اعلموا أن التحقيق الوارد عن أئمة القراءة حده أن توفى الحروف حقوقها، من المد إن كانت ممدودة، ومن التمكين إن كانت ممكنة، ومن الهمز إن كانت مهموزة، ومن التشديد إن كانت مشددة، ومن الإدغام إن كانت مدغمة، ومن الفتح إن كانت مفتوحة، ومن الإمالة إن كانت ممالة، ومن الحركة إن كانت متحركة ومن السكون إن كانت مسكنة، من غير تجاوز ولا تعسف ولا إفراط ولا تكلف، على ما نبينه في ما بعد، إن شاء الله تعالى.
فأما ما يذهب إليه بعض أهل الغباوة من أهل الأداء من الإفراط في التمطيط والتعسف في التفكيك والإسراف في إشباع الحركات وتلخيص السواكن، إلى غير ذلك من الألفاظ المستبشعة والمذاهب المكروهة -فخارج عن مذاهب الأئمة وجمهور سلف الأمة، وقد وردت الآثار عنهم بكراهة ذلك، وبكيفية حقيقته، ونحن نذكر ما رويناه من ذلك ليعمل على ما حددناه ووصفناه، إن شاء الله تعالى.
ذكر ذلك:
حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا ابن مجاهد، حدثنا علي بن الحسن، قال:
[ ٨٩ ]
سمعت محمد بن الهيثم يقول: حدثني عبد الرحمن بن أبي حماد قال: سمعت حمزة يقول: إن لهذا التحقيق منتهى ينتهي إليه ثم يكون قبيحًا، مثل البياض له منتهى ينتهي إليه، فإذا زاد صار برصًا، ومثل الجعودة لها منتهىً تنتهي إليه، فإذا زادت صارت قططًا.
أخبرنا عبد العزيز بن جعفر، حدثنا عبد الواحد بن عمر، حدثنا عبد الله بن سليمان، حدثنا محمد بن يحيى النيسابوري، حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: قال لي حمزة: إني أكره ما تجيئون به، يعني من التشديد.
حدثنا عمر بن علي، حدثنا أحمد بن موسى، قال: حدثني علي بن الحسن، قال محمد بن الهيثم: واحتج من عاب قراءة حمزة بعبد الله بن إدريس أنه طعن فيها، وإنما كان سبب هذا أن رجلًا ممن قرأ على سليم حضر مجلس عبد الله بن إدريس فقرأ، فسمع ابن إدريس ألفاظًا فيها إفراط في الهمز والمد وغير ذلك من التكلف المكروه، فكره ذلك ابن إدريس وطعن فيه. وقال محمد: وهذا الطريق عندنا مكروه مذموم، وكان حمزة يكره هذا وينهى عنه، وكذلك من أتقن القراءة من أصحابه.
[ ٩٠ ]
حدثنا أبو القاسم الفارسي، حدثنا أبو طاهر بن أبي هاشم، قال: حدثني عبد الله، يعني ابن أبي داود، عن أبيه، عن شيخ له، عن آخر، قال: قال رجل لحمزة: يا أبا عمارة رأيت رجلًا من أصحابك همز حتى انقطع زره. فقال: لم آمرهم بهذا كله.
حدثنا عبد العزيز بن جعفر، حدثنا عبد الواحد بن عمر، حدثنا ابن فرح، حدثنا أبو عمر، قال: سمعت سليمًا يقول: وقف الثوري على حمزة، فقال: يا أبا عمارة ما هذا الهمز والمد والقطع الشديد؟ فقال: يا أبا عبد الله هذه رياضة للمتعلم. قال: صدقت.
قال أبو عمرو: ولهذا المعنى الذي ذكره حمزة -﵀- يرخص في المبالغة في التحقيق من يرخص من الشيوخ المتقدمين والقراء السالفين لترتاض به ألسنة المبتدئين وتتحكم فيه طباع المتعلمين، ثم يعرفون بعد حقيقته ويوقفون على المراد من كيفيته.
فأما استعماله على غير ذلك فلا سبيل إليه البتة، للمتقدم من الأخبار عن الأئمة بكراهته والعدول عنه. وقد حدثني الحسين بن علي بن شاكر
[ ٩١ ]
البصري، حدثنا أحمد بن نصر المقرئ، قال: فأما الإسراف في التحقيق الخارج عن التجويد فمعيب مذموم. قال: سمعت ابن مجاهد وقد سئل عن وقف حمزة على الساكن قبل الهمزة، وإفراطه في المد، إلى غير ذلك، قال: كان حمزة يأخذ بذلك على المتعلم، ومراده أن يصل إلى ما نحن عليه من إعطاء الحروف حقوقها.
قال أبو عمرو: وقد جاء هذا عن حمزة منصوصًا، فحدثنا به عبد العزيز بن جعفر المقرئ، أن عبد الواحد بن عمر حدثهم، قال: حدثني أحمد بن عبيد الله، حدثنا عبد الله بن شعيب. قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم المقرئ، عن خلف بن هشام، قال: سألت سليم بن عيسى عن التحقيق. فقال: سمعت حمزة يقول: إنا جعلنا هذا التحقيق ليستمر عليه المتعلم.
أخبرني محمد بن عبد الواحد البغدادي، أن أحمد بن نصر حدثهم، قال: حدثنا ابن شنبوذ، قال: حدثنا محمد بن حيان، حدثنا أبو حمدون، حدثنا سليم، قال: سمعت حمزة يقول: إنما أزيد على الغلام في المد ليأتي بالمعنى.
حدثنا فارس بن أحمد، حدثنا عبد الله بن الحسين، حدثنا أبو بكر الأدمي، عن أبي أيوب الضبي، عن رجاء بن عيسى، عن إبراهيم بن زربي أنه قرأ على سليمٍ وأنه قرأ على حمزة بمد بين مدين، وكسر بين كسرتين.
حدثني الحسين بن علي بن شاكر، حدثنا أحمد بن نصر، حدثنا شيخنا -يعني ابن مجاهد- حدثنا محمد بن عيسى المقرئ، حدثنا محمد بن يزيد بن رفاعة، قال:
[ ٩٢ ]
سمعت أبا بكر بن عياش يقول: إمامنا يهمز (مؤصدة) فأشتهي أن أسد أذني إذا سمعته يهمزها. قال أبو عمرو: وقول أبي بكر إمامنا يعني إمام مسجدهم، مسجد بني السيد بالكوفة، كان يقرأ بحرف حمزة.
حدثنا خلف بن إبراهيم، حدثنا محمد بن أشتة حدثنا إبراهيم بن جعفر، عن يوسف بن جعفر، عن إبراهيم بن الحسن، حدثنا علي بن بشر، حدثنا جعفر بن شكل، قال: جاء رجل إلى نافع فقال: تأخذ علي الحدر، فقال نافع: ما الحدر؟ ما أعرفها، أسمعنا. قال: فقرأ الرجل، فقال نافع: الحدر، أو قال حدرنا، أن لا نسقط الإعراب، ولا ننفي الحروب، ولا نخفف مشددًا، [ولا نشدد مخففًا]، ولا نقصر ممدودًا، ولا نمد مقصورًا، قراءتنا قراءة أكابر أصحاب رسول الله - ﷺ - سهلٌ جزلٌ، لا نمضغ ولا نلوك، ننبر ولا نبتهر، نسهل ولا نشدد، نقرأ على أفصح اللغات وأمضاها، ولا نلتفت إلى أقاويل الشعراء وأصحاب اللغات، أصاغر عن أكابر، ملي عن وفي، ديننا دين العجائز، وقراءتنا قراءة المشايخ، نسمع في القرآن، ولا نستعمل فيه بالرأي، ثم تلا نافع: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ..﴾ إلى آخر الآية.
[ ٩٣ ]
قال أبو عمرو: وهذا كلام من أيد ووفق ونصر وفهم وجعل إمامًا عالمًا، وعلمًا يقتفى أثره، ويتبع سننه. وهذه الطريقة التي وصفها وبينها وأوضحها وعرف أن الصحابة -رضوان الله عليهم- احتذوها، هي التي يجب على قراء القرآن أن يمتثلوها في التحقيق، ويسلكوها في التجويد، وينبذوا ما سواها مما هو مخالف لها وخارج عنها. وعلى ذلك وجدنا الأئمة من القراء والاكابر من أهل الأداء:
حدثنا أبو محمد سليمان بن أبي الوليد الإمام وغيره، قالوا: حدثنا محمد بن علي المقرئ، قال: حدثني محمد بن سعيد، عن أبي جعفر أحمد بن هلال، قال: حدثني محمد بن سلمة العثماني، قال: قال أبي: قلت لورش: كيف كان يقرأ نافع؟ قال: كان يقرأ لا مشددًا ولا مرسلًا، بينًا حسنًا.
قال ابن هلال. والذي أقرأه وأقرئ به الوسط من اللفظ، ما يصلح للمحاريب. وهو مذهب أبي يعقوب عن ورش عن نافع.
حدثنا محمد بن علي، حدثنا ابن مجاهد، قال: كان أبو عمرو يسهل القراءة، غير متكلف، يؤثر التخفيف ما وجد إليه السبيل.
حدثني الحسين بن علي، حدثنا أحمد بن نصر بن منصور، ووصف قراءة أئمة القراءة السبعة، قال:
[ ٩٤ ]
فأما صفة قراءة من انتحل ابن كثير فحسنةٌ، مجهورةٌ بتمكين بينٍ.
وأما وصف قراءة من ينتحل نافعًا فسلسلةٌ لها أدنى تمديد.
وأما صفة قراءة من ينتحل عاصمًا فمترسلةٌ جريشةٌ، ذات ترتيل وكان عاصم نفسه موصوفًا بحسن الصوت وتجويد القراءة.
وأما صفة من ينتحل قراءة حمزة فأكثر من رأينا منهم ما ينبغي أن تحكى قراءته لفسادها ولأنها مصنوعة من تلقاء أنفسهم، وأما من كان منهم يعدل في قراءته حدرًا أو تحقيقًا فصفتها المد العدل والقصر والهمز المقوم والتشديد المجود، بلا تمطيط ولا تشديقٍ ولا تعلية صوتٍ ولا ترعيدٍ، فهذه صفة التحقيق. وأما الحدر فسهل التكلف في أدنى ترتيل وأيسر تقطيع.
وأما وصف قراءة من ينتحل قراءة الكسائي فبين الوصفين، في اعتدال.
وأما أصحاب قراءة ابن عامر فيضطربون في التقويم، ويخرجون عن الاعتدال.
وأما صفة من ينتحل قراءة أبي عمرو فالتوسط والتدوير وهمزها سليمٌ من اللكز. وتشديدها خارج عن التمضيغ، بترسلٍ جزلٍ وحدرٍ بينٍ سهلٍ يتلو
[ ٩٥ ]
بعضها بعضًا.
قال: وإلى هذا كان يذهب ابن مجاهد، في هذه القراءة وغيرها، وبه قرأنا عليه، وبه كان يختار، وبمثله كان يأخذ ابن المنادي، رحمة الله عليهما. والله الهادي.
[ ٩٦ ]