وهو الذي قد انفصل مما بعده لفظا ومعنى.
أخبرنا شيحنا أبو عبد الله محمد بن اللبان، قال أخبرتني الشيخة الصالحة زين الدار أم محمد الوجيهية بنت علي بن يحيى بن علي الصعيدي، قالت: اخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن وثيق، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن زروق، قال: أخبرنا الخولاني قال: أخبرنا أبو عمرو الداني، قال أخبرنا أبو الفتح فارس بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن محمد وعبيد بن محمد، قالا:
[ ١٦٧ ]
أخبرنا علي بن الحسين القاضي، قال: أخبرنا يوسف بن موسى القطان، قال: حدثنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا حماد بن سلمة، وسمعته منه، قال: أخبرنا علي بن زيد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، أن جبريل أتى النبي -ﷺ- فقال: إقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل استزده، [فقال: اقرأ على حرفين، فقال ميكائيل: استزده]، حتى بلغ سبعة أحرف، كل شاف كاف، ما لم تختم آية عذاب بآية رحمة، أو آية رحمة بآية عذاب.
وفي رواية أخرى ما لم تختم آية رحمة بعذاب، أو آية عذاب بمغفرة.
فقال أبو عمرو: هذا تعليم الوقف التام من رسول الله ﷺ عن جبريل ﵇، إذ ظاهر ذلك أن يقطع على الآية التي فيها ذكر الجنة أو الثواب، وتفصل مما بعدها إذا كان ذكر العقاب، وكذلك ينبغي أن يقطع على الآية التي فيها ذكر النار أو العقاب، وتفصل مما بعدها إذا كان ذكر الجنة أو الثواب.
واعلم أن هذا القسم من الوقف، وهو التام، لا يوجد إلا عند تمام القصص وانقضائهن، ويكثر أيضًا وجوده في الفواصل، كقوله: ﴿وأولئك هم المفلحون﴾، ثم الابتداء بقوله: ﴿إن الذين كفروا﴾ ﴿وأنهم إليه راجعون﴾ ثم الابتداء بقوله: ﴿يا بني إسرائيل﴾ .
[ ١٦٨ ]
وقد يوجد التام قبل انقضاء الفاصلة [كقوله: ﴿لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني﴾ هذا آخر قول الظالم، وتمام الفاصلة] من قول الله تعالى: ﴿وكان الشيطان للإنسان خذولًا﴾ .
وقد يوجد التام بعد انقضاء الفاصلة بكلمة، كقوله: ﴿لم نجعل لهم من دونها سترا * كذلك﴾، آخر الفاصلة (سترًا)، والتمام (كذلك) .
وقوله: ﴿وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل﴾ آخر الآية (مصبحين)، والتمام (وبالليل)، لأنه عطف على المعنى، تقديره مصبحين ومليلين، ومثله قوله: ﴿وسررا عليها يتكئون * وزخرفا﴾ .
وقد يوجد التام أيضًا في درجة الكافي من طريق المعنى لا من طريق اللفظ، كقوله: ﴿لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه﴾ الوقف هنا، ويبتدأ بقوله: ﴿وتسبحوه بكرة وأصيلا﴾، لأن الضمير في ﴿وتوقروه﴾ للنبي -ﷺ- وفي ﴿وتسبحوه﴾ لله ﷿، فحصل الفرق بالوقف.
وكذا ﴿وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدًا﴾ وقف تام، ثم يبتدأ ﴿ما لهم به من علم﴾ .
وكذا القطع على ﴿ولا لآبائهم﴾ ويبتدأ ﴿كبرت كلمةً﴾
[ ١٦٩ ]
وما أشبه ذلك، مما يتم القطع عليه عند أهل وقد يكون الوقف تامًا على قراءة وحسنًا على غيرها، نحو ﴿إلى صراط العزيز الحميد﴾ هذا تام على قراءة من رفع الجلالة بعده، وهو ﴿الله الذي﴾، وعلى النعت حسن.
وكذا ﴿واتخذوا﴾ وكاف على القراءة الأخرى.
وقد يوجد التام على تأويل، وغير تام تأويل آخر، كقوله: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ وقف تام على أن ما بعده مستأنف، وإلى هذا الوقف ذهب نافع، والكسائي، ويعقوب، والفراء، والأخفش، وأبو حاتم، ابن كيسان، وابن اسحاق، والطبري، وأحمد بن موسى اللؤلؤي، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو عبيدة، ومحمد بن عيسى الأصفهاني، وابن الانباري، وأبو القاسم عباس بن الفضل.
وهذا ظاهر ما يقتضيه تفسير مقاتل، وإلى معناه ذهب مالك بن أنس وغيره.
ومعنى ﴿الراسخون في العلم يقولون آمنا به﴾ أي يسلمون ويصدقون به، في قول ابن عباس وعائشة وابن مسعود، وقال عروة بن الزبير: الراسخون في العلم لا يعلمون التأويل ولكن يقولون آمنا به كل من عند ربنا، وعلى هذا أكثر المفسرين.
وقال آخرون: لا يوقف على
[ ١٧٠ ]
﴿إلا الله﴾ لأن ﴿والراسخون في العلم﴾ معطوف عليه، وهذا القول اختاره الشيخ أبو عمرو بن الحاجب وغيره، وعلى قول هؤلاء المتشابه يحتمل التأويل، وذكر الشيخ عبد الله المرسي أن أقوال هذه الفرقة تزيد على الثلاثين..