باب الإدغام:
الإدغام أن تصل حرفا ساكنا بحرف مثله من غير أن تفصل بينهما بحركة أو وقف، فيرتفع اللسان بالحرفين ارتفاعة واحدة.
والحرف عند لقائه حرفا آخر لا يخلو من أحد ثلاثة أقسام: قسم لا يجوز فيه إلا الإدغام، وقسم لا يجوز فيه إلا الإظهار، وقسم يجوزان فيه.
شرح الأول: الذي لا يجوز فيه إلا الإدغام
هو أن يكون الحرفان مثلين أولهما ساكن، كقوله تعالى: "مِّن ناصرين" [آل عمران: ٢٢] ﴿يدرككُّم الموت﴾ [النساء: ٧٨]، "فلا يسرف فَّي القتل" [الإسراء: ٣٣]، "فما زالت تِّلْكَ" [الأنبياء: ١٥]، "واذكر رَّبك" [آل عمران: ٤١]، "وقد دَّخلوا بالكفر" [المائدة: ٦١]، و"إذ ذَّهب" [الأنبياء: ٨٧]، و"ربحت تِّجارتهم" [البقرة: ١٦]، "تسطع عَّليه" [الكهف: ٨٢] و"اذهب بِّكتابي" [النمل: ٢٨] "ومنهم مَّن" [البقرة: ٢٥٣] في قول من سكن الميم.
وكذا كل حرف ساكن لقي مثله في جميع القرآن، سواء كان ساكن الخلقة١ أو أصله الحركة، إلا أن يكون الساكن عن حركة قبله ساكن غير حرف مد٢، وذلك في إدغام أبي عمرو الكبير، فلا يدغم لما فيه من التقاء الساكنين على غير حدة في كلامهم، ولكن يخفى.
أو يكون الساكن ياء أو واوا وما قبلهما من جنسهما، نحو: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا﴾، و﴿فِي يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧] ونحوه، فلا بد من الإظهار حملا لهما على الألف مع
_________________
(١) ١ أي: مبني على السكون أصلا نحو: "من، وبل، وهل". ٢ نحو: ﴿مِنَ الْعِلْمِ مَا﴾، ﴿فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ .
[ ٥٧ ]
أنهما في القرآن منفصلان، فلم تقوَ الواو والياء المنفصلتان على الإدغام، كما لم تقو الواو والياء المتصلتان على إدغام الواو والياء في السين في اسم: موسى وعيسى؛ لتباين مخرج الواو والسين؛ لأن الواو من حروف الشفتين، والسين من حروف الفم، فلذلك لم يجز إدغامها في السين، وكذا الياء أيضا، مخرجها وإن كان مقاربا لمخرج السين، فبينهما تباين؛ لأن الياء مخرجها ما بين اللسان والحنك، والسين من طرف اللسان وبين الثنايا، وبينهما بون كبير؛ فلذلك لم تقو الواو والياء على الإدغام في السين في اسم: موسى وعيسى، ولو كان حرفا اللين أيضا قد لقيا مثلهما في كلمة لأظهرتا نحو: قوول وسوير، حملا على قاول وساير، ولا أعلمه جاء في القرآن.
فأما إن كان الأول حرف لين نحو: "عصوا وَّكانوا" [البقرة: ٦١] و﴿اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣] ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ [الطلاق: ٤] في قراءة أبي عمرو والبزي فسبيله سبيل سائر الحروف الصحاح من الإدغام.
قال سيبويه: "وإذا قلت وأنت تأمر: اخشى ياسرا، واخشوا واقدا؛ أدغمت؛ لأنهما ليسا بحرفي مد كالألف، وإنما هما بمنزلة قولك: احمد داود، واذهب بنا، فهذا لا تصل فيه إلا إلى الإدغام؛ لأنك إنما ترفع لسانك من موضع هما فيه سواء، وليس بينهما حاجز".
قال أبو جعفر: وقد روى أبو سليمان عن قالون، والشموني عن الأعشى١: ﴿عَصَوْا وَكَانُوا﴾ ونحوه، بإشباع مد الواو وترك الإدغام، ولا يؤخذ به، وله وجه من القياس، وهو حمل الوصل على الوقف.
قال أبو جعفر: فأما ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ فذهب طاهر بن غلبون إلى أنه مظهر في قراءة أبي عمرو والبزي، وتابعه على ذلك عثمان بن سعيد، قالا: لأن البدل عارض مع ما لحق الكلمة من الإعلال إن حذفت الياء من آخرها، وأبدلت الهمزة ياء، فلو أدغمت لاجتمع في ذلك ثلاثة إعلالات، قال طاهر: ولو أدغم ذلك لجاءت به الرواية.
_________________
(١) ١ الأعشى عن شعبة عن عاصم.
[ ٥٨ ]
قال لي أبي -﵁: ما ذكراه من إظهار ياء ﴿وَاللَّائِي﴾ عند ياء ﴿يَئِسْنَ﴾ خطأ، ولا يمكن فيها إلا الإدغام، وتوالي الإعلال غير مبالى به إذا كان القياس مؤديا إليه، والقياس في المثلين إذا سكن الأول منهما الإدغام في المتصل والمنفصل، ألا ترى أنهم أعلوا الأمر في نحو قولهم: ش ثوبك، ولِ زيدا، إعلالا بعد إعلال، فجمعوا فيه بين حذف الياء التي تحذف في "ارم، واقض" وحذف الواو التي تحذف في "عد، وزن" وليس مثل مضارع "وتد" حين قالوا "يتد" ولم يقولوا: "يد" لأن إدغام المتقاربين في كلمة ليس بقياس، ولو كان قياسا عندهم لم يكرهوا "يد" كما أنه لو كان الإدغام أوجب من حذف الواو لقالوا: يود في "يوتد" فأثبتوا الواو ونقلوا إليها حركة التاء، فتركوا ذلك في المتقاربين كما تركوه في المثلين من كلمتين لئلا تنتقض الأقيسة، وتنخرم الأبواب، على حد ما يشير إليه سيبويه في الكتاب، وقل من يضبط ذلك عنه، وإنما يأخذ في هذا بالإظهار لهما من اعتقد أن الهمزة ملينة بين بين لا مبدلة.
قال أبو جعفر: وسأذكر عبارات القراء لهما في موضعه، فأما سكوتهم عن هذا الحرف فيما أدغم فليس فيه دليل على أنه يجب إظهاره، بل فيه دليل على وجوب الإدغام لكونهما مثلين أولهما ساكن، فالإدغام واجب كما كان واجبا في النظائر، فلوجوب الإدغام فيه استغني عن النص عليه، فثبت بكل ما ذكرنا أن إدغام: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ لأبي عمرو واجب في الإدغام الصغير، فلا وجه لذكره في الإدغام الكبير.
فأما "ماليه، هَّلك" [الحاقة: ٢٨، ٢٩] لمن أثبت هاء السكت وصلا فالأخذ لهم بالإظهار؛ إلا ورشا فالأخذ له بالوجهين من الإظهار والإدغام؛ لأنه قد روي عنه نصا نقل الحركة في: ﴿كِتَابِيَهْ، إِنِّي﴾ [الحاقة: ١٩، ٢٠] على التشبيه بالأصلي الثابت في جميع أحواله، وقياسه الإدغام، ومن أخذ له في ذلك بغير نقل أخذ له في هذا بالإظهار، وهو الوجه، وكلاهما معمول به، هذا مأخذ المقرئين.
قال لي أبي -﵁: وجه الإدغام في: "ماليه، هَّلك" أنه وصول إلى حمل الوصل على الوقف، ثم اعترض فيه التقاء المثلين، فلم يكن بد من الإدغام، فأما من أظهر فإنه واقف لا محالة وإن لم يقطع صوته.
[ ٥٩ ]