﴿أعوذ بالله من الشيطان الرجيم * بسم الله الرحمن الرحيم﴾
الوقف على البسملة فيه لجميع القراء: أربعة أوجه: المدِّ، والتوسط، والقصر مع السكون، والرّوم (^١) مع القصر، وهو الإتيان ببعض الحركة، وهو وقف تام.
والوقف على ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [٢] فيه ثلاثة أوجه؛ وهي المذكورة مع السكون، وإذا وقف يعقوب على ﴿الْعَالَمِينَ﴾، ألحق النون بهاء السكت؛ وكذا إذا وقف على ﴿الضَّالِّينَ﴾ (^٢) [٧]، وإذا لم يقف ووصل إلى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [٤].
_________________
(١) والرُّوم هو الإتيان بها ببعض الحركة في الوقف ولهذا ضعف صوتها لقصر زمانها، ويكون بأن تضعف الصوت فلا تشبع ما ترومه وهو يكون في المرفوع منونًا أو غير منون، وفي المضموم، وفي المنصوب غير المنون، والمفتوح، والمجرور بالفتحة أو الكسرة، والمكسور، نحو: ﴿عدُوّ، نستعين، من قبل ومن بعد، بيَ الأعداء، من عاصم، من الماء﴾ وشبهه حيث وقع (انظر الإقناع ١/ ٥٠٤) شرح النويري على طيبة البشر ٣/ ٢٠٩).
(٢) إذا وقف على جمع المذكر السالم أو ما ألحق به نحو ﴿العالمين﴾ ﴿المفلحون﴾ ونحوهما فإن القراء يقفون عليه بالسكون، لأنه أصل الوقف كما قال ابن الجزري: (والأصل في الوقف السكون) وهو على هذا عبارة عن تفريغ الحرف من الحركات الثلاث وذلك لغة أكثر العرب وهو اختيار جماعة، أما يعقوب فإنه يقف عليه بها السكت فيصير النطق ﴿الْعَالَمِينَهْ﴾ ﴿وَلَا الضَّالِينَهْ﴾ وقد رواه عن يعقوب؛ ابنُ سوار، وروى أيضًا عن ابن مهران عن رويس ومقتضى تمثيل ابن سوار إطلاقه في الأسماء والأفعال؛ فإنه مثل بقوله ﴿ينفقون﴾ وروى ابن مهران عن هبة الله التمار تقييده بما يلتبس بهاء الكتابة ومثله بقوله ﴿وتكتموا الحق وأنتم تعلمون﴾ و﴿بما كنتم تدرسون﴾ قال: ومذهب ابن مقسم أن هاء السكت لا تثبت لي الأفعال. (هكذا ذكر النوري في شرح طيبة النشر ٣/ ٢٣٤) والعلة في ذلك: إما كبيان حركة الموقوف عليه، أو طلبًا للراحة حال الوقف، قال ابن الجزري: (وفي مشددِ اسم خلفه - … نحو إليّ هن والبعض نقل. بنحو عالمين موفون) (انظر شرح النويري على طيبة البشر (٣/ ٢٠٤) و(٢/ ٢٣٤) و(١/ ٤٤). وما ذكره من إلحاق هاء السكت بالأفعال فضعيف وغير مقروء به، وقد ذكره في البشر فأشار إلى ضعفه.
[ ١ / ٧٦ ]
قرأ عاصم، والكسائي، ويعقوب، وخلف في اختياره ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [٤] بألف بعد الميم (^١).
وقرأ الباقون (^٢) ﴿مَالِكِ﴾ [٤] بغير ألف (^٣).
وأدغم الميم من ﴿الرَّحِيمِ﴾ [٣] في الميم من ﴿مَالِكِ﴾ [٤] أبو عمرو ويعقوب؛ بخلاف عنهما.
والباقون بغير إدغام.
والوقف على ﴿نستعين﴾ فيه للجميع سبعة أوجه: المد، والتوسط، والقصر مع السكون، وكذا مع الإشمام، والرّوم مع القصر لا غير.
والإشمام هو: إطباق الشفاه من غير صوت بعد السكون (^٤).
والرَّوم هو: الإتيان ببعض الحركة.
والوقف على ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [٤] وعلى ﴿نَسْتَعِينُ﴾ [٥] تامٌّ.
_________________
(١) المالك هو المختص بالملك، أما الملك؛ فهو السيد والرب، وقيل: إن ﴿ملك﴾ يجمع معنى ﴿مالك﴾ وقيل: كل ملك فهو مالك وليس كل مالك ملكًا.
(٢) والباقون هم أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرٍو وابن عامرٍ وحمزة.
(٣) وقد ورد عن النبي - ﷺ - أنه قرأ ﴿مَلِكِ﴾ بغير ألف وروي عنه أيصًا أنه قرأ ﴿مالك﴾ بالألف، وقرأ من الصحابة والتابعين ﴿مَلِكِ﴾ بغير ألف: أبو الدرداء وابن عباس وابن عمر ومروان بن الحكم ومجاهد ويحيى بن وثاب وغيرهم. وممن قرأ ﴿مالك﴾ بالألف من الصحابة والتابعين: عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز. قال الناظم: (مالك (نـ) ـل (ظـ) ـلا (روي) انظر المختار في معاني قراءات أهل الأمصار (ص ٤) وزاد المسير (١/ ١٣) وتفسير ابن كثير (١/ ٢٤). وقراءات النبي ومعه فيه قراءة النبي للمحقق والسبعة لابن مجاهد (١/ ١٠٤) والمبسوط لابن مهران (ص: ٨٦) وإعراب القرآن لأبي جعفر النحاس (١/ ١٢١، ١٢٢).
(٤) وكيفية الإشمام: أن تضم شفتيك بعد الإسكان وتهيئها للفظ بالرفع أو الضم وهو ليس بصوت يسمع وإنما يراه البصير وهو لا يكون في المجرور والمنصوب؛ لأن الفتحة من الخلف، والكسرة من وسط الفم؛ فلا يمكن الإشارة لموضعهما (انظر للمزيد: شرح النويري على طيبة النشر (٣/ ٢٠٤، ٢٠٥) والإقناع (١/ ٥٠٥).
[ ١ / ٧٧ ]
قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [٦ - ٧] قرأ ابن كثير، وأبو جعفر (^١)، وقالون - بخلاف عنه - بصلة ميم الجمع بواو في الوصل (^٢).
والباقون بغير صلة، إلا أن ورشًا إذا جاء بعد ميم الجمع همزة قطع وصلها بواو (^٣).
وقرأ رويس، وقنبل - بخلاف عنه -: "الصراط" و"صراط" بالسين (^٤).
وقرأ حمزة في الحرف الأول المعرف بالإشمام (^٥)، أي: بحرف بين الصاد والزاي، وأشم خلف عن حمزة الحرف الثاني المنكر (^٦)، وجميع ما في القرآن من المعّرف والمنكر (^٧).
_________________
(١) وأبو جفر وابن كثير يضمان كل ميم جمع في جميع القرآن نحو: ﴿عليهمو﴾ ﴿إليهمو﴾ ﴿فيهمو﴾ ﴿ءأنذرتهمو﴾ وبذلك يصير النطق ﴿صراط الذين أنعمت عَلَيهِموُ غير المغضوب عَلَيهِموُ﴾. قال الناظم: وضم ميم الجمع (صـ) ـل (ثـ) ـبت (د) را … قبل محرك وبالخلف (بـ) ـرا
(٢) وبذلك يصير النطق ﴿صراط الذين أنعمت عَلَيهِموُ﴾
(٣) فيكون النطق ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾. وبالخلف (بـ) ـرا وقيل همز القطع ورش … (ثـ) ـبت (د) را وضم ميم الجمع صل
(٤) الصراط والسراط: بمعنى واحد ولكلّ ممن قرأ بالسين أو الصاد حجته، فمن قرأ بالسين قال: إن السين هي أصل الكلمة أما من قرأ بالصاد فقال: إنها أخف على اللسان؛ لأن الصاد حرف مطبق كالطاء فيتقاربان وتحسنان في السمع، والسين حرف مهموس؛ فهو أبعد من الطاء (انظر: شرح النويري على طيبة النشر ٢/ ٤٧، ٤٨، الحجة لابن خالويه ١/ ٣٦، ٣٧، حجة القراءات لابن زنجلة ص ٨٠). قال ابن الجزري: (السراط مع … سراط (ز) ن خلفًا (غـ) ـلا كيف وقع
(٥) ومنه إشمام حرف بحرف كمثالنا. ومنه إشمام حركة بحركة كإشمام حركة الكسر بالفم في ﴿قيل﴾ ﴿غيض﴾ وكقوله ﴿يصدفون﴾ و﴿أصدق﴾ وبابه.
(٦) أي أن خلف عن حمزة قرأ بالصاد المشمة صوت الزاي حيث وقعا، وحجته في ذلك: أنه لما رأى الصاد فيها مخالفة للطاء في الجهر؛ لأن الصاد حرف مهموس والطاء مجهور أشم الصاد لفظ الزاي للجهر الذي فيها؛ فصار قبل الطاء حرف يشابهها في الإطباق وفي الجهر، وفي ذلك يقول الناظم: والصاد كالزاي ضفا الأول قف … وفيه والثاني وذي اللام اختلف (إتحاف فضلاء البشر ١/ ٢٦٥، الكشف عن وجوه القراءات ١/ ٣٤).
(٧) هنا لابد من فائدة تذكر وهي: أنه اختلف عن خلاد على أربعة طرق: الأول: الإشمام في الأول من الفاتحة فقط. الثاني: الإشمام في حرفي الفاتحة فقط. الثالث: الإشمام في المعرف باللام في الفاتحة وجميع القرآن. الرابع: عدم الإشمام في الجميع.
[ ١ / ٧٨ ]
والباقون بالصاد الخالصة.
وقرأ يعقوب وحمزة ﴿عليهم﴾ بضم الهاء (^١) وقفًا ووصلًا (^٢).
والباقون بالكسر (^٣).
والوقف على ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ تامّ. وعلى الألف من "الضالين" مدٌّ لازم، وجميع القراء متفقة على مدّه سواء.
وعلى الياء من ﴿الضَّالِّينَ﴾ مدّ عارض؛ لأن سكون النون عارض، وللفرّاء في الوقف عليه ثلاثة أوجه: المد، والتوسط، والقصر.
* * *
_________________
(١) يلاحظ هنا أن المؤلف فصل بين قراءة لفظ عليهم حيث بدأ به الآية ثم بدأ في شرح القراءات في الآية ثم جاء ليختم به بعد ذلك، وقد كان من الأولى أن يجمع القراءات كلها متتابعة.
(٢) وقد قرأ حمزة ﴿عليهُم﴾ و﴿إليهُم﴾ و﴿لديهُم﴾ يضم الهاء في هذه الأحرف الثلاثة فقط في القرآن الكريم كله، أما يعقوب فقد قرأها بمشتقاتها مثل: ﴿عليهُما﴾ و﴿إليهُما﴾ و﴿عليهُن﴾ و﴿فيهُن﴾ و﴿فيهُم﴾ وكل ما أشبه ذلك من كل هاء قبلها ياء ساكلنة في جميع القرآن بضم الهاء، قال الناظم: عليهمو اليهمو لديهمو … بضم كسر الهاء (ظـ) ـبى (فـ) ـهم وبعد ياء سكنت لا مفردًا … ظاهر (انظر: المبسوط في القراءات العشر ص ٨٧).
(٣) والباقون هم: أبو عمرو وابن عامر وعاصم والكسائي؛ فكانوا يكسرون الهاء ويسكنون الميم، فإذا لقي الميم حرف ساكن اختلفوا؛ فكان ابن كثير ونافع وابن عامر يمضون على كسر الهاء ويضمون الميم إذا لقيها ساكن مثل: ﴿عليِهمُ الذلة﴾ و﴿من دونهِمُّ امرأتين﴾ ويوافقه يعقوب وما أشبهه، وكان أبو عمرو يكسر الهاء والميم فيقرأ ﴿عليهِمِ الذلة﴾ و﴿دونهِمِ امرأتين﴾ قال ابن الجزري: (واكسروا … قبل السكون بعد كسرِ حَرّروُا. وصلًا) (انظر الحجة لابن خالويه ١/ ٤٣، والنشر ١/ ٢٧٢، والمبسوط ص: ٨٨، وشرح طيبة النشر للنويري ٢/ ٥٣).
[ ١ / ٧٩ ]