وهو عبد الله بن كثير المكي الداري، والدار: بطن من لخم، منهم تميم الداري صاحب رسول الله -ﷺ.
وقيل: إنما نسب إلى دارين؛ لأنه كان عطارا، وهو موضع الطيب، وهذا هو الصحيح.
قالوا: وهو مولى عمر بن علقمة الكناني، وهو من أبناء فارس الذين بعثهم كسرى بالسفن إلى اليمن حين طرد الحبشة عنها.
وكنيته أبو معبد، قال الأهوازي: وقيل: أبو بكر، وقيل: أبو عباد، وكان يخضب بالحناء، وكان قاص الجماعة بمكة، وهو من الطبقة الثانية من التابعين.
وفي كتاب أبي معشر الطبري: كان ابن كثير شيخا كبيرا، أبيض الرأس واللحية، طويلا جسيما، أسمر أشهل العينين، يغير شيبته بالحناء أو بالصفرة، وكان حسن السكينة.
ولد بمكة سنة خمس وأربعين في أيام معاوية، ومات بها سنة عشرين ومائة١ في أيام هشام بن عبد الملك، وله يومئذ خمس وسبعون سنة.
قال أبو جعفر: ما ذكر من تاريخ وفاته هو كالإجماع من القراء، ولا يصح عندي؛ لأن عبد الله بن إدريس الأودي قرأ عليه، ومولد ابن إدريس سنة خمس عشرة ومائة، فكيف تصح قراءته عليه لولا أن ابن كثير تجاوز سنة عشرين، وإنما الذي مات فيها عبد الله بن كثير القرشي، وهو آخر غير القارئ، وأصل الغلط في هذا من أبي بكر بن مجاهد، والله أعلم.
_________________
(١) ١ وكذلك ذكر الذهبي نقلا عن ابن عتيبة.
[ ١٨ ]
راوياه:
١- قنبل:
وهو محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن خالد بن سعيد بن جرجة المكي المخزومي، كذا نسبه ابن مجاهد، وقال ابن عبد الرزاق: مخلد بن خالد، مكان محمد.
ويكنى أبا عمر، ويلقب قنبلا، ويقال: هم أهل بيت بمكة يعرفون بالقنابلة.
توفي سنة إحدى وتسعين ومائتين وله ست وتسعون سنة، ذكره الأهوازي، وكان قد قطع الإقراء قبل أن يموت بعشر سنين، قاله أبو الطيب عن ابن عبد الرزاق.
٢- والبزي: وهو أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن نافع بن أبي بزة، واسم أبي بزة بشار، فارسي أسلم على يدي السائب بن صيفي، ويكنى البزي أبا الحسن، وكان مؤذن الحرم، قيل: هو مولى لبني مخزوم.
قال الأهوازي: توفي سنة سبعين ومائتين وله ثمانون سنة، وفيما قاله نظر، وما أظن موته إلا أقدم مما ذكر، والله أعلم.
الإسناد:
أما رواية قنبل، فقرأت بها القرآن كله على أبي ﵁، وأخبرني أنه قرأ بها على أبي علي الحضرمي، وأخبره أنه قرأ بها على أبي القاسم الأستاذ.
وقرأت بها القرآن كله على أبي القاسم فضل الله بن محمد بن وهب الله المقرئ، إمام جامع الزاهرة ومسجد بدر، وأخبرني أنه قرأ بها على أبي محمد عبد الرحمن بن محمد بن شعيب المقرئ، وأراني خط أبن شعيب له بتلاوته جميع القراءات السبع عليه، وتاريخ خطه سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، وأخبره أبو محمد أنه قرأ بها على أبي القاسم الأستاذ سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة.
وقرأت بها القرآن كله على أبي الحسن بن شريح، وأخبرني أنه قرأ بها على أبيه،
[ ١٩ ]
وأخبره أنه قرأ بها على أبي العباس بن نفيس.
وقرأت بها على عياش بن خلف، وأخبرني أنه قرأ بها على أبي عبد الله المغامي.
وأخبرني أبي -﵁- أنه قرأ بها على أبي داود وأبي الحسن، وقرءوا ثلاثتهم على أبي عمرو١، وقرأ على فارس بن أحمد.
وقرأ الأستاذ وابن نفيس وفارس على أبي أحمد عبد الله بن الحسين بن حسنون السامري.
وقرأت بها القرآن كله على شيخنا أبي القاسم ﵀، وأخبرني أنه قرأ بها على عبد الوهاب بن محمد بالأندلس، وعلى أبي معشر عبد الكريم بن عبد الصمد الطبري الزاهد بمكة، وأخبراه أنهما قرآ بها على أبي عبد الله محمد بن الحسين الكارزيني، وأخبرهما أنه قرأ على أبي العباس الحسن بن سعيد المطوعي وأبي الفرج محمد بن أحمد الشنبوذي.
قال ابن عبد الوهاب: وقرأت بها على الأهوازي، وأخبرني أنه قرأ بها على أبي العباس أحمد بن محمد بن عبيد الله العجلي.
وقرأ السامري والمطوعي والشنبوذي والعجلي على أبي بكر أحمد بن موسى بن العباس بن إسماعيل بن مجاهد، وقرأ ابن مجاهد على قنبل.
وقرأت بها على فضل الله بن محمد، وأخبرني أنه قرأ بها على أبي محمد بن شعيب، وأخبره أنه قرأ بها على أبي محمد مكي مرارا في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، وأخبره أنه قرأ بها على أبي الطيب، وأخبره أنه قرأ بها على أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الرزاق بن الحسن الأنطاكي، قال: أخبرنا أبو عمر قنبل، وقرأت القرآن على أبي ربيعة عنه، قال أبو الطيب: فقلت له: كيف سمعت الكتاب منه ولم تقرأ عليه؟ فقال: كان قنبل قد قطع الإقراء قبل موته بسبع سنين، وكان كتابه يُقرأ عليه، فسمعت الكتاب منه، ولم أقرأ عليه.
_________________
(١) ١ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني.
[ ٢٠ ]
قال أبو جعفر: وحكى أبو الفضل الخزاعي قال: قال أبو ربيعة في كتابه لقراءة المكيين: "وأما قنبل فلم يكن له كتاب، ولكن رواية وحفظ يحفظ عن أصحابه، وكذلك أنا إنما حفظت قراءته وروايته عن النبال١؛ لأني قرأت عليه دهرا، وختمت عليه ما لا أحصيه، فحفظت قراءته من فيه، ومن رده علي حفظا" هذا آخر كلام أبي ربيعة، والله أعلم بصواب ذلك.
قال أبو جعفر: وليس بين ابن عبد الرزاق وابن مجاهد خلاف على ما قرأنا به من طريق أبي الطيب عنه، وأرى ذلك؛ لأن أبا الطيب اعتمد على رواية ابن مجاهد عن قنبل، وإسناده إلى ابن مجاهد فيه نزول؛ لأنه قرأ على أبي سهل، قال: قرأت على أبي الحسن على ابن سعيد بن ذؤابة على ابن مجاهد، على قنبل، ولم يقل أبو سهل: على ابن مجاهد بغير قراءة عاصم رواية أبي بكر عنه وحده.
وقد أخذت طريق ابن عبد الرزاق عن قنبل تلاوة وسماعا من طريق أبي الحسن علي بن إسماعيل الخاشع، وأبي القاسم عبد الله بن اليسع الأنطاكي، وأبي العباس المطوعي، وغيرهم، كلهم قرأ على ابن عبد الرزاق، وعندهم عنه حروف خالف فيها ابن مجاهد.
وقد حدثنا أبو داود أنه سمع أبا عمرو قال: سمعت فارس بن أحمد يقول: انفرد ابن مجاهد عن قنبل بعشرة أحرف، ولم يتابعه عليها أحد من أصحابه.
وقرأ قنبل على أبي الحسن أحمد بن محمد بن عون النبال، وقال: قرأت على أبي الإخريط وهب بن واضح قال: قرأت على إسماعيل بن عبد الله القسط قال: قرأت على شبل بن عباد ومعروف بن مشكان، قالا: قرأنا على ابن كثير.
وأما رواية البزي: فقرأت بها القرآن كله على أبي -﵁- وأخبرني أنه قرأ بها على أبي علي الحضرمي، وأخبره أنه قرأ بها على أبي القاسم الخزرجي.
وقرأت بها القرآن كله على أبي القاسم فضل الله بن محمد بن وهب الله المقرئ،
_________________
(١) ١ أحمد بن علقمة المعروف بالقواس.
[ ٢١ ]
وأخبرني أنه قرأ بها على أبي محمد عبد الرحمن بن محمد بن شعيب، وأخبره أنه قرأ بها على الخزرجي سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة.
وقرأت بها القرآن كله على أبي الحسن شريح بن محمد بن شريح، وأخبرني أنه قرأ على أبيه، وأخبره أنه قرأ على أبي العباس بن نفيس.
وقرأ ابن نفيس والخزرجي على أبي أحمد عبد الله بن الحسين السامري.
وقرأ أبو أحمد على أبي الحسن بن بقرة وأبي عبد الله محمد بن الصباح المكيينِ.
وقرأت بها القرآن كله على أبي القاسم خلف بن إبراهيم شيخنا ﵀، وأخبرني أنه قرأ بها على أبي القاسم بن عبد الوهاب بالأندلس، وعلى أبي معشر الطبري بمكة، وأخبراه أنهما قرآ بها على أبي القاسم علي بن محمد بن علي الشريف الزيدي بحران، وأخبرهما أنه قرأ بها على أبي بكر محمد بن الحسن النقاش.
وقرأت بها على عياش بن خلف المقرئ، وأخبرني أنه قرأ بها على أبي عبد الله المغامي.
وأخبرني أبي -﵁- قال: قرأت بها على أبي داود وأبي الحسن، قالوا: قرأنا بها على أبي عمرو١، وقال: قرأت على أبي القاسم عبد العزيز بن جعفر بن محمد الفارسي، قال: قرأت على النقاش.
وقرأ ابن بقرة وابن الصباح والنقاش على أبي ربيعة محمد بن إسحاق بن وهب الربعي، وأخبرهم أنه قرأ على البزي.
وقرأت بها على فضل الله بن محمد المقرئ، وأخبرني أنه قرأ بها على أبي محمد بن شعيب، وأخبره أنه قرأ بها على أبي محمد مكي، وأخبره أنه قرأ بها على أبي الطيب، وأخبره أنه قرأ بها على إبراهيم بن عبد الرزاق، قال: أخبرني بها أبو محمد إسحاق بن أحمد الخزاعي، قال: قرأت على البزي، وقرأ البزي على عكرمة بن
_________________
(١) ١ الداني صاحب كتاب "التيسير" وغيره.
[ ٢٢ ]
سليمان بن عامر مولى جبير بن شيبة الحجبي، وعلى أبي الإخريط وهب بن واضح، وعلى عبد الله بن زياد الليثي، قالوا: قرأنا على إسماعيل القسط، قال: قرأت على ابن كثير نفسه، وكذا قال البزي.
وقد وجه أبو بكر الشذائي١ ذلك فقال: الروايتان صحيحتان؛ لأن القسط قرأ على شبل ومعروف قبل قراءته على ابن كثير.
وهذا الذي قال حسن، ويمكن أن يكون قرأ على ابن كثير بعد ذلك، وقد حكي عن البزي، عن عكرمة أنه قرأ على القسط، وعلى شبل بن عباد، وهذا أيضا مثله.
اتصال قراءته:
أما اتصال قراءة ابن كثير بالنبي -ﷺ- ففي رواية قنبل والبزي أنه قرأ على أبي الحجاج مجاهد بن جبر مولى قيس بن السائب، وقرأ مجاهد على ابن عباس، على أبي، على النبي -ﷺ.
وروينا عن محمد بن إدريس الشافعي الفقيه، عن القسط، عن شبل، عن ابن كثير أنه قرأ على عبد الله بن السائب بن أبي السائب صاحب رسول الله -ﷺ- وقارئ أهل مكة، وقرأ عبد الله بن السائب على أبي بن كعب نفسه، وقرأ على النبي -ﷺ.
وجاء من طريق ابن فليح وغيره أن ابن كثير قرأ أيضا على درباس مولى ابن عباس، وقرأ درباس على مولاه كالأول، وقرأ ابن عباس أيضا على علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت، وقرآ على رسول الله -ﷺ.
_________________
(١) ١ أحمد بن نصر بن منصور توفي سنة "٣٧٣"هـ أو "٣٧٦"هـ "معرفة القراء" "١٨٠".
[ ٢٣ ]