المختار من حيث الرواية لجميع القراء "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"؛ كما ورد في سورة النحل. وقد ذكر الأستاذ شمس الدين محمد بن الجزري، عن الأستاذ أبي طاهر بن سوار (^٢)، وأبي العز القلانسي (^٣)، وغيرهما أنهم قالوا: إن الاتفاق على اللفظ بعينه.
وحكي عن الإمام أبي الحسن السخاوي (^٤) أنه ذكر في كتابه "جمال القراء": الذي عليه
_________________
(١) الاستعاذة لغة: طلب العوذ، وهي مصدر استعاذ بالله؛ أي طلب عصمته، وهي الامتناع بالله من همزات الشياطين، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧] والحلة في مجيئها في أول الكلام كما ذكر مكي بن أبى طالب في الكشف عن وجوه القراءات (ص: ٧) أنها دعاء إلى الله جل ذكره واستجارة به من الشيطان، وامتثال لما أمر به نبيه ﵇؛ إذ قال في كتابه: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨].
(٢) هو أبو طاهر أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر بن سوار المقرئ النحوي ويعرف أبوه بالدقاق كان إمامًا في القرآن وصنف فيه التصانيف منها كتابه (المستنير)، وسمع الحديث من أبي طالب وأبي غيلان وأبي القاسم بن بشران وأبى الحسين بن رزمة وأبي محمد الخلال وأبي إسحاق البرمكي وأبي محمد الجوهرى وأبي القاسم التنوخي وغيرهم وكان ثقة ثبتًا ذا علم بالنحو والقراءات، وتوفي في شعبان من سنة ست وتسعين وأربعمائة ودفن بالشونيزية من الجانب الغربي وحدث وأقرأ القرآن أربعين سنة (انظر ترجمته في الإكمال لابن ماكولا ٤/ ٣٨٨، والذهبي في سير أعلام النبلاء ١٩/ ٢٢٥).
(٣) هو الإمام الكبير شيخ القراء أبو العز محمد بن الحسين بن بندار الواسطي القلانسي صاحب التصانيف في القراءات ولد سنة خمس وثلاثين وأربع مئة وتلا بالعشر على أبي على غلام الهراس وأخد عن أبى القاسم الهذلي صاحب (الكامل) وارتحل إلى بغداد سنة إحدى وستين وسمع من أبي جعفر بن المسلمة وعبد الصمد بن المأمون وأبي الحسين بن المهتدى بالله وعدة وقرأ ختمة لأبي عمرو على الأوانى صاحب أبي حفص الكتانى قال السمعاني: قرأ عليه عالم من الناس ورحل إليه من الأقطار وسمعت عبد الوهاب الأنماطي يسيء الثناء عليه ونسبه إلى الرفض (انظر سير أعلام النبلاء ١٩/ ٤٩٧).
(٤) هو الشيخ الإمام العلامة شيخ القراء والأدباء علم الدين أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد بن عطاس الهمداني المصري السخاوي الشافعي نزيل دمشق ولد سنة ثمان وخمسين أو سنة تسع وقدم الثغر في سنة اثنتين وسبعين وسمع من أبي طاهر السلفي ومن أبي الطاهر بن عوف وبمصر من أبي الجيوش عساكر بن علي وأبي القاسم البوصيري إسماعيل بن ياسين وبدمشق من ابن طبرزذ والكندي وحنبل وتلا بالسبع على الشاطبي وأبي الجود والكندي والشهاب الغزنوي وأقرأ الناس دهرًا وكان إمامًا في العربية بصيرًا باللغة فقيهًا =
[ ١ / ٦٥ ]
إجماع الأمة، هو "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" (^١).
وقال: قال الحافظ أبو عمرو الداني: إنه هو المستعمل عند الحذاق دون غيره (^٢) وهو المأخوذ به عند عامة الفقهاء: كالشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد، وغيرهم، وقد ورد النص بذلك عن النبيِّ - ﷺ - ففي "الصحيحين" من حديث سليمان بن صرد قال: استب رجلان عند النبيِّ - ﷺ - ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسبُّ صاحبه وهو مغضب، وقد احمر وجهه، فقال النبيُّ - ﷺ -: "إنِّي لأعلمُ كلمة لو قالها لذهبَ عنه ما يَجِدُه؛ لو قال: أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيم … " الحديث (^٣).
_________________
(١) = مفتيًا عالمًا بالقراءات وعللها مجودًا لها بارعًا في التفسير صنف وأقرأ وأفاد، وروى الكثير وبعد صيته وتكاثر عليه القراء، تلا عليه شمس الدين أبو الفتح الأنصاري وشهاب الدين أبو شامة ورشيد الدين بن أبي الدر وزين الدين الزواوى وتقي الدين يعقوب الجرائدي والشيخ حسن الصقلي وجمال الدين الفاضلي ورضي الدين جعفر بن دنوقا وشمس الدين محمد بن الدمياطي ونظام الدين محمد بن عبد الكريم التبريزي والشهاب بن مزهر وعدة، وحدث عنه الشيخ زين الدين الفارقي والجمال بن كثير والرشد ابن المعلم ومحمد بن قايماز الدقيقي وآخرون، وكان مع سعة علومه وفضائله دينًا حسن الأخلاق محببًا إلى الناس وافر الحرمة مطرحًا للتكلف ليس له شغل إلا العلم ونشره (انظر سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٢٣).
(٢) ذكر ذلك الإمام ابن الجزري في النشر (١/ ٢٥٠) والسخاوي في جمال القراء (٢/ ٤٨٢). فقال الإمام ابن الجزرى في طيبة النشر: وقل أعوذ إن أردت تقرا … كالنحل جهرًا لجميع القرّا وهذا اللفظ هو الذي عليه رأي جمهور القراء وليس إجماعهم كما ذكر المؤلف، وقد أثار إلى ذلك ابن الباذش في الإقناع في القراءات السبع (١/ ١٤٩) فقال: فأما لفظها فلم يأت فيه عن أحد من السبعة نص، وقد قال أبو الحسن أحمد بن يزيد الحلواني: بس للاستعاذة حد تنتهي إليه من شاء زاد، ومن شاء نقص. وهذا الكلام أخذه عن ابنُ الباذش ابن الجزري في النشر (١/ ٢٥١).
(٣) هنا ربما يطرح سوال: أذلك فرض على كل من قرأ القرآن أم لا؟ والجواب كما قال مكي بن أبي طالب في الكشف عن وجوه القراءات (١/ ٩): إن لفظ الأمر في القرآن يأتي على وجوه كثيرة ليس معناها الفرض والحتم، نحو قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] فاللفظ لفظ الأمر ومعناه الإباحة، وكذلك قوله ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ معناه الندب والإرشاد وليس الفرض والحتم.
(٤) حديث صحيح الإسناد. أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب ما ينهى من السباب واللعن (٥٦٥٠) عن عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن عدي بن ثابت حدثنا سليمان بن صرد قال: استب رجلان عند النبي - ﷺ -: .. به، وسلم في البر والصلة والآداب، باب فضل من يملك نفسه عند الغضب وبأي شيء يذهب الغضب (٤٧٢٦)، بإسناده، والترمذي في الدعوات (٣٣٧٤) بإسناده.
[ ١ / ٦٦ ]
وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة غير ذلك، وقد وردت أحاديث بزيادة:
الأول: "أَعُوذُ بالله السّمِيعُ العَلِيمُ، مِنَ الشّيطَانِ الرّجِيمِ" (^١). نصَّ عليها الحافظ أبو عمرو الداني في "جامعه" (^٢) عن أهل مصر (^٣). ورواه أبو عليّ الأهوازيّ أداء عن الأزرق عن الصباح، وعن الرفاعي، عن سليم، كلاهما عن حمزة، وورد فيه عن غيرهم (^٤).
الثاني: "أعُوذُ بالله العَظِيمِ، مِنَ الشّيطَانِ الرّجِيمِ"؛ ذكره الداني. أيضًا. في "جامعه"، عن أهل مصر وسائر بلاد المغرب (^٥). وحكاه أبو معشر الطبري، ورواه الأهوازي وغيره.
الثالث: "أعُوذُ بالله مِنَ الشّيطَانِ الرّجِيمِ، إنّ الله هُوَ السّمِيعُ العَلِيمُ"؛ رواه الأهوازي، عن أبي عمرو، وذكره أبو معشر، عن أهل مصر والمغرب، عن عمر بن الخطاب، ومسلم بن يسار، وابن سيرين، والثوري (^٦).
_________________
(١) حديث ضعيف الإسناد. أخرجه الترمذي في الصلاة (٢٤٢) عن محمد بن موسى البصري حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي عن علي بن علي الرفاعي عن أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري قال كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة بالليل كبر ثم يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك"، ثم يقول: "الله أكبر كبيرا"، ثم يقول: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه"، وقال أبو عيسى وفي الباب عن علي وعائشة وعبد الله بن مسعود وجابر وجبير بن مطعم وابن عمر قال أبو عيسى: وحديث أبي سعيد أشهر حديث في هذا الباب وقد أخذ قوم من أهل العلم بهذا الحديث وأما أكثر أهل العلم فقالوا بما روى عن النبي - ﷺ - أنه كان يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك"، وهكذا روي في عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من التابعين وغيرهم، وقد تكلَّم في إسناد حديث أبي سعيد كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي الرفاعي وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث.
(٢) ولفظ الداني كما ذكر ابن الجزري في النشر (١/ ٢٤٩) والنويري في شرح طيبة النشر (٢/ ١٢): "وعليه عامة أهل الأداء من أهل الحرمين والشام والعراقيين، ورواه أصحاب السنن الأربعة وأحمد عن أبي سعيد بإسناد جيد، وقال الترمذي: وهو أصح حديث في الباب.
(٣) لم يذكر أبو عمرو الداني هذه العبارة عن أهل مصر هذا اللفظ، وإنما ذكر أن لفظ أهل مصر: أعوذ بالله العطيم من الشيطان الرجيم، وقال: وعليه أهل مصر وسائر بلاد المغرب، وهذا ليس صحيحًا فما عليه أهل مصر هو كما ورد في اللفظ القرآني في سورة النحل.
(٤) انظر: النشر (١/ ٢٥٠) والإقناع في القراءات السبع (١/ ١٥٠).
(٥) وقد ذكر الداني أيضًا أن ذلك اللفظ روي عن قنبل وورش وأهل الشام أيضًا (انظر النشر (١/ ٢٥٠) وشرح طيبة النشر للنويري (٢/ ١٢).
(٦) وذكر الداني أيضًا أن ذلك روي أيضًا عن أبي جعفر وشيبة رواية ونافع في غير رواية أبي عدي عن ورش وابن عامر =
[ ١ / ٦٧ ]
الرابع: "أعُوذُ بالله العَظِيمِ، السّمِيعُ العَلِيمُ، مِنَ الشّيطَانِ الرّجِيمِ"؛ رواه الخزاعي، عن هبيرة، عن حفص. وذكره الهذلي عن أبي عدي، عن ورش (^١).
الخامس: "أعُوذُ بالله العَظِيمِ، مِنَ الشّيطَانِ الرّجِيمِ، إنّ الله هُوَ السّمِيعُ العَلِيمُ"؛ رواه الهذلي، عن الزينبي، عن ابن كثير (^٢).
السادس: "أعُوذُ بالله السّمِيعُ العَلِيمُ، مِنَ الشّيطانِ الرّجِبمِ إنّ الله هُوَ السّمِيعُ العَلِيمُ"؛ ذكره الأهوازي، عن جماعة (^٣).
السابع: "أعُوذُ بالله مِنَ الشّيطَانِ الرّجِيمِ، وَأستَفتِحُ الله، وَهُوَ خَيرُ الفَاتِحِينَ" رواه أبو الحسين الخبازي، عن شيخه أبي بكر الخوارزمي، عن ابن مقسم، عن إدريس، عن خلف، عن حمزة (^٤).
الثامن: "أَعُوذُ بالله العَظِيمِ، وَبِوَجهِهِ الكَرِيم، وَسلطَانِهِ القَدِيمِ، مِنَ الشّيطَانِ الرّجِيمِ"؛ رواه أبو داود في الدخول إلى المسجد، عن عمرو بن العاص، عن النبي - ﷺ -، وقال: "إذَا قَالَ ذَلِكَ، قَالَ الشّيطَانُ: حُفِظَ مِنِّي سائرَ اليومِ" إسناده جيد، وهو حسن (^٥).
ووردت بألفاظ تتعلق بشتم الشيطان؛ نحو: "أعُوذُ بالله مِنَ الشّيطَانِ الرّجِيمِ الخَبِيثِ
_________________
(١) = والكسائي وحمزة في أحد وجوهه. (انظر المرجع السابق ٢/ ١٣) وذكر ابن الباذش في الإقناع (١/ ١٥٠) أن ذلك روي عن نافع وابن عامر والكسائي، وبه أخذ أبو علي بن حبش في رواية السوسي، وأراه اختيارًا منه كما اختار التكبير من ﴿وَالضُّحَى﴾ وكان يأخذ به لجميع القراء.
(٢) ذكره ابن الباذش في الإقناع (١/ ١٥٠) عن هبيرة عن حفص، وروى النويري في شرح الشاطبية (٢/ ١٣) أنه من رواية الزينبي عن قنبل، وأبو عدي عن ورش.
(٣) ذكره ابن الجزري في النشر (١/ ٢٥٠، ٢٥١) والنويري في شرح الشاطبية (٢/ ١٣).
(٤) ذكره ابن الباذش في الإقناع (١/ ١٥٠)، والنويري في شرح الشاطبية (٢/ ١٣) بلفظه كاملًا.
(٥) ذكره النويري في شرح الشاطبية (٢/ ١٣) وقال: رواه إدريس من حمزة.
(٦) حديث حسن الإسناد. أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب فيما يقوله الرجل عند دخوله المسجد (٣٩٤) عن إسماعيل بن بشر بن منصور حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الرحمن بن المبارك عن حيوة بن شريح قال: لقيت عقبة بن مسلم فقلت له: بلغني أنك حدثت عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي - ﷺ -: .. به.
[ ١ / ٦٨ ]
المخبث وَالرّجسِ النّجِس"؛ كما رويناه في كتاب "الدعاء" لأبي القاسم الطبراني (^١). و"عمل اليوم والليلة" لأبي بكر بن السّنيّ (^٢)، عن ابن عمر، ﵄.
كل ذلك ذكره في "النشر" (^٣)، والقارئ في ذلك كلّه مخيّر: إن شاء زاده، وإن شاء اقتصر على اللّفظ الوارد في سورة النحل.
وأمّا ما يتعلق بالجهر بها والإخفاء: فالمختار - عند أئمة القراء - هو الجهر بها عن جميع القراء، لا خلاف (^٤) في ذلك عند أحد منهم، إلا ما جاء عن حمزة وغيره (^٥).
قال الحافظ أبو عمرو الداني في "جامعه": ولا أعلم خلافًا في الجهر بالاستعاذة عند افتتاح القرآن، وعند ابتداء كل قارئ بعَرضٍ أو دَرسٍ أو تلقين - في جميع القرآن - إلا ما جاء عن نافع وحمزة (^٦).
_________________
(١) حديث ضعيف الإسناد. أخرجه الطبراني في الدعاء للطبراني (١/ ١٣٤) بإسناد ضعيف ولفظه: عن أبي الزنباع روح بن الفرج المصري ثنا يوسف بن عدي ثنا عبد الرحيم بن سليمان عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن أنس بن مالك أن النبي - ﷺ - كان إذا دخل الخلاء قال: "اللهم إني أعوذُ بكَ من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم. وإسماعيل بن مسلم عنه أي عن الحسن وعن قتادة أيضًا كلاهما من أنس بن مالك، وإسماعيل بن مسلم ضعفه أبو زرعة وغيره.
(٢) حديث ضعيف الإسناد. أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (١/ ١٩) بإسناد ضعيف ولفظه: عن أبي عروبة حدثنا علي بن سعيد بن مسروق حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن وقتادة عن أنس بن مالك قال كان رسول الله - ﷺ - إذا دخل الغائط قال: "اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشطان الرجيم".
(٣) انظر النشر (١/ ٢٤٣ - ٢٥٢).
(٤) عند ابن الجزري في النشر (١/ ٢٥٢) لا نعلم في ذلك خلافًا.
(٥) روى سليم بن عيسى أخص أصحاب حمزة أن حمزة كان يخفي التعوذ والبسملة، وقد أشار الإمام ابن الجزري إلى غير ذلك بقوله: وقيل يخفي حمزة حيث تلا … وقيل لا فاتحة وعللا
(٦) ذكر كل هذا الكلام بلفظه في النشر (١/ ٢٥٢) وشرح طيبة النشر للنويري (٢/ ٨) وما ذكره المؤلف النشار عن نافع فليس بقوي وقال النويري: وقيل: يخفي حمزة الاستعاذة في كل مكان تلاوة من القرآن سواء كان فاتحة أو غيرها، وهذه طريقة المهدوي والخزاعي، وقيل: يخفي في جميع القرآن إلا في الفاتحة فيجهر بالتعوذ في أولها وهو طريقة المبهج عن سليم، وذكر الصفراوي الوجهين عن حمزة. وقد علل مكي بن أبي طالب على ذلك فقال: إذا صح ذلك فمعناه أنه أخفاها لئلا يظن ظان أنهما من القرآن فاكتفى بالإخفاء عن الإظهار، ولأنه إنما يقرأ عليه القرآن ولذلك أخفى (انظر الكشف عن وجوه =
[ ١ / ٦٩ ]
وقد ورد في الجهر بها والإخفاء كلام كثير (^١).
أمّا محلّها: فهو قبل القراءة إجماعًا، ولا يصحّ قولٌ بخلافه عن أحد ممن يعتبر قوله (^٢)، وإنما آفة العلم التقليد.
وأمّا الوقف عليها، والابتداء بما بعدها، بسملة كان أو غيرها:
فيجوزُ الوقفُ على الاستعاذة والابتداءُ بما بعدها (^٣)، ويجوز وصلها بما بعدها، والوجهان صحيحان (^٤).
وظاهر كلام الداني رحمه الله تعالى: أن الأَوْلى وصلها بالبسملة؛ لأنه قال في كتابه: "الاكتفاء": الوقف على آخر التعوذ تام، وعلى آخر البسملة أتم.
وإذا قرأ جماعة جملة، هل يلزم كل واحد الاستعاذة، أو تكفي استعاذة بعضهم؟
الظاهر: الاستعاذة لكل واحد؛ لأن المقصود اعتصام القارئ والتجاؤه إلى الله تعالى من شر الشيطان؛ كلما ورد في البسملة على الأكل؛ وأنه ليس من سنن الكفايات (^٥).
وإذا عرض للقارئ أمر، فقطع القراءة - إن كان كلامًا أو غيره - فإن كان من تعلق القراءة: فلا يحتاج إلى استئناف الاستعاذة، وإن كان الكلام أجنبيًّا ليس له تعلق بالقراءة،
_________________
(١) = القراءات ١/ ١١) والتيسير في القراءات العشر (ص: ١٧).
(٢) انظر تفصيل ذلك في: النشر (١/ ٢٥٢ - ٢٥٤)، الإقناع في القراءات السبع (١/ ١٥٢ - ١٥٣)، المهذب في القراءات العشر (١/ ٣١ - ٣٢)، شرح النويري على طيبة النشر (١٥٢).
(٣) شذَّ عن هذا القول الهذلي في كامله فقد قال: "قال حمزة في رواية ابن قلوقا: إنّما يتعوّذ بعد الفراغ، وبه قال أبو حاتم، ولا دليل فيه؛ لأن رواية ابن قلوقا عن حمزة منقطعة في الكامل ولا يصح إسنادها (انظر: طبقات القراء ١/ ٣٧٦، شرح النويري على طيبة النشر ٤٢).
(٤) وقد رجح ابن الباذش الوقف لمن مذهبه الترتيل، قال: فأما من لم يسم يعني مع الاستعاذة؛ فالأشبه عندي أن يسكت؛ أي يقف عليها ولا يصلها بشيء من القرآن، وعلى الوصل لو التقى مع الميم مثلها نحو: ﴿الرَّجِيمِ ما ننسخ﴾ (انظر الإقناع ١/ ١٥٤).
(٥) نقل ابن الجزري هذا الرأي وقال معلقًا عليه: "وهذا أحسن ما يقال في هذه المسألة"، ومراده بالسكت الوقف لإطلاقه، ولقوله: في نفس واحد (انظر النشر ١/ ٢٥٧).
(٦) ذكر ذلك النويري في شرح طيبة النشر (٢/ ١٧).
[ ١ / ٧٠ ]
حتى لو رد السلام على من سلم، فليستأنف الاستعاذة (^١).
ويستحب للقارئ - على سبيل الأدب، والهروب من البشاعة - أنه إذا أراد القراءة، واستعاذ في الأجزاء من أوساط السور: أن ينظر في المحل الذي يبتدئ منه، إن كان مثل: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، أو: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ [النساء: ٨٧]، أو: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [فصلت: ٤٧] أو ما أشبه ذلك - أن يبسمل بعد الاستعاذة.
* * *
_________________
(١) المرجع السابق.
[ ١ / ٧١ ]