التعريف بالقرآن الكريم والقراءات
قبل أن أتكلّم عن القراءات؛ فإنه يسوغ لي أن أتكلم عن الأصل الأول، وهو القرآن العظيم المجيد الذي هو كلام الله - ﷿ -، ورحمتُه لهذه الأمة، ومأدبة الله في أرضه، مَن أخذَه؛ فقد أخذ بنصيب وافر من إرث النبوة، ومَن حفظه ووعاه في صدره؛ فقد استدرج النبوّة بين جنبيه، إلا أنه لا يوحى إليه.
قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ (١)؛ "كتاب الله تعالى فيه نبأ من قبلكم، وخبر من بعدَكم، وحُكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله، وهو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا تتشعّب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يملّه الأتقياء ولا يَخْلق على كثرة الرّد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ (٢)، مَن علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أُجر، ومن دعا إليه هُدِي إلى صراط مستقيم" رُوي عن عليّ - ﵁ - مرفوعا (٣).
_________________
(١) سورة العنكبوت: ٤٩.
(٢) سورة الجن: ١.
(٣) رواه الترمذي في باب ما جاء في فضل القرآن، وقال الترمذي: "حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيّات، وإسنادُه مجهول، وفي حديث الحارث مقال": = (٥/ ١٥٨)، وأخرجه الدارمي في سننه: (٢/ ٥٢٦) في باب فضل من قرأ القرآن، وأخرجه أحمد في مسنده بنحوه: (١/ ١١٤، الحديث: ٧٠٧). وانظر: تحفة الأحوذي للمباركفوري: (٨/ ١٧٥)، والراجح وقفه على أمير المؤمنين عليّ - ﵁ -. قال ابن كثير: والحديث مشهور من رواية الحارث الأعور، وقد تكلموا فيه، بل كذبه بعضهم من جهة رأيه واعتقاده، أما أنه تعمد الكذب في الحديث فلا، والله أعلم. وقُصارى هذا الحديث أنه من كلام أمير المؤمنين علي - ﵁ -، وقد وهِم بعضهم في رفعه، وهو كلام حسن صحيح، على أنه رُوي له شاهد عن عبد الله بن مسعود عن النبي - ﷺ -. انظر: فضائل القرآن لابن كثير ص ٢٥.
[ ١٥ ]
والقرآن في اللغة: اختُلف فيه، فقال جماعة: هو اسم علم غيرُ مشتق خاص بكلام الله، فهو غير مهموز، وبه قرأ ابن كثير، وهو مرويّ عن الشافعي، أي أنه اسمٌ لكتاب الله لا يُسمّى به شيء من سائر الكتب، مثل التوراة والإنجيل) (١)، واختاره السيوطي (٢).
وقال قومٌ منهم الإمام الأشعري: هو مشتقٌّ من قرنت الشيء بالشيء، إذا ضممت أحدهما إلى الآخر، وسُمّي به القرآن لاقتران السور والآيات والحروف فيه.
وقال الفرّاء: هو مشتقٌّ من القرائن؛ لأن الآيات منه يصدق بعضها بعضا، ويُشابه بعضها بعضا، وهي قرائن، وعلى القولين هو بلا همز، ونونُه أصليّة.
وقال الزجاج: والصحيح أن ترك الهمز فيه من باب التخفيف، ونقل حركة الهمز إلى الساكن قبلها".
واختلف الذين قالوا إنه مهموز: فقال قومٌ منهم اللحياني: هو مصدر لقرأت، كـ (الرجحان) و(الغفران)؛ سمي به الكتاب المقروء من
_________________
(١) مجاز القرآن: (١/ ١). والإتقان: (١/ ١١٢).
(٢) الإتقان (١/ ١١٢).
[ ١٦ ]
باب تسمية المفعول بالمصدر.
وقال آخرون منهم الزجّاج: هو وصفٌ على فعلان مُشتق من القَرْء بمعنى الجمع، ومنه: (قرأتُ الماء في الحوض) أي: جمعتُه.
قال أبو عبيدة: " وسُمّي بذلك لأنه جمع السور بعضها إلى بعض".
وقال الراغب: "سُمي قرآنا لكونه جمع ثمرات الكتب السالفة المنزّلة، ولا يُقال لكل جمع قرآن".
وحكى قطرب أنه سمّي قرآنا؛ لأن القارئ يُظهره ويبيّنه من فيه، أخذا من قول العرب: ما قرأت الناقة سَلًاّ قط (١).
وقيل: إنه مشتق من القرائن؛ لأن الآيات يصدق بعضها بعضا، ويُشابه بعضها بعضا.
والقرآن في العرف واصطلاح العلماء: "هو كلام الله المنزّل على نبينا محمد - ﷺ - المتعبّد بتلاوته، لفظه ومعناه من الله، المكتوب في المصاحف المنقول بالتواتُر" (٢).
وتعريف القرآن على هذا الوجه متفقٌ عليه بين الأصوليين والفقهاء وعلماء العربية (٣).
وبعضهم زاد أشياء لا تعدو أن تكون وصفا للقرآن، فقولهم: (كلام الله) جنس في التعريف يشمل كل كلام، وإضافته إلى الله جل وعز تميّزه عن كلام مَن سواه.
_________________
(١) انظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة (١/ ١)، ومفردات ألفاظ القرآن للراغب (ص ٦٦٨)، والإتقان للسيوطي (١/ ١١٢ - ١١٣).
(٢) انظر: روضة الناظر وجنة المناظر لابن قدامة (١/ ١٣٩)، التحبير في علم التفسير للسيوطي (ص ٣٩)، ومناهل العرفان (١/ ١٩).
(٣) مباحث في علوم القرآن لصبحي الصالح (ص ٢١).
[ ١٧ ]
(المنزّل) يخرج كل كلام استأثر الله به جل وعز؛ إذ ليس كُلُّ كلام الله تعالى مُنزّل، بل الذي نزل منه قليل.
يقول تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (١)
ويقول أيضا جلّ ذِكْرُه: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢).
ويخرج بقولنا: (على محمد - ﷺ -) كل ما نزل على غيره من الأنبياء، كالتوراة والإنجيل، وغيرها مما لا يعلمُه إلا هو.
(المتعبّد بتلاوته، لفظُه ومعناه من الله): يخرج كل ما ليس بقرآن من قراءات الآحاد، والأحاديث القدسية، والسنة النبوية المطهّرة أيضا.
فهذه هي الخصائص العظمى التي امتاز بها القرآن العظيم على غيره، وإن كان امتاز بكثير سواها (٣).
والقراءات في اللغة: جمع قراءة، وهي مصدر قرأ قراءة وقرآنا، بمعنى الضمّ والجمع (٤)؛ وقارأه مقارأة وقِراءً، أي: دارسه، وتقرّأ، أي: تفقّه (٥).
وفي الاصطلاح: قال ابن الجزري - ﵀ -: "هي علمٌ بكيفيّة أداء
_________________
(١) سورة الكهف: ١٠٩.
(٢) سورة لقمان: ٢٧.
(٣) انظر: مناهل العرفان (١/ ١٩)، والنبأ العظيم لمحمد عبد الله دراز (ص ١٠)، ومباحث في علوم القرآن لمنّاع القطان (ص ٢١).
(٤) لسان العرب (١/ ١٢٨، مادة: قرأ).
(٥) القاموس المحيط (ص ٦٢)
[ ١٨ ]
كلمات القرآن واختلافها، معزوا لناقله" (١).
وعرّفها الزركشي بأنها اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتابة الحروف أو كيفيّتها من تخفيف وتثقيل ونحوها (٢).
وقال شيخنا الدكتور/ محمد بن سيدي محمد الأمين الشنقيطي: "وتعريف ابن الجزري منصبٌّ على محلّ الاختلاف في القراءات لا اتّفاقها" (٣).
قلت: وما أحسنَ تعريف شيخ مشايخنا العلامة عبد الفتاح القاضي - ﵀ - للقراءات حيث قال: "هو علمٌ يُعرف به كيفية النطق بالكلمات القرآنية، وطُرق أدائها اتفاقًا واختلافًا، مع عزو كلّ وجهٍ لناقله" (٤).
وهو شبيهٌ بتعريف أبي الخير، لكنه زاد عليه بذكر الاتفاق.
وقال القرطبي - ﵀ -:
"وهذه القراءات المشهورة هي اختيار أولئك الأئمة القرّاء؛ وذلك أنّ كلّ واحدٍ منهم اختار فيما روى وعلم وجهه من القراءات ما هو الأحسن عنده والأولى؛ فالتزمَه طريقة ورواه، وأقرأ به، واشتهر عنه وعُرف به، ونُسبَ إليه؛ فقيل: حرف نافع، وحرف ابن كثير، ولم يمنع واحدٌ منهم اختيار الآخر ولا أنكرَه، بل سوّغه وجوّزه، وكلُّ واحد من هؤلاء السبعة رُوي عنه اختياران أو أكثر، وكلٌّ صحيح" (٥).
_________________
(١) منجد المقرئين (ص ٣)، والإتحاف (١/ ٦٧).
(٢) البرهان في علوم القرآن للزركشي (١/ ٤٦٥).
(٣) من محاضراته -حفظه الله- في مناهج القُرّاء للدراسات العليا في كلية القرآن الكريم، في الجامعة الإسلامية، عام ١٤١٨ هـ.
(٤) البدور الزاهرة (ص ٥).
(٥) الجامع لأحكام القرآن (١/ ٣٥).
[ ١٩ ]