بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي نزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا. أحمده حق حمده؛ فهو المنفرد بالدوام، المتطوِّل بالإنعام. ﷾ أنزل القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان. أحمده سبحانه على جميع نعمه، وأشكره على تتابع آلائه ومننه. وأصلي وأسلم على سيد ولد آدم محمد - ﷺ - النبي العربي الهاشمي القرشي خير من مشى على وجه الأرض، من أُنزِل عليه القرآن فكان خلقه القرآن، وكان قرآنا يمشي على الأرض.
وبعد: فإنّ "القرآن الكريم هو الوحي المنزل على محمد للبيان والإعجاز، والقراءات هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتابة الحروف أو كيفياتها من تخفيف وتثقيل وغيرها" (^١).
ولذلك فإنّ تعدد القراءات لا يعني جعل كل منها قرآنًا يغير حكمًا أو يبدل مضمونًا، كما زعم أولو الزيغ وأثاروا هذه الفكرة المردودة لدى مَنْ له أدنى إلمام بالعربية وسعة مادتها. وليس تحصيلُ هذا العلم بالأمر السهل فيناله الطالب دونما جهد أو تعب، ولذا فقد بذلتِ الطاقات لتذليل المصاعب، فصيغ شعرًا يتضمن رموزًا تبعث الأضواء في درب المسيرة، تسهيلًا لهذه الغاية السامية التي تتعشّقها أفئدةٌ عرفت منزلةَ القرآن الكريم ورفعته.
وعلم القراءات: هو العلم بكيفية أداء الكلمات القرآنية من حيث الوجه الأدائي نطقًا ولغة، اتفاقًا واختلافًا، مع عزوه لناقله؛ وأعني بقولي: (نطقًا) معرفة كيفية نطق الكلمة من حيث النقل والفصل والرسم .. الخ. وأعني بقولي (لغة) ما ورد فيه الخلاف بين الأئمة في اللفظ المختلف فيه من حيث الأوجه.
_________________
(١) البرهان ١/ ٣١٨.
[ ١ / ٩ ]
ولقد قيّض المولى ﷿ لهذا الكتاب من يقوم على حفظه منذ نزوله حتى يومنا هذا، فتلقاه الصحابة عن النبيِّ - ﷺ - فحفظوه ووعوه في قلوبهم وعقولهم وصدورهم بجميع قراءاته ورواياته، وعندما حدثت حركةُ الفتوحات الإسلامية تفرّق الصحابة في سائر الأمصار، فتلقاه عنهم أهل هذه البلاد وتلقاه عنهم من جاء بعدهم.
ولقد قام جهابذة العلماء، فجمعوا الحروف والقراءات، وعزوا الوجوه والروايات، وفرقوا بين الصحيح المتواتر وبين المشهور والشاذ؛ ووضح هؤلاء الأئمة أن القراءة التي لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، ويجب على الناس قبولها، هي تلك الحروف التي نزل القرآن بها، سواء كانت عن الأئمة السبعة أم عن الأئمة العشرة.
ولقد تعددتِ الكتبُ التي تناولت علم القراءات منذ عصر الكتابة الأول إلى عصرنا هذا، وتراوحت تلك الأعمال ما بين الصغير والمتوسط والكبير، ويعدُّ كتابُنا هذا "البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة" لأبي حفص سراج الدين عمر بن زين الدين قاسم بن شمس الدين محمد بن علي الأنصاري النشار المتوفى سنة ٩٣٧ هـ. من هذه الكتب التي قدمت القراءات القرآنية في صورة سهلة لمن أراد أن يتعلّم القراءات القرآنية بصورة سلسة؛ حيث إن الكتاب يتناول السور القرآنية والآيات القرآنية بصورة متتابعة تسهل على المتعلم المراجعة، وعلى الرغم من أنّ هناك بعض الأخطاء التي وقع فيها المؤلف إلا أن هذه الأخطاء لا تقدح في قيمة الكتاب العلمية، ولله الحمد والمن؛ فقد نبهنا على هذه الأخطاء في أماكنها، وقمنا بالتعليق عليها حتى لا يحدث لبس عند المتلقي، ولقد وضحنا منهجنا في العمل في المقدمة التالية لهذه الصفحات.
ولقد حاولنا في هذا العمل المتواضع الذي قمنا به توضيح كل غامض، وتبيين ما لم يقم المؤلف به من توجيه للقراءة، وذكر للمتشابه، أو الذي غفل عنه المؤلف، وذلك حتى يكون بين يدي المتعلم ما يتوق إليه.
والله أرجو أن يجعل في هذا العمل القبول والنفع، وإن كان في هذا العمل من جهد فمن الله، وما كان فيه من تقصير فمني ومن نفسي ..
والله أسأل أن يجازي كلَّ من ساهم في هذا العمل من صف أو قراءة أو مراجعة الخير
[ ١ / ١٠ ]
والجزاء، وأخص بالذكر الأخ الفاضل أحمد عبد الرازق البكري الذي بذل مجهودًا كبيرًا في مراجعة التوجيه اللغوي، وكانت له ملاحظات جيدة، كما أخص بالشكر الأخ الفاضل الشيخ محمد أحمد المنشد قاطن المنيا، الذي قام بمراجعة شواهد الكتاب؛ فالله أسأل أن ينفعهما بما قاما به من جهد.
وفي النهاية أرجو من الله ﷿ أن يعينني على إخراج بقية هذه السلسلة "سلسلة مكتبة القراءات وعلوم القرآن". وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
أ. د. أحمد عيسى المعصراوي
شيخ عموم المقاريء المصرية
ورئيس لجنة مراجعة المصحف الشريف
وأستاذ الحديث وعلوم السنة - جامعة الأزهر
[ ١ / ١١ ]