اختلف أهل العلم في هذه المسألة فقال أبو جعفر: فأما ما كان من اختلاف القراءة، في رفع حرف وجرِّه ونصبه، وتسكين حرف وتحريكه، ونقل حرف إلى آخر، مع اتفاق الصورة، فمن معنى قول النبي - ﷺ -: "أُمِرْتُ أنْ أقْرَأ القُرآنَ على سَبْعَةِ أحْرُفٍ" بمَعْزِلٍ، لأنه معلوم أنه لا حرف من حروف القرآن، مما اختلفت القراء في قراءته بهذا المعنى، يوجب المراء به كفر المماري به في قول أحد من علماء الأمة، وقال البعض: وقد دأب من تعرض للحديث عن القراءات بأن يقرن بين الأحرف السبعة والقراءات السبع، مما يتبادر إلى الأذهان أن القراءات هي الأحرف، وبخاصة بعد أن اشتهرت القراءات السبع في الأمصار وأصبح الناس يتحدثون عن قراءات سبع وأحرف سبعة.
والأحرف السبعة هي التي جاء الحديث الصحيح بالإشارة إليها في قول النبي: "إنّ هذا القرآنَ أُنْزِلَ على سبعةِ أحرفٍ فاقرؤوا منه ما تيسّرَ" (^٢).
_________________
(١) البرهان في علوم القرآن (١/ ٢٢٣)، ومناهل العرفان (١/ ٢٥٣ - ٢٥٤).
(٢) حديث صحيح الإسناد. أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف (٤٩٩٢) عن عمر بن الخطاب يقول سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله - ﷺ - فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله - ﷺ - فكدت أساوره في الصلاة فتصبرت حتى سلم فلببته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ قال: أقرأنيها رسول الله - ﷺ - فقلت: كذبت فإن رسول الله قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله فقلت: إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها. فقال رسول الله - ﷺ -: "أرسله، اقرأ يا هشام"، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ فقال رسول الله - ﷺ -: "كذلك أنزلت"، ثم قال: "اقرأ يا عمر"، فقرأت القراءة التي أقرأني فقال رسول الله - ﷺ -: "كذلك أنزلت: .. " به.
[ ١ / ٢٠ ]
ويميل جمهور العلماء إلى أن المصاحف العثمانية اشتملت على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة.
واختار القاضي أبو بكر بن الطيب الباقلاني هذا الرأي وقال: الصحيح أن هذه الأحرف السبعة ظهرت واستفاضت عن رسول الله - ﷺ - وضبطها عنه الأئمة، وأثبتها عثمان والصحابة في المصحف وأخبروا بصحتها، وإنما حذفوا منها ما لم يثبت متواترًا.
وعبارة "الأحرف" - وهي جمع حرف - الوارد في الحديث تقع على معانٍ مختلفة، نقد تكون بمعنى القراءة كقول ابن الجزري: "كانت الشام تقرأ بحرف ابن عامر" وقد تفيد المعنى والجهة كما يقول أبو جعفر محمد بن سعدان النحوي.
وحكي عن الخليل بن أحمد الفراهيدي شيخ العربية أن القراءات هي الأحرف، ولن تجد كتابًا تعرض لهذه المسألة إلا أشار لهذا القول بالتوهين والتضعيف.
وأحب هنا أن أوضح رأي العلامة الجليل الخليل بن أحمد الفراهيدي، فهو بلا ريب إمام العربية وحجة النحاة، ولا شك أن انفراده بالرأي هنا لم ينتج من قلة إحاطة أو تدبر، ومثله لا يقول الرأي بلا استبصار، وانفراد مثله برأي لا يلزم منه وصف الرأي بالشذوذ أو الوهن!
وغير غائب عن البال أن الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي توفي في عام (١٧٠ هـ) لم يدرك عصر تسبيع القراءات، حيث لم تشتهر عبارة القراءات السبع إلا أيام ابن مجاهد، وهو الذي توفي عام (٣٢٤ هـ) كما أشرت في اقتصاره على سبعة قراء دون غيرهم ممن ذكرهم في كتابه.
ولم يكن الخليل بن أحمد يعني بالطبع هذه القراءات السبع التي تظاهر العلماء على اعتمادها وإقرارها بدءًا من القرن الرابع الهجري، ولكنه كان يريد أن ثمة سبع لهجات قرأ بها النبي وتلقاها عنه أصحابه، ومن بعدهم أئمة السلف، وهي تنتمي إلى أمهات قواعدية لم يتيسر من يجمعها بعد - أي في زمن الخليل - وأنها لدى جمعها وضبطها ترجع إلى سبع لهجات، وفق حديث النبي - ﷺ -: "إن هذا القرآنَ أُنْزِلَ على سبعةِ أَحْرُفٍ".
[ ١ / ٢١ ]
وهذا الفهم لرأي الخليل هو اللائق بمكانته ومنزلته العلمية، وهو المتصور في ثقافته ومعارفه زمانًا ومكانًا، وبه تدرك أنه لم يكن يجهل أن عصر الأئمة متأخر عن عصر التنزيل وهو أمر لا يجهله أحد.