اعلموا -أيدكم الله بتوفيقه- أن التجويد مصدر جودت الشيء. ومعناه انتهاء الغاية في إتقانه، وبلوغ النهاية في تحسينه، ولذلك يقال: جود فلان في كذا، إذا فعل ذلك جيدًا، والاسم منه الجودة. فتجويد القرآن هو إعطاء الحروف حقوقها وترتيبها مراتبها، ورد الحرف من حروف المعجم إلى مخرجه وأصله وإلحاقه بنظيره وشكله، وإشباع لفظه، وتمكين النطق به على حال صيغته وهيئته من غير إسرافٍ ولا تعسفٍ، ولا إفراطٍ ولا تكلفٍ، وليس بين التجويد وتركه إلا رياضة من تدبره بفكه.
[ ٧٠ ]
والترتيل مصدر رتل فلانٌ كلامه: أتبع بعضه بعضًا على مكثٍ وتؤدةٍ، والاسم منه الرتل، والعرب تقول: ثغرٌ رتلٌ إذا كان متفرقًا. وهو صفةٌ من صفات التحقيق وليس به، لأن الترتيل يكون بالهمز وتركه والقصر لحرف المد والتخفيف والاختلاس، وليس ذلك في التحقيق.
وقال الله تعالى مؤدبًا لنبيه وحاثًا لأمته على الاقتداء به: ﴿ورتل القرآن ترتيلًا﴾، أي تلبث في قراءته، وافصل الحرف من الحرف الذي بعده، ولا تستعجل فتدخل بعض الحروف في بعض. واشتقاقه من الرتل. قال صاحب العين: رتلت الكلام تمهلت فيه. وثغرٌ رتلٌ حسن التنضيد. وقال الأصمعي: وفي الأسنان الرتل وهو أن يكون بين الأسنان الفرج، لا يركب بعضها بعضًا.
ولم يقتصر ﷾ على الأمر بالفعل حتى أكده بمصدره تعظيمًا لشأنه، وترغيبًا في ثوابه، وقال تعالى: ﴿ورتلناه ترتيلاٍ﴾. أي أنزلناه على الترتيل،
[ ٧١ ]
وهو التمكث، وهو ضد العجلة. وقال ﷾: ﴿وقرآنًا فرقناه لتقرأه على الناس على مكثٍ﴾. أي على ترسلٍ.
والتحقيق مصدر حققت الشيء، أي عرفته يقينًا. والعرب تقول بلغت حقيقة هذا الأمر، أي بلغت يقين شأنه والاسم منه الحق، فمعناه أن يؤتى بالشيء على حقه من غير زيادةٍ فيه ولا نقصانٍ منه.
والترتيل يكون للتدبر والتفكر والاستنباط، والتحقيق لرياضة الألسن وترقيق الألفاظ الغليظة وإقامة القراءة، وإعطاء كل حرفٍ حقه من المد والهمز والإشباع والتفكيك، ويؤمن معه تحريك ساكنٍ واختلاس حركة متحرك.
وتفكيك الحروف وفكها: بيانها وإخراج بعضها من بعضٍ بتيسرٍ وترسلٍ، ومن ذلك فك الرقبة وفك الأسير، لأنه إخراجهما من الرق والأسر، وكذلك فك الرهن هو إخراجه من الارتهان، وفك الأعضاء هو إخراجها من مواضعها، وفك الكتاب هو استخراج ما فيه.
وكتاب الله تعالى يقرأ بالترتيل والتحقيق، وبالحدر والتخفيف، وبالهمز وتركه، وبالمد وقصره، وبالبيان والإدغام، وبالإمالة والتفخيم.
[ ٧٢ ]
وإنما يستعمل القارئ الحدر والهذرمة، وهما سرعة القراءة مع تقويم الألفاظ وتمكين الحروف، لتكثر حسناته، إذ كان له بكل حرفٍ عشر حسناتٍ، وذلك بعد معرفته بالهمز من غير لكزٍ، والمد من غير تمطيطٍ، والتشديد من غير تمضيغٍ، والإشباع من غير تكلف.
فهذا معنى التجويد وحقيقة الترتيل والتحقيق، على ما توجبه اللغة وما حكاه أهل العلم بالقراءة والمعرفة بالأداء. فنحن نورد من الآثار ما يدل على صحة ما نقلناه، ويحث على استعمال ما وصفناه، إن شاء الله تعالى.
ذكر ذلك ..
حدثنا محمد بن خليفة الإمام، حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد، حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى، حدثنا مالك بن سعير، حدثنا ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، في هذه الآية ﴿ورتل القرآن ترتيلًا﴾، قال بينه بيانًا.
[ ٧٣ ]
حدثنا خلف بن إبراهيم المقرئ، حدثنا أحمد بن محمد المكي، حدثنا علي ابن عبد العزيز، حدثنا القاسم بن سلام، حدثنا حجاج، عن ابن جريج عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿ورتل القرآن ترتيلًا﴾ قال: ترسل فيه ترسلًا.
حدثنا محمد بن خليفة، حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا جعفر بن محمد، حدثنا أبو بكر بن زنجويه، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا سفيان، عن عبيد المكتب، عن مجاهد، في قوله تعالى: ﴿لتقرأه على الناس على مكثٍ﴾، قال: على تؤدة.
حدثنا خلف بن أحمد بن هشام، حدثنا زياد بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن يحيى بن حميد، عن محمد بن يحيى بن سلام، عن أبيه، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود القرشي، أن رسول الله - ﷺ - كان يفسر ويرتل إذا قرأ.
حدثنا علي بن خلف المكي، حدثنا علي بن مسرور، حدثنا أحمد بن علي
[ ٧٤ ]
ابن أبي سليمان، عن سحنون، عن عبد الرحمن، عن مالك، عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيد، عن المطلب بن أبي وداعة، عن حفصة أم المؤمنين -﵂- أنها قالت: ما رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي في سبحته قاعدًا قط حتى [كان] قبل وفاته بعام، فكان يصلي في سبحته قاعدًا، ويقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها.
حدثنا خلف بن حمدان، حدثنا أبو بكر المكي، حدثنا علي عن أبي عبيد، حدثنا أحمد بن عثمان، عن عبد الله بن المبارك، عن الليث بن سعد، عن ابن أبي مليكة، عن يعلى بن مملك، عن أم سلمة -﵂- أنها نعتت قراءة رسول الله - ﷺ - مفسرةً حرفًا حرفًا.
حدثنا فارس بن أحمد بن موسى المقرئ، حدثنا أحمد بن محمد وعبيد بن محمد، قالا: حدثنا علي بن الحسن القاضي، حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا
[ ٧٥ ]
وكيع، عن نافع، عن ابن عمر، عن ابن أبي مليكة، عن بعض أزواج النبي - ﷺ - ورضي عنهن -أنها سئلت عن قراءة النبي - ﷺ - فقالت: إنكم لا تستطيعونها. فقالوا: إنها أخبرتنا فقرأت قراءة ترسلت بها.
حدثنا عبد الرحمن بن عثمان بن عفان القشيري، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا جرير بن حازم، عن قتادة، قال: سألت أنس بن مالك عن قراءة رسول الله - ﷺ - قال: كان يمد صوته مدًا.
حدثنا الخاقاني خلف بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن محمد، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا القاسم بن سلام، حدثنا يزيد عن يحيى بن سعيد، عن رجل حدثه عن أبيه أنه سأل زيد بن ثابت عن قراءة القرآن في سبع، فقال: حسنٌ، ولأن أقرأه في عشرين أو في النصف أحب إلي من أن أقرأه في سبعٍ، وسألني عن ذلك، أردده وأقف عليه.
حدثنا فارس بن أحمد حدثنا أحمد بن محمد، وعبيد الله بن محمد، قالا: حدثنا علي بن حرب، حدثنا يوسف بن موسى، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل،
[ ٧٦ ]
عن أبي إسحاق، عن علقمة والأسود، عن عبد الله، قال: أتاه رجل فقال: أقرأ القرآن، بالمفصل في ركعة، فقال: هذا كهذ الشعر، ونثرًا كنثر الدقل.
حدثنا خلف بن حمدان، حدثنا أحمد بن محمد حدثنا علي، حدثنا أبو عبيد، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: قرأ علقمة على عبد الله فكأنه عجل، فقال عبد الله: فداك أبي وأمي رتل فإنه زين القرآن. قال: وكان علقمة حسن الصوت بالقرآن.
حدثنا محمد بن خليفة، حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا حماد بن شعيب، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن عمرو -﵄- عن النبي - ﷺ - قال: يقال لصاحب القرآن يوم القيامة: اقرأ وارق في الدرجات، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلك عند آخر آيةٍ كنت تقرأها.
حدثنا الخاقاني، حدثنا أحمد المكي، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو عبيد، حدثنا أبو نعيم، عن بشير بن المهاجر، حدثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: كنت عند رسول الله - ﷺ - فسمعته يقول: إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة كالرجل الشاحب، وذكر الحديث، وفي آخره: ثم يقال له: اقرأ واصعد في درج
[ ٧٧ ]
الجنة وغرفها، فقال: فهو في صعودٍ ما دام يقرأ، هذا كان أو ترتيلًا.
قال أبو عمرو: والأخبار الواردة لدينا بهذا المعنى كثيرة، اختصرنا هذه منها، إذ فيها كفاية ومقنع، وبالله التوفيق.
[ ٧٨ ]