اعلموا أن أصناف هذه الحروف التي تتميز بها بعد خروجها من مواضعها التي بيناها ستة عشر صنفًا: المهموسة، والمجهورة، والشديدة، والرخوة، والمطبقة، والمنفتحة، والمستعلية، والمستفلة، وحروف المد واللين، وحروف الصفير، والمتفشي، والمستطيل، والمتكرر، والمنحرف، والهاوي، وحرفا الغنة.
فالمهموسة عشرة أحرف، يجمعها قولك: كسف شخصه تحث: الهاء والحاء والخاء والكاف والسين والشين والصاد والتاء والثاء والفاء. ومعنى المهموس أنه حرفٌ أضعف الاعتماد في موضعه، فجرى معه النفس.
والمجهورة هي ما عدا المهموسة، وهي تسعة عشر حرفًا، يجمعها قولك: ظل قيد بضغم زر بطا واذ نعج، ومعنى المجهورة أنه حرفٌ قوي الاعتماد في موضعه، فمنع النفس أن يجري معه. والهمس الإخفاء، والجهر الإعلان.
والشديد ثمانية أحرف، يجمعها: أجدك قطبت، الهمزة والقاف والكاف والجيم والدال والتاء والطاء والباء. ومعنى الشديد أنه حرفٌ اشتد لزومه لموضعه حتى منع الصوت أن يجري معه، نحو أج والحج، فليس يجري في الجيم
[ ١٠٧ ]
الصوت.
وما عدا هذه الشديدة على نوعين: شديد يجري فيه الصوت ورخو:
أما الشديد الذي يجري فيه الصوت فخمسة أحرف، يجمعها قولك: لم نرع، العين والنون واللام والراء والميم، اشتد لزومها لموضعها، ثم تجافى بها اللسان عن موضعها فجرى فيها الصوت لتجافيها. أما العين فتجافى بها اللسان فجرى فيها الصوت لشبهها بالحاء. وأما الراء فتجافى بها اللسان عن موضعها للتكرير الذي فيها، فجرى فيها الصوت. وأما اللام فتجافى ما فوق حافة اللسان بها عن موضعها لانحرافها، فجرى فيها الصوت لا من موضع اللام ولكن من ناحيتي مستدق اللسان فويق ذلك. وأما النون والميم فتجافى اللسان بهما إلى موضع الغنة، وهو الأنف، فجرى فيها الصوت.
وأما الرخوة فثلاثة عشر حرفًا، يجمعها قولك: خس حظ شص هز ضغث فذ، الهاء والحاء والغين والخاء والشين والصاد والزاي والسين والظاء والذال والثاء والضاد والفاء. ومعنى الرخو أنك إذا قلت: الظش والغض أجريت فيه الصوت إن شئت.
والمطبقة أربعة أحرف: الصاد والضاد والطاء والظاء، ومعنى الإطباق أنك تطبق اللسان على الحنك، والمنفتحة ماعدا هذه المطبقة، سميت منفتحة لأنك لا تطبق بشيء منها لسانك على الحنك.
والمستعلية سبعة أحرف، يجمعها قولك: ضغط خص قظ، الخاء والغين والقاف والصاد والضاد والطاء والظاء، سميت مستعلية لأن اللسان يعلو بها إلى جهة
[ ١٠٨ ]
الحنك، ولذلك تمنع الإمالة، إلا أنها على ضربين: منها ما يعلو اللسان به وينطبق، وهي حروف الإطباق الأربعة، ومنها ما يعلو ولا ينطبق، وهي ثلاثة: الغين والخاء والقاف.
والمستفلة ما عدا هذه المستعلية، سميت مستفلةً لأن اللسان لا يعلو بها إلى جهة الحنك.
والممدودة ثلاثة أحرف: الياء والواو والألف، سميت ممدودةً لأن الصوت يمتد بها بعد إخراجها من موضعها، إلا أن المد الذي في الألف أكثر من المد الذي في الياء والواو، لأن اتساع الصوت بمخرج الألف أشد من اتساعه لهما، لأنك قد تضم شفتيك في الواو، وترفع لسانك قبل الحنك في الياء، وتسمى أيضًا حروف اللين لضعفها وخفائها وأن الحركات مأخوذة منها، فالفتحة من الألف، والكسرة من الياء، والضمة من الواو.
وحروف الصفير ثلاثة: الصاد والزاي والسين، سميت بذلك لأنك تسمع فيها شبيهًا بالصفير عند إخراجها من مواضعها.
والمتفشي حرفٌ واحد وهو الشين، تفشت في الفم لرخاوتها حتى اتصلت
[ ١٠٩ ]
بمخرج الظاء، وكذلك الفاء تفشت حتى اتصلت بمخرج الثاء، ولذلك تبدل منها، فيقال: جدفٌ وجدثٌ.
والمستطيل حرفٌ واحد، وهو الضاد، استطالت في الفم لرخاوتها حتى اتصلت بمخرج اللام، ولذلك أدغمت اللام فيها وفي الشين في نحو: ولا الضالين والشاكرين.
والمكرر حرفٌ واحدٌ، وهو الراء، ويتبين ذلك فيه إذا وقف عليه وأخلص سكونه، وهو حرفٌ شديدٌ جرى فيه الصوت لتكريره وانحرافه إلى اللام.
[والمنحرف حرف واحد، وهو اللام. وقال الكوفيون:] المنحرف المكرر هو الراء، لأنه ينحرف عن مخرج النون إلى مخرج اللام، ولأن الناطق به كأنه ناطق براءين.
والهاوي حرفٌ واحدٌ، وهو الألف، وهو حرفٌ اتسع مخرجه لهواء الصوت أشد من اتساع غيره.
[ ١١٠ ]
وحرفا الغنة الميم والنون، لأنهما غنة في الخيشوم، ألا ترى أنك إذا أمسكت بأنفك ثم نطقت بهما لم يجر فيهما صوت الغنة. والخيشوم الخرق المنجذب إلى داخل الفم. ويسمى الميم الحرف الراجع، لأنها ترجع إلى الخيشوم، لما فيها من الغنة، وهي أقوى من النون، لأن لفظها لا يزول، ولفظ النون قد يزول عنها، فلا يبقى منها إلا غنةٌ، ولذلك لم تدغم الميم فيها ولا في شيء من مقاربها.