الحمد لله الذي أنزل الكتاب على عبده ليكون للعالمين نذيرًا، أحمده حق حمده فهو أهل للثناء والحمد. سبحانه لم يجمع العلم لإنسان، ولا قصره على مكان، ولا حصره بزمان؛ بل بثّه سبحانه في العباد والبلاد، ونقله عن الآباء إلى الأولاد، سبحانه جلت قدرته، وعلت حكمته. وأصلي وأسلم على خير البرايا محمد - ﷺ -، من يسر القرآن بلسانه، واختاره لأدائه وبيانه. أصلي وأسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ثم أما بعد: فقد وردت الأخبار الكثيرة عن وجوب تعظيم القرآن، والحث على قراءته، وأنَّ حَمَلَتَه كالنجوم يستضاء بهم في ظلمات البر والبحر، وأنهم أشرافُ الأمة وسادتها، فمن ذلك ما أخرجه البخاري في (صحيحه) عن عثمان بن عفان ﵁ أنّ رسول الله - ﷺ - قال: "خيرُكُم مَنْ تعلَّم القرآنَ وعلَّمه" (^١).
وروى الشيخان عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "مثلُ المؤمنِ الذي يقرأُ القرآنَ مثل الأترجَّةِ (نوع من الفاكهة) ريحُها طيّبٌ وطعمُها طيّبٌ، ومثلُ المؤمنِ الذي لا يقرأُ القرآنَ مثل التمرةِ لا ريحَ لها وطعمُها حلوٌ، ومثل المنافقِ الذي يقرأُ القرآنَ مثل الريحانةِ ريحُها طيّبٌ، وطعمُها مرٌّ، ومثلُ المنافقِ الذي لا يقرأُ القرآنَ مثل الحنظلةِ ليس لها ريحٌ وطعمُها مُرٌّ" (^٢).
_________________
(١) حديث صحيح الإسناد. أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه (٥٠٢٧) عن عثمان عن النبي - ﷺ - قال: .. به.
(٢) حديث حسن الإسناد. أخرجه البخاري في كتاب الأطعمة، باب ذكر الطعام (٥٤٢٧) عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله: .. به.
[ ١ / ١٢ ]
وقد انفرد القرآن من بين الكتب السماوية بتعدد قراءاته، وقد وضع العلماء القواعد، واستقصوا في أوجه القراءات ما يسد باب الرأي من بعدهم.
وقد اعتمد علماء القراءات أنّ كل قراءة وافقت اللغة العربية ووافقت رسم أحد المصاحف العثمانية وصحَّ سندُها فهي القراءة التي يجب قبولها، ولا يحل لأحد جحدها وإنكارها وهي من جملة الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن.
وقد اختلف العلماء في بقاء الأحرف السبعة في المصاحف العثمانية - بناءً على اختلافهم في المراد بالأحرف السبعة - على أقوال:
أولًا: أن المصاحف العثمانية اشتملت على حرف واحد وهو حرف قريش، وأن الأحرف الباقية إما نسخت في زمن النَّبِيّ - ﷺ -، أو اتفق الصحابة على تركها درءًا للفتنة التي كادت تفتك بالأمة عندما اختلف الناس في قراءة القرآن. وإلى ذلك ذهب ابنُ جرير الطبري، وأبو جعفر الطحاوي، وابن حِبّان، والحارث المحاسبي، وأبو عمر بن عبد البر، وأبو عبيد الله بن أبي صفرة (^١).
وقال أبو شامة: وصرَّح أبو جعفر الطبري والأكثرون من بعده بأنه حرف منها (^٢).
وقال أبو عبيد الله بن أبي صفرة: هذه القراءات السبع إنما شرعت من حرف واحد من السبعة المذكورة في الحديث، وهو الذي جمع عثمان عليه المصحف، وهذا ذكره النحاس وغيره (^٣).
وهذا القول مبني على القول بأنّ المراد بالأحرف السبعة سبع لهجات في الكلمة الواحدة باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني، وهو قول ابن جرير ومن وافقه.
ثانيًا: أن المصاحف العثمانية اشتملت على جميع الأحرف السبعة، ولم تُهمل منها حرفًا واحدًا. وهو ما ذهب إليه جماعات من القراء والفقهاء والمتكلمين، وهو الذي
_________________
(١) البرهان في علوم القرآن (١/ ٢٢٤، ٢٢٦، ٢٣٩، ٢٤١، وشرح النووي على صحيح مسلم (١٠٠٦).
(٢) انظر البرهان في علوم القرآن (١/ ٢٢٣).
(٣) انظر البرهان في علوم القرآن (١/ ٢٢٠).
[ ١ / ١٣ ]
اختاره القاضي الباقلاني وابن حزم والداودي وغيرهم. قال الباقلاني: الصحيح أن هذه الأحرف السبعة ظهرت واستفاضت عن رَسُول الله - ﷺ -، وضبطها عنه الأئمة، وأثبتها عثمان والجماعة في المصحف، وأخبروا بصحتها، وإنَّما حذفوا منها ما لم يثبت متواترًا، وأن هذه الأحرف تختلف معانيها تارة وألفاظها أخرى، وليست متضاربة ولا متنافية (^١).
وقال الداودي: وهذه القراءات السبع التي يقرأ الناس اليوم بِها ليس كل حرف منها هو أحد تلك السبعة، بل تكون مفرقة فيها (^٢).
ثالثًا: أن المصاحف العثمانية اشتملت على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة، متضمنة لما ثبت في العرضة الأخيرة. قال ابن الجزري: وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين إلى أن هذه المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمُها من الأحرف السبعة فقط، جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي على جبريل، متضمنة لَها، لم تترك حرفًا منها.
قال: وهذا القول هو الذي يظهر صوابه؛ لأن الأحاديث الصحيحة، والآثار المستفيضة تدلُّ عليه، وتشهد له (^٣). وهذا الرأي هو الذي أميل إليه وأرجحه.
* * *
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي (١٠٠٦)، والبرهان في علوم القرآن (١/ ٢٢٣ - ٢٢٤).
(٢) المرجع السابق.
(٣) النشر في القراءات العشر (٣١١).
[ ١ / ١٤ ]