إذا وصل القارئ بين السورتين، أي: بين الفاتحة والبقرة، أو بين البقرة وآل عمران، أو بين آل عمران والنساء، وكذا إلى آخر القرآن، إلا بين الأنفال وبراءة؛ فقد اختلف الفراء في الفصل بين السورتين بالبسملة وبغيرها، وفي الوصل بينهما:
- ففصل البسملة بين كل سورتين - إلا بين الأنفال وبراءة -: ابن كثير، وعاصم، والكسائي، وقالون، وأبو جعفر، والأصبهاني عن ورش (^١).
- ووصل بين كل سورتين: حمزة (^٢).
واختلف عن خلف في اختياره بين الوصل والسكت.
واختلف - أيضًا - عن الباقين، وهم: أبو عمر و، وابن عامر، ويعقوب، وورش - من طريق الأزرق -: بين الوصل والسكت والبسملة (^٣).
_________________
(١) علل هذا الرأي مكي بن أبي طالب في الكشف عن وجوه القراءات (١/ ١٦) بقوله: "وعلة من فصل بين كل سورتين بالتسمية: أنهم اتبعوا خط المصحف وأرادوا التبرك بابتداء أسماه الله، ولأن بعض العلماء قال: إنها آية من أول كل سورة إلا براءة، وهو أحد تولي الشافعي وله قال ابن المبارك وهو قول شاذ، لأنهم زادوا في القرآن مائة آية وثلاث عشرة آية والقرآن لا تثبت فيه الزيادة إلا بالإجماع الذي يقطع على عيبه، ولا إجماع في هذا؛ بل الإجماع قد سبق في الصدر الأول من الصحابة، وفي الصدر الثاني من التابعين على ترك القول بهذا" وانظر: شرح طيبة النشر للنويري (٢/ ٣٥).
(٢) والعلة في ذلك كما ذكر مكي في الكشف (١/ ١٦) أنه لما كانت (بسم الله الرحمن الرحيم) ليست بآية من كل سورة عنده وعند جماعة الفقهاء أسقطها في وصله السورة بالسورة لئلا يظن ظان أنها آية من أول كل سورة فالقرآن عنده كالسورة الواحدة، (انظر في ذلك أيضًا: التيسير ص: ١٧) وشرح طيبة البشر (٣٦٢).
(٣) أما خلف فنص له على الوصل أكثر المتقدمين وهو الذي في المستنير والمبهج وكفاية سبط لخياط وغاية أبي العلاء، وعلى السكت أكثر المتأخرين، وأما ابن عامر فقطع له بالوصل صاحب الهداية وبالسكت صاحب التلخيص والتبصرة وابن غلبون واختاره الداني وبه قرأ على أبي الحسن ولا يؤخذ من التيسير بسواه وبالبسملة صاحب العنوان والتجريد وجمهور العراقيين وبه قرأ الداني على الفارسي وأبي الفتح. وأما أبو عمرو فقطع له بالوصل صاحب العنوان والوجيز وبه قرأ على الفارسي عن أبي طاهر وبه قرأ صاحب التجريد=
[ ١ / ٧٢ ]
ولا خلاف بين القراء في الإتيان بالبسملة في أول الفاتحة، سواء ابتدأ بها أو وصلها بـ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١] (^١).
وكذا لا خلاف بينهم في البسملة في أوائل كل سورة، سوى براءة (^٢).
وأما الابتداء من أوساط السور: فالقارئ مخير: إن شاء بسمل، وإن شاء لم يبسمل؛ إلا ما تقدّم من ذكر البشاعة (^٣).
أما أجزاء براءة: فالأولى أن تكون تبعًا لأولها، وليس بنص (^٤).
_________________
(١) = على عبد الباقي وبالسكت صاحب التبصرة وتلخيص العبارات والمستنير والروضة وسائر كتب العراقيين وبالبسملة صاحب الهادي واختاره صاحب الكافي وهو الذي رواه ابن حبش عن السوسي والثلاثة في النهاية. وقال الخزاعي والأهوازي ومكي وابن سفيان والهذلي: والتسمية بين السورتين مذهب البصريين عن أبي عمرو، وأما يعقوب فقطع له بالوصل صاحب غاية الاختصار، وبالسكت صاحب المستنير والإرشاد والكفاية وسائر العراقيين، وبالبسملة صاحب التذكرة والكافي والوجيز والكامل وابن الفحام، وأما الأزرق فقطع له بالوصل صاحب الهداية والعنوان والمفيد وجماعة، وبالسكت ابنا غلبون وجماعة وهو الذي في التيسير وبه قرأ الداني على جميع شيوخه، وبالبسملة صاحب التبصرة في قراءته على أبي عدي وهو الذي اختاره صاحب الكافي وبه كان يأخذ أبو حاتم وأبو بكر الأدفوي وغيرهما عن الأزرق والثلاثة في الشاطبية، ووجه إثباتها بين السور ما روى سعيد بن جبير قال: "كان النبي - ﷺ - لا يعلم انقضاء السورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم" ولثبوتها في المصحف بين السور عدا براءة، ووجه تركها: قول ابن مسعود: كنا نكتب "باسمك اللهم" فلما نزل "بسم الله مجريها" كتبنا "بسم الله" فلما نزل" قل ادعو الله أو ادعو الرحمن "كتبنا "بسم الله الرحمن "فلما نزل "أنه من سليمان" الآية كتبناها فهذا دليل على أنها لم تنزل أول كل سورة: ووجه الوصل: أنه جائز بين كل اثنين وكان حمزة يقول: القرآن كله عندي كالسورة فإذا بسملت في الفاتحة أجزأني ولم أحتج لها. وحينئذ فلا حاجة للسكت لأنه بدل منها، ووجه السكت أنهما اثنان وسورتان وفيه إشعار بالانفصال والله أعلم. (انظر شرح طيبة النشر ٢/ ٢٢ - ٢٤) ومع ذكري لهذا التفصيل في إسناد هذه الأوجه لأصحابها من خلال كتبهم إلا أنى أرى الاقتصار على معرفتك بالوجهين الواردين دون تفصيل كما قرأت وتلقيت عن مشايخك.
(٢) هناك قول ضعيف عن الخرقي عن ابن سيف عن الأزرق عن ورش بترك البسملة في فاتحة الكتاب سرًا وجهرًا، وهي رواية خلاد الكاهلي عن حمزة، وقد عقب ابن الجزري في النشر (١/ ٢٦٣) على ذلك بقوله: أما ما رواه الخرقي عن ابن سيف عن الأزرق عن ورش أنه ترك البسملة أول الفاتحة؛ فالخرقي هو شيخ الأهوازي وهو مجهول لا يعرف إلا من جهة الأهوازي ولا يصح ذلك عن ورش؛ بل المتواتر منه خلافه.
(٣) انظر الإقناع (١/ ١٥٥) والنشر (١/ ٢٦٣) والمهذب (١/ ٣٣).
(٤) انظر في ذلك ما عند النويري في شرح طيبة النشر (٢/ ٣٢) الإقناع (١/ ١٦٢).
(٥) اختار السخاوي الجواز، فقال: ألا ترى أنه يجوز بغير خلاف أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَقَاتِلُوا=
[ ١ / ٧٣ ]
ومن وصل بين السورتين بغير بسملة: فالأحسن له أن يبسمل بين المدثر والقيامة، وبين الانفطار والمطففين، وبين الفجر والبلد، وبين العصر والهمزة. وحمزة يسكت بينهم سكتة لطيفة؛ وكل ذلك هروب من بشاعة اللفظ إذا وصل بينهم بغير بسملة؛ فإنه إذا وصل بين المدثر والقيامة، فآخر المدثر: ﴿وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [٥٦] وأول القيامة: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ [١]، وآخر الانفطار: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [١٩]، وأول المطففين: ﴿وَيْلٌ﴾ [١]، وآخر الفجر: ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [٣٠]، وأول البلد: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ [١]، وآخر العصر: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [٣]، وأول الهمزة: ﴿وَيْلٌ﴾ [١].
فالأحسن في هذه المواضع: أن يفصل بين السورتين بالبسملة (^١).
قلت: والأحسن - أيضًا - أن يفصل بين البسملة والسورة الآتية؛ لما في ذلك من البشاعة؛ فإنه يقول: "بسمِ اللهِ الرّحمَنِ الرّحِيم" وأول القيامة: ﴿لَا﴾ [١]؛ وكذلك أول المطففين: ﴿وَيْلٌ﴾ [١] بعد البسملة، وأول البلد بعد البسملة: "لا"، وأول الهمزة بعد البسملة: ﴿وَيْلٌ﴾ [١]. وقد أخبرني بذلك السيد الشريف برهان الدين الطباطبي بمكة المشرفة، بقراءتي عليه في سنة ستين وثمانمائة. فإذا وصل القارئ بين السورتين: فلابن كثير، وعاصم، والكسائي، وقالون، وأبي جعفر، والأصبهاني. ثلاثة أوجه:
أولها: وصل الطرفين مع البسملة.
وثانيها: قطع الطرفين مع البسملة.
_________________
(١) = الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ وفي نظائرها، وذهب إلى منعها الجعدي ورد على السخاوي فقال: أن كان نقلًا فمسلم وإلا فيرد عليه أنه تفريع على غير أصل ومصادم لتعليله (انظر شرح النويري على طيبة البشر ١/ ٣٢).
(٢) علل مكي بن أبي طالب الفصل بين هذه السور بقوله: "إن وصل آخر السورة بالسورة التي بعدها من هذه السور فيه قبح في اللفظ؛ فكُرِهَ ذلك إجلالًا للقرآن وتعظيمًا له، ألا ترى أن القارئ يقول: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ فيقع لفظ النفي عقيب لفظ المغفرة، وذلك في السمع قبيح، ويقول: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ فيقع لفظ الويل عقيب اسم الله جلّ ذكره، وذلك قبيح، فاختير لمن يفصل بالسكت بين كل سورتين أن يفصل بين هذه السور بالتسمية، ولمن لا يفصل بالسكت بين كل سورتين أن يفصل بينهما بالسكت (انظر الكشف عن وجوه القراءات ١/ ١٧، ١٨).
[ ١ / ٧٤ ]
وثالثها: وصل الطرف الثاني مع البسملة.
والمراد بالطرفين، أي: آخر السورة المفروغ منها، وأول السورة المبتدأ بها (^١).
وكيفية ذلك:
أن يقول: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
الثانن: (ولا الضالين بسم الله الرحمن الرحيم الم﴾.
الثالث: (ولا الضالين بسم الله الرحمن الرحيم﴾.
ولحمزة وجه واحد، وهو ﴿ولا الضالين الم﴾ (^٢).
ولخلف في اختياره وجهان: الوصل - مثل حمزة - من غير سكتة، و"السكت بينهما" وكلاهما مع عدم البسملة.
ومن بقي - أبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب، وورش من طريق الأزرق - لهم خمسة أوجه: الثلاثة المذكورة أولًا، والوجهان المذكوران لخلف في اختياره (^٣). والله أعلم.
* * *
_________________
(١) هذا بين كل سورتين عدا سورتي الأنفال وبراءة، كما ذكر ابن الباذش في الإقناع (١/ ١٥٨) والمهذب (١/ ٣٥).
(٢) أي أن لحمزة الوصل فقط.
(٣) ومن المعلوم أن لكل واحد من القراء العشرة بين الأنفال وبراءة ثلاثة أوجه: الوقف على آخر الأنفال مع التنفس، والسكت على آخر الأنفال بدون تنفس، ووصل آخر الأنفال بأول براءة.
[ ١ / ٧٥ ]