴾ دون سائر المصادر.
[ ١٦٥ ]