﷽
قال الشيخ المقرئ الإمام أَبو القاسم عبد الرحمن بن أَبي بكر بن أَبي سعيد القرشي الصقلي ﵀ وعفا عنه:
الحمد للهِ العالم بمقاديرِ الأمورِ، المطلعِ على مضمراتِ الصُّدورِ، السابقِ في الأَشياءِ أَمرُهُ، الماضي فيها قَدَرُهُ، الراسخِ في الأقدار عِلْمُهُ، النافذِ في الخلق حُكْمُهُ، أَحاط بالأشياء علمُهُ، ونَفَذَ فيها حكمُهُ، وذَّللها عزه، وأحصاهَا حفظه، فلم تعزب عنه غيوب خفيات الهوا، ولا غامض سواتر مكنون ظُلَمِ الدُّجَى، ولا ما في السماوات العُلَى، والأَرضين السفلى، ابتدع ما خلق بلا مثال سَبَقَ، ولا تَعَبٍ ولا نَصَب.
والحمد لله الذي أَعذب أَلسن الذاكرين بحلاوة ذكره، وأَرهب قلوب المتفكرين من مخافة مكره، وأَيَّد المؤمنين منه بجميل نصره، ووهب المزيد من نعمه لِمُديم شُكره، وجعل أَهل المعاصي تكرمًا في خَفِيِّ ستره، الباسط بالخير يده، الَّذي لا تنقص خزائنه، ولا تنفد مواهبه، ولا تُرَدُّ عزائمه، ولا تحصى عجائبه، الَّذي أَذل الجبارين بعزته، وقمع المتكبرين بسلطان ملكوته، وقهرهم ببقائه وديموميته، فالخلق له
[ ٨٥ ]
داخرون، ومن بعد موتهم إليه راجعون.
وأَشهد أَنْ لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له شهادة أدخرها لوفاتي، وأختم بالإقرار بها آخر حياتي، شهادةَ معترفٍ بأَن الله وليُّه ومَوْلاه، ولا خالق له سواه، وأَشهد أَنَّ محمدًا عبده المصطفى، ورسوله المرتضى، بعثه بكتابه الناطق، ووحيه الصادق، ونوره الساطع، وبرهانه اللامع، وحججه القواطع، والناس في ظلمات الجاهلية وضلالتها، تعبد أَصنامها وأَوثانها، وتستقسم بأزلامها، فقطع به العذر، وأَثبت به الحجَّة، وهَدَى به من العمى، وبَصَّر به من المحجة، وأكمل به الإيمان، وعصم به من الطغيان، وحسم به سلطان الضَّلالة، وأَخمد به نار الجهالة، وأَظهر به الحق، وأَمات به الكفر والفسق، أَكرمه بالروح الأَمين والكتاب المستبين، وختم به النبيين، وتمم به عَددَ المرسَلين، خليفته على عباده، وأمينه في بلاده، سِراجٌ لمع ضوؤه، وشهاب سطع نوره، بَعثهُ بالآيات، وأَنزل عليه المحكمات، فصدع بمَا أَمر، وبَلَّغَ ما به أُرسل، وقام بما حُمِّل، حتى أَذعن الخلق لله بالربوبية، وأَقروا له بالوحدانية، اختصه بالقرآن العظيم، والذكر الحكيم، والسنة العادلة، والشريعة الفاضلة، والدرجة العليا، والطريقة المثلى، فصلى الله عليه بكل منقبةٍ من مناقبه، وضَرِيبةٍ من ضرائبه، ومتصرفات مذاهبه، وفي كل حال من حالاته، وساعة من ساعاته، ومقام من مقاماته، أَفضلَ ما صلَّى على نبي من أَنبيائه، وعَظَّمَ بُرهانَهُ، وأَظهر في القيامة نوره وشانه، وكرَّم مثواه، وأَجزل له عَطَاهُ وبلَّغه منه مناه، وأَنجز له ما وعده بانبعاثه، عَدْلَ الشهادة، مقبولَ الشفاعة، ذا منطق فصل، ومقام أَمين، صلى الله عليه وعلى آله أَجمعين، وعلى جميع النبيين والمرسلين وعلى صحابته البررة المتقين وأَزواجه الطاهرات أُمهات المؤمنين، والسلام عليهم أَجمعين.
[ ٨٦ ]
أما بعد سؤالك إِياي عند قراءتك عليَّ وعلمي بصونك، وحرصي على سارك لمقصدك، فإني أَجبت سؤالك، وأَسعفتك طَلِبَتَك، لما في ذلك من جزيل الثواب، وحسن المآب، لمن عَلَّمَ كتاب الله العزيز، جعلنا الله وإياك والمسلمين من أَهلِه، وعصَمنا الله وإِياك وهم من الهوى وسلوك الضلالة والرياء، نسأله ﷿ التوفيق في القول والعمل، وهو حسبي ونعمَ الوكيل.
وقد جمعت لك في هذا الكتاب من أُصول قراءتي، وشرحت لك تأدية روايتي، من طرق رغبت إِليَّ فيها، واقتصرت عليها، إِرادة الاختصار، ولعمري لقد كفانا مشايخنا الأَئمة المرضيُّون من ذكر مناقب القراء وبيان مذاهبهم ما فيه مقنع لمن طلبه، وإِنما القصد بالإيجاز والاختصار رَغْبَةً في الحفظ، وخوف الملل لعَدم الطالبين وقلَّة الراغبين، وسميته بكتاب (التجريد لبغية المريد) وجميع فيه الكثير باللفظ اليسير، وتوسلت بالأسهل عن الأَصعب، والأَقرب عن الأَبعد. واللهَ أَسأَل أن يجنبني من التكلف فيما قصدت لقوله ﷾: ﴿قُلْ مَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص ٨٦] وهو تعالى ولي كل نعمةٍ، ومنتهى كل رغبة، وهو حسبي ونعم الوكيل.
* * *
[ ٨٧ ]