هو ما تباين فيه الحرفان بالمخرج والصفة، فإن تباينا، إما بمخرج وإما بصفة، بعُد الإدغام، ومنه ما يجوز، ومنه ما لا يجوز.
واختلاف المخرج وإن قل، من أسباب الإظهار، وكذلك تباين الصفتين، وكل حرف فيه زيادة صوت لا يدغم فيما هو أنقص صوتا منه؛ لما يلحق الإدغام من الاختلال، لذهاب ما يذهب منه من الصوت، ولا يوصل إلى معرفة ذلك إلا بعد العلم بمخارج الحروف وصفاتها.
مخارج الحروف وصفاتها ١:
من مخارج الحروف عند سيبويه ستة عشر مخرجا:
للحلق ثلاثة:
فأقصاها مخرجا: الهمزة والهاء والألف.
والأوسط: العين والحاء.
والأدنى: من الفم الغين والخاء.
الرابع: أقصى اللسان وما فوقه من الحنك: القاف.
الخامس: أسفل من موضع القاف من اللسان قليلا، وما يليه من الحنك: الكاف.
السادس: وسط اللسان بينه وبين وسط الحنك: الجيم والشين والياء.
السابع: من بين حافة اللسان وما يليها من الأضراس: الضاد.
_________________
(١) ١ المخرج هو محل خروج الحرف، والصفة كيفية عارضة للحرف عند حصوله في المخرج.
[ ٦٠ ]
الثامن: من حافة اللسان من أدناها إلى منتهى طرف اللسان، ما بينها وبين ما يليها من الحنك الأعلى، مما فويق الضاحك والناب والرباعية والثنية: مخرج اللام.
التاسع: النون، وهو من طرف اللسان بينه وبين ما فويق الثنايا.
العاشر: مخرج الراء، قريب من مخرج النون، غير أنه أدخل في ظهر اللسان قليلا؛ لانحرافه إلى اللام.
الحادي عشر: ما بين طرف اللسان وأصول الثنايا العليا: مخرج الطاء والدال والتاء.
الثاني عشر: ما بين طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا: الظاء والثاء والذال.
الثالث عشر: ما بين طرف اللسان وأصول الثنايا السفلى: مخرج الزاي والسين والصاد.
الرابع عشر: من باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العلى: مخرج الفاء.
الخامس عشر: ما بين الشفتين: الباء والميم والواو.
السادس عشر: من الخياشيم مخرج النون الخفيفة١.
وصفات الحروف التي تتميز بها: ستة عشر صنفا، كلها يحتاج إليها في الإدغام وهي: المجهورة، المهموسة، الشديدة، الرخوة، المطبقة، المنفتحة، المستعلية، المستفلة، حرفا الغنة٢، حروف الصفير، حروف المد واللين، الحرف الهاوي، الحرف المستطيل، الحرف المتفشي، الحرف المكرر، الحرف المنحرف.
فالمجهورة تسعة عشر حرفا يجمعها: "ظل قند يضغم زرطا وإذ بعج".
_________________
(١) ١ أي: الغنة. ٢ النون والميم.
[ ٦١ ]
والمهموسة: ما عداها، وهي عشرة أحرف، يجمعها: "سكت فحثه شخص".
والشديدة ثمانية أحرف: الهمزة، والقاف، والكاف، والجيم، والطاء، والباء، والتاء، والدال، وقد جمعها بعضهم فقال: "أدّ طب كج قت"١.
والرخوة: ما عداها.
والمطبقة أربعة وهي: الطاء، والظاء، والضاد، والصاد.
والمنفتحة: ما عداها.
والمستعلية سبعة أحرف، وهي: الخاء، والصاد، الضاد، والطاء، والظاء، والغين، والقاف، يجمعها: "ضغط قص خظ"٢.
والمستفلة: ما عداها.
وحرفا الغنة: الميم والنون.
وحروف الصفير: الصاد، والسين، والزاي.
وحروف المد واللين: الألف والياء والواو.
والحرف الهاوي: الألف.
والمستطيل: الضاد.
والمتفشي: الشين.
والمكرر: الراء.
والمنحرف: اللام والراء.
فهذه المخارج والصفات.
_________________
(١) ١ وجمعها البعض: أجد قط بكت. ٢ وجمعها البعض: خص ضغط قظ.
[ ٦٢ ]
ونذكر أشياء جرت عادة القراء بذكرها للخلاف الواقع في بعضها، ولتخوفهم على القارئ من اللحن والإدغام.
من ذلك الفاء: لا يجوز إدغامها في الميم والواو والباء؛ لأنها انحدرت إلى الفم حتى قاربت مخرج الثاء، نحو: ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٣]، و﴿نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص: ٥٧] و﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ [طه: ٦٩]، و﴿لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ﴾ [العنكبوت: ٣٣]، و﴿لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ﴾ [الذاريات: ٢٨]، و﴿ق وَالْقُرْآنِ﴾ [ق: ١] و﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ﴾ [سبأ: ٩] وليس في القرآن من الفاء عند الباء غيره، وقد قرأه الكسائي مدغما١، ووجهه أنها من حروف الشفة، وأن الباء مجهورة والفاء مهموسة.
ومن ذلك الميم عند الفاء والواو: نحو: ﴿هُمْ فِيهَا﴾، ﴿يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] و﴿نَعَمْ فَأَذَّنَ﴾ [الأعراف: ٤٤]، و﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢]، و﴿عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، و﴿هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٠]، و﴿مَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ﴾ [لقمان: ٢٢] وشبه ذلك حيث سكنت، لا يجوز في شيء منه الإدغام لما فيه من الإخلال بالغنة، فالحكم أن تظهر الميم عندهما، وتبين بيانا حسنا من غير تكلف.
وحدثنا أبي -﵁- حدثنا الحسين بن عبيد الله الحضرمي، حدثنا عبد الوهاب بن محمد، حدثنا الأهوازي قال: قرأت لابن برزة عن الدوري، يعني عن أبي عمرو بإخفائها عندهما، وهو مذهب أبي العباس المعدل وأبي علي الحريري وأبي جزء العدوي وغيرهم من قَرَأَة٢ البصريين، وهو اختيارهم في سائر القراءات، قال: وقرأت على ابن جرير عن السوسي بإخفائها عند الفاء وحدها حيث سكنت عندها، وهو مذهب الفضل بن شاذان وبنيه وغيرهم من قرأة الرازيين، قال: وقرأت للباقين -يعني من السبعة- بإظهارها حيث سكنت عندهما،
_________________
(١) ١ أي: أدغم في قوله تعالى: ﴿نَخْسِفْ بِهِمُ﴾ لا غير. ٢ أي: قراء.
[ ٦٣ ]
بيانا حسنا من غير إفحاش ولا تنفير، وهو مذهب أبي بكر بن مجاهد وأبي الحسن بن شنبوذ وأبي الحسين بن المنادي وأبي الحسين بن بويان وأبي بكر بن مقسم وأبي بكر النقاش، وأبي طاهر بن أبي هاشم، وغيرهم من قرأة البغداديين، وهو اختيارهم، وعلى ذلك وجدت أئمة القراءة بمدينة السلام، انتهى كلام الأهوازي.
وسنذكر ما جاء عن الكسائي من إدغام الميم عند الفاء.
من ذلك الميم عند الباء:
نحو: ﴿كَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، و﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ١٣٧]، و﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠١]، و﴿أَنْ بُورِكَ﴾ [النمل: ١٨]، و﴿هَنِيئًا بِمَا﴾ [الطور: ١٩]، و﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ [البقرة: ١٨] ونحوه كثير.
فاختلفت عبارات القراء عنه بعد إجماعهم، إلا من شذ، وسنذكره على أن الإدغام لا يجوز.
فقال ابن مجاهد: والميم لا تدغم في الباء لكنها تخفى؛ لأن لها صوتا من الخياشيم تواخي به النون الخفيفة، قال: وهو قول سيبويه.
وإلى هذا ذهب أبو الحسن الأنطاكي، وأبو الفضل الخزاعي، وعثمان بن سعيد، وبه كان يأخذ أصحابه فيما ذكر لي أبي -﵁- وكذلك أخذ على عياش بن خلف عن قراءته على محمد بن عيسى، ويحكى أنه مذهب الفراء.
وقال أبو الحسين بن المنادي، وأحمد بن يعقوب التائب، وعبد الباقي بن الحسن، وطاهر بن غلبون، وغيرهم: هي مظهرة غير مخفاة.
وقال لي عياش بن خلف، قد روي هذا أيضا عن ابن مجاهد نصا، فحدثنا أبو داود قال: قال لنا عثمان بن سعيد: رواه أحمد بن صالح عن ابن مجاهد نصا.
وقال لي أبو الحسن بن شريح فيه بالإظهار، ولفظ لي به، فأطبق شفتيه على الحرفين إطباقا واحدا، وروى أحمد بن أبي سريج عن الكسائي إدغام الميم في الباء والفاء.
[ ٦٤ ]
قال الخزاعي: وإدغامها في الفاء اختيار خلف في رواية الحلواني عنه.
وقرئ على أبي القاسم وأنا أسمع، عن أبي معشر، عن الحسين بن علي، عن الخزاعي قال: سمعت أبا بكر الشذائي يقول: إدغام الميم في الفاء لحن.
قال لي أبي -﵁: المعول عليه إظهار الميم عند الفاء والواو والباء، ولا يتجه إخفاؤها عندهن إلا بأن يزال مخرجها من الشفة، ويبقى مخرجها من الخيشوم، كما فعل ذلك في النون المخفاة. وإنما ذكر سيبويه الإخفاء في النون دون الميم، ولا ينبغي أن تحمل على النون في هذا؛ لأن النون هي الداخلة على الميم في البدل في قولهم: شنباء وعنبر، و﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ فحمل الميم عليها غير متجه؛ لأن للنون تصرفًا ليس للميم، ألا ترى أنها تدغم ويدغم فيها، والميم يدغم فيها ولا تدغم، إلا أن يريد القائلون بالإخفاء انطباق الشفتين على الحرفين انطباقا واحدا، فذلك ممكن في الباء وحدها في نحو: أكرم بزيد، فأما في الفاء والواو فغير ممكن فيهما الإخفاء إلا بإزالة مخرج الميم من الشفتين، وقد تقدم امتناع ذلك، فإن أرادوا بالإخفاء أن يكون الإظهار رفيقا غير عنيف فقد اتفقوا على المعنى، واختلفوا في تسميته إظهارا أو إخفاء، ولا تأثير لذلك. وأما الإدغام المحض فلا وجه له.
وقال لي: وما ذُكر عن الفراء من إخفاء النون عند الباء فوجه ذلك أنه سمى الإبدال إخفاء، كما سمى الإدغام في موضع آخر من كتابه إخفاء، فيرجع الخلاف إلى العبارة لا إلى المعنى، إذ الإخفاء الصحيح في هذا الموضع لم يستعمله أحد من المتقدمين والمتأخرين في تلاوة، ولا حكوه في لغة.
وكذلك ما ذُكر عن ابن مجاهد في إخفاء الميم عند الباء قول متجوز به على سيبويه، فعلق عبارة الفراء على مذهب سيبويه، فإن كان عنده من التحصيل ما عند الفراء فعذره ما ذكرنا، وإن كان أراد غير ذلك فهو افتيات على سيبويه.
قال أبو جعفر: ولا خلاف في إظهار الميم الساكنة عند الياء، نحو:
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يوسف: ٦٢]، و﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]، و﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢] وما أشبه ذلك.
[ ٦٥ ]
وكذلك عند سائر حروف المعجم سوى مثلها، لا يجوز الإدغام في شيء من ذلك.
والميم لا تدغم في مقاربها لما ذكرناه من المزية بالغنة، ويدغم مقاربها فيها.
ومن ذلك القاف عند الكاف، والكاف عند القاف: البيان والإدغام جائزان عند البصريين فيهما، فالإدغام لتقاربهما في المخرج، والإظهار لاختلاف الصفتين؛ لأن القاف مجهورة، والكاف مهموسة، فالكاف عند القاف نحو: انهك قطنا، ولا أعلمه جاء في القرآن.
والقاف عند الكاف موضع واحد، وهو قوله -﷿- في المرسلات:
"ألم نخلقكُّم من ماء" [المرسلات: ٢٠] .
وذكر أبو علي الأهوازي إظهار القاف في "الإيضاح"، وأنه قرأ لابن جماز عن نافع:
﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ﴾ بإظهار القاف.
وصار أهل الأداء بعدُ١ لسائر القراء فيه فرقا ثلاثا؛ ففرقة ذهبت إلى الإدغام البتة وإذهاب الصوت، وهو مذهب ابن مجاهد، وأبي الحسن الأنطاكي، وأبي الحسن الحوفي، وأبي عمرو عثمان بن سعيد.
فحدثنا أبو داود قال: حدثنا أبو عمرو قال: قال ابن مجاهد في كتاب "قراءة نافع": وما ذكر بعض الرواة عن نافع من إظهار قاف ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ﴾ يريد بيان قلقلتها، كبيان إطباق الطاء إذا أدغمت في التاء، فلا عمل عليه لذهاب الجهر الذي في القاف "يريد" بالقلب والإدغام.
قال أبو جعفر: حمل ابن مجاهد رواية ابن جماز على أنه لا يراد بها الإظهار المحض، وهو خروج عن الظاهر من غير ضرورة إلى ذلك.
وحدثنا أبو الحسن بن كرز، حدثنا أبو القاسم بن عبد الوهاب، حدثنا الأهوازي
_________________
(١) ١ أي: بعد ذلك، فالدال مضمومة.
[ ٦٦ ]
قال: سمعت أبا عبد الله اللالكائي يقول: الجماعة على إدغامه إلا شيئا يروى عن قالون عن نافع لا يعول عليه.
وقال أبو الحسن الأنطاكي في كتابه عن نافع: إنه كان يدغم القاف في الكاف ولا يبقى منها صوتا، ولا خلاف بين القراء في ذلك، ومن حكى غير ذلك عن بعضهم حكى غلطا. وإلى هذا ذهب عثمان بن سعيد وقال: إن القلقلة إنما هي في الوقف لا في الوصل، وقد صدق، ولكن الكلام معه في الاستعلاء لا في القلقلة.
وفرقة ذهبت إلى الإدغام وإبقاء الصفة التي هي الاستعلاء والجهر، وهو مذهب أكثر الناس. قال الأهوازي: قرأت عن الجماعة بإدغام القاف وإبقاء صوتها عند الكاف.
وقال أبو عبد الله محمد بن سفيان١ ردا على الأنطاكي في كلامه المختلف قبل: القراء مجمعون على خلاف ما قال، ولا يدغم منهم أحد القاف في الكاف حتى يبقي صوت القاف، وذلك أن القاف مجهورة، وهي حرف قلقلة واستعلاء، فلو لم يبق منها صوت لاختلّت، إذ كان إدغامها في حرف مهموس لا قلقلة فيه ولا استعلاء، ألا ترى أنهم أجمعوا على بقاء صوت الإطباق من الطاء إذا أدغموها في التاء في قوله: "أحطتُّ" [النمل: ٢٢]، و"بسطتّ" [المائدة: ٢٨] وهذا مما أقر به هو أنه إجماع من القراء.
والفرقة الثالثة ذهبت إلى البيان، فقرأت على أبي الحسن بن كُرز عن ابن عبد الوهاب قال: سمعت الأهوازي يقول: سمعت أبا الفرج الشنبوذي يقول: كان أبو بكر النقاش يظهرها عن ابن كثير وعاصم، ويدغمها عن الباقين، فذكرت ذلك لأبي إسحاق الطبري فقال: تخطئون على شيخنا، إنما أراد إظهار صوت القاف.
قال الأهوازي: وذكرت ذلك لأبي الحسين بن أبي المعتمر، فقال لي: لا يصح إظهار صوت القاف إلا بعد تغليظ اللام.
قال: وذكر لي أبو علي أن بعضهم كان يروي عن ابن الأخرم، عن ابن ذكوان
_________________
(١) ١ صاحب كتاب "الهادي" في القراءات.
[ ٦٧ ]
الإظهار من غير إفراط.
قال أبو جعفر: الحكاية عن الأصبهاني ليست نص روايتي عن ابن كرز، بل نقلتها على المعنى.
قال أبو جعفر: الأخذ بالبيان ليس عليه عمل، وأنت مخير في إبقاء الصفة مع الإدغام أو إذهابها، وكأن إجماعهم على إبقاء الإطباق في ﴿أَحَطْتُ﴾ يقوي إبقاء الاستعلاء هنا، وكلا الوجهين مأخوذ به، والله أعلم.
ومن ذلك الظاء عند التاء: وهو موضع واحد في الشعراء، قوله تعالى: ﴿أَوَعَظْتَ﴾ [١٦٣] فالقراء على الإظهار فيه، وقد روى عباس١ عن أبي عمرو، وذكر عن ابن سعدان عن اليزيدي عنه، وعن نصير٢ عن الكسائي إدغامها فيها وإذهاب صفتها، فتكون في السمع مثل: أوعدت، من الوعد، وهو جائز.
وذكر الأهوازي عن جماعة، وعن نصير أيضا إدغامها وإبقاء صفتها، وهو جائز حسن، ولكن أهل الأداء يأبون ذلك، ولا يأخذون فيه إلا بالإظهار، وكأنهم عدلوا عن الإدغام لما فيه من اللبس.
ومن ذلك الضاد عند التاء والجيم واللام والطاء: لا خلاف في إظهاره عندهن، مثل قوله تعالى: ﴿فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، و﴿أَقْرَضْتُمْ﴾ [المائدة: ١٢]، و﴿مَرِضْتُ﴾ [الشعراء: ٨٠]، و﴿فَقَبَضْتُ﴾ [طه: ٩٦]، و﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾ [الحجر: ٨٨]، و﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٤]، و﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ [البقرة: ١٧٣]، و﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، وما أشبه ذلك.
ولا يجوز الإدغام لمزية الضاد، والضاد من الحروف التي لا تدغم في مقاربها، ويدغم مقاربها فيها، وهي سبعة، وهي: الطاء، والدال، والتاء، والظاء، والذال،
_________________
(١) ١ العباس بن الفضل، انظر روايته في "المستنير" و"الغاية" و"الكفاية" وغيرها. ٢ كل من العباس وابن سعدان ونصير ليس من طرق الكتاب، ولينظر لهم في "المستنير" و"الكفاية" وغيرهما، وصدرا وغيرهما من أصول "النشر" عن الدار.
[ ٦٨ ]
والثاء، واللام، فقولك: حط ضمانك، ورد ضاحكا، وشدت ضفائرها، واحفظ ضأنك، وخذ ضرمك، ولم يلبث ضاربا، والضاحك.
والمزايا التي لا تذهب للإدغام خمس، وهي الاستطالة والتفشي والتكرير والصفير والغنة، على أنه قد جاء عن بعض المتقدمين من القراء غير السبعة إدغام الضاد عند الطاء في ﴿اضْطُرَّ﴾ وبابه، وله وُجَيه قد نص عليه سيبويه ليس هذا موضع ذكره.
ومن ذلك الراء الساكنة عند اللام، نحو: "نَّغفر لكم" [البقرة: ٥٨]، و﴿يُغْفَرْ لَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٨]، و﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، و﴿يَنْشُرْ لَكُم﴾ [الكهف: ١٦]، و﴿وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ [مريم: ٦٥] ونحوه.
وجملة ما في القرآن منه اثنان وخمسون موضعا، أجمع القراء على الإظهار فيها لما في الإدغام من الإخلال بالصفة، إلا ما رووا عن أبي عمرو من الإدغام في كل ذلك، في الكبير والصغير، على أن أبا زيد روى عنه الإظهار كالجماعة، وهي رواية ابن جبير عن اليزيدي عنه، وهو مذهب سيبويه، وإليه رجع ابن مجاهد أخيرا، كما حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن عتاب، حدثنا مكي بن أبي طالب، حدثنا أبو الطيب قال: أخبرنا أبو سهل أن ابن مجاهد كان قديما يأخذ بالإدغام في قراءة أبي عمرو، يعني إدغام الراء في اللام، ثم رجع إلى الإظهار قبل موته.
قال أبو الطيب: فذاكرت أبا الفتح بن بدهن بما عرفني به أبو سهل فقال:
هو كما قال.
وحدثنا أبو داود، حدثنا أبو عمرو، حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا ابن مجاهد عن أصحابه، عن اليزيدي، عن أبي عمرو بالإدغام، ولم يذكر خلافا ولا اختيارا، وبالإدغام يأخذ القراء، وكأن المسهل له قرب المخرج، وامتنع عند سيبويه لما فيه من إذهاب التكرير.
[ ٦٩ ]
ومن ذلك السين عند التاء نحو: ﴿نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ١٤]، و﴿اسْتَطَعْتَ﴾ [الأنعام: ٣٥]، و﴿مُسْتَضْعَفُونَ﴾ [الأنفال: ٢٦]، ونحو ذلك كثير، لا يجوز فيه الإدغام للإخلال بالصفير.
ومن ذلك العين عند الغين، والغين عند العين، والحاء عند العين، والعين عند الحاء، والحاء عند الهاء نحو: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾، و﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ﴾ في الموضعين في [النساء: ١١٥]، و﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٢٥٠]، و﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ﴾ [الكهف: ٩٦]، و﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٩] ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ﴾ [النور: ٢١] .
ولا أعلم الحاء عند الهاء جاءت في القرآن، وهو نحو: "امدح هلالا" فالإدغام في هذا كله ممتنع.
وحروف الحلق التي تدغم: الهاء والعين والحاء والخاء والغين، فما كان منها أدخل في الحلق لم يدغم فيه الأدخل في الفم.
ومن ذلك لام "قل" عند السين والصاد والنون والتاء نحو: ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣]، و﴿قُلْ سَأَتْلُو﴾ [الكهف: ٨٣]، و﴿قُلْ سَلامٌ﴾ [الزخرف: ٨٩]، و﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٩٥]، و﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٨١]، و﴿قُلْ نَعَمْ﴾ [الصافات: ١٨]، و﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ [الأنعام: ١٥١]، و﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ [إبراهيم: ٣٠] ونحوه، لا خلاف في إظهاره.
فأما عند الراء فلا خلاف في إدغامها للقرب الذي بينهما، واشتراكهما في الجهر، إلا ما روى أبو سليمان عن قالون من إظهارها عندها حيث وقع، نحو:
"قل رَّب إما" [المؤمنون: ٩٣]، و"قل رَّبي أعلم" [الكهف: ٢٢] والعمل فيه على الإدغام.
ومن ذلك لام "بل" عند الجيم نحو: ﴿بَلْ جِئْنَاكَ﴾ [الحجر: ٦٣]، و﴿بَلْ جَاءَهُمْ﴾ [المؤمنون: ٧٠]، و﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ﴾ [الصافات: ٣٧] وشبهه.
لا يجوز فيه الإدغام لتباعد المخرجين، كما لا يجوز إدغام الباء في الجيم للتباعد بالصفة.
[ ٧٠ ]
فأما لام "بل" عند الراء، نحو: ﴿بَلْ رَبُّكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٦] فهو مدغم عند الجميع إلا ما روى أبو سليمان عن قالون أنه أظهره، ونذكر مذهب حفص في ﴿بَلْ رَانَ﴾ [المطففين: ١٤] في موضعه.
ومن ذلك اللام الساكنة عن حركة عند النون نحو: جعلنا، وأرسلنا، وبدلنا، و﴿يُبَدِّلْ نِعْمَةَ﴾ [البقرة: ١١٢]، و﴿فَيَظْلَلْنَ﴾ [الشورى: ٣٣] ونحوه حيث وقع.
لا خلاف بينهم في إظهارها عندها، ويختلف بعض القَرَأَة١ في صورة اللفظ بها، فمنهم من يجوده، وينطق بالساكن مظهرا على واجبه من غير إفحاش، ومنهم من يعنف في ذلك إرادة إشباع الإظهار، فربما حرك اللام وأحدث حرف مد قبلها، وذلك لحن جلي، ومنهم من يدغم، وذلك أيضا لحن.
ومن ذلك دال "قد" وذال "إذ" وتاء التأنيث عند ما عدا الحروف التي اختلفت القراء في إظهارها وإدغامها، هن مظهرات عندهن.
وهذا كافٍ في هذا الباب، من علمه قاس عليه ما لم أذكره إن شاء الله.
_________________
(١) ١ أي: بعض القراء.
[ ٧١ ]