قيمة الكتاب العلميةومنهج الإمام الداني فيه
يكفي "التيسير" قدرا أنه نال الاهتمام الكبير من عناية أهل القرآن حفظا ونظما وشرحا، ولم يحظ بهذا القدر الكثير من كتب القراءات.
وسبق ذكرُ أن الحافظ ابن الجزري جعله الأصل الأول لموسوعته النشر في القراءات العشر، فهو بحقّ بمثابة الجوهرة بين كتب الفن لأصالته واختصاره ويُسره.
كما لا يخفى أنّ الشاطبي - ﵀ - لم ينظمه إلا لاشتهاره في فنّه، ولأصالته في بابه، وما زالت الأجيال تتداوله جيلا بعد جيل؛ فهو المرجع الأساس لمن رامَ درْس القراءات السبع المتواترة.
وقد روى الكتاب أبو بكر بن خير الإشبيلي المتوفى سنة (٥٧٥ هـ) في فهرسته بأسانيده إلى مؤلّفه، وكذلك فعل القاسم بن يوسف التجيبي، المتوفى سنة (٧٣٠ هـ) بأسانيده إلى مؤلّفه، كما رواه أبو عبد الله محمد المُجاري الأندلسي المتوفى سنة (٨٦٢ هـ) بأسانيده، وغيرُهم كثير؛ مما يُبرز قيمة هذا الكتاب العظيم.
أما منهجه - ﵀ - في كتابه "التيسير" فقد افتتح كتابه - ﵀ - بالحمد والثناء على الله تعالى، وذكر أنه طُلب منه أن يُصنّف كتابًا مختصرًا في القراءات في مذاهب القرّاء السبعة بالأمصار، ويتضمّن ما اشتُهر وصحّ.
ثم ذكر أنه اختار عن كلّ إمام منهم روايين وشرعَ في ذكرهم.
أولا: جعل - ﵀ - كتابه أبوابًا، فأوّلُ باب ذكر فيه القرّاء
[ ٧٢ ]
السبعة، وهم: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وترجم لهم ولرواتهم ترجمة موجزة.
ثانيا: قدّم قارئ المدينة نافعًا، كما هي العادة، ثم قارئ مكة: ابن كثير، ثم قارئ البصرة: أبو عمرو بن العلاء، ثم قارئ الشام: عبد الله بن عامر، ثم قُرّاء الكوفة: عاصم، وحمزة والكسائي.
ثالثا: اقتصر - ﵀ - على ذكْرِ راويين عن كلَّ إمام:
فنافعٌ اقتصر فيه على راوييه: قالون وورش.
وابن كثير: اقتصر فيه على راوييه: البزي وقنبل.
وأبو عمرو: على راوييه: أبو عمر الدوري، والسوسي.
وعبد الله بن عامر الشامي: على راوييه: هشام، وابن ذكوان.
وعاصم بن أبي النُّجود الكوفي: على راوييه: حفص، وأبو بكر (شُعبة).
وحمزة الزيّات الكوفي: على راوييه: خلف، وخلّاد.
وعليٌّ الكسائي: على راوييه: الدوري، وأبو الحارث.
رابعا: ذكر في الباب الثاني الإسناد الذي بين هؤلاء القُرَّاء إلى رسول الله - ﷺ -.
خامسا: ذكر في الباب الثالث الإسناد بينه وبين هؤلاء الأئمة ورواتهم.
سادسا: ثم شرع في ذكر الأصول، وأول باب فيها (باب الاستعاذة) ثم (باب البسملة) ثم (باب أم القرآن) ثم (باب الإدغام الكبير لأبي عمرو) ثم باب (المثلين من كلمة وكلمتين)، ثم (باب الحرفين المتقاربين في كلمة وفي كلمتين)، ثم (باب هاء الكناية)، ثم (باب المد والقصر)، ثم (باب الهمزتين المتلاصقتين في كلمة وفي كلمتين)، ثم
[ ٧٣ ]
(باب الهمز المفرد)، ثم (باب النقل لحركة الهمزة إلى الساكن قبلها)، ثم (باب في مذهب البصري في ترك الهمزة)، ثم (باب في وقف حمزة وهشام على الهمز)، ثم (باب في الإظهار والإدغام للحروف والسواكن)، ثم (باب في الفتح والإمالة)، ثم (باب في مذهب الكسائي في الوقف على هاء التأنيث)، ثم (باب في مذهب ورش في الراءات)، ثم (باب في ذكر اللامات)، ثم (باب الوقف على أواخر الكلم)، ثم (باب في الوقف على مرسوم الخط)، ثم (باب في مذهب حمزة في السكوت على الساكن قبل الهمزة)، ثم باب في مذاهبهم في الفتح والإسكان لياءات الإضافة)، ثم (باب في ذكر أولهم في الياءات المحذوفات من الرسم وهي الزوائد)، وهذا آخر باب في الأصول المطردة.
سابعا: إذا طال الباب، وكان التفصيل فيه كثيرا؛ جعل الباب فصولا، كما فعل في (باب الإمالة) وغيره.
ثامنا: ثم بدأ بفرش الحروف، وبدأ بالبقرة إلى آخر القرآن، سورةً سورة، إلى أن بدأ في أواسط المفصل؛ جعل من سورة النبأ إلى البلد بابًا لقصَرِ السور، وقلّة الخلاف في الفرش، ومن سورة البلد إلى آخر القرآن بابًا، والسورة التي فيها خلاف يذكر اسمها في هذين البابين.
تاسعا: ثم ختم بباب التكبير عند المكّيين، كما هي عادة كثير من القرّاء والمؤلفين في القراءات.
عاشرا: كان يُوجِّهُ الخلاف في القراءات أحيانا أصولا وفَرْشًا.
حادي عشر: لا يحرّر الخلاف في أكثر المواطن، بل يكتفي بذكر الخلاف إذا كان قُرِئ بوجهين مثل قوله في صلة ميم الجمع: "وقالون
[ ٧٤ ]
بخلاف عنه" وقوله: "والبزّي بخلاف عنه: ﴿لِتُنْذر﴾ بالتاء في سورة الأحقاف، وغيرها كثير". ويبدو أنه اكتفى بذِكره في "جامع البيان".
ثاني عشر: ذِكْره للنحو مقتضب؛ فقليلا ما يذكر النحو، وهذا مبنيٌّ على ما سبق من كونه قليل التوجيه، وإذا وجّه اختصر، كمثل قوله: وهذا مسموع عن العرب"، و"هذا أقيسُ عند النحويين" و"هذا ثلاثي" و"البدل مسموع" وغيره، وهذا قليلٌ في كتابه.
ثالث عشر: قليل الاستشهاد بالشعر، وهذا كالذي قبله مبنيٌّ على قلّة توجيهه، بل لم يذكر من الشعر إلا بيتا واحدًا؛ استشهد به في سورة سبأ:
صريعُ خمرٍ قام مِن وَكأته كقومة الشيخ إلى مَنْسَأْته
استشهد به لقراءة ابن ذكوان؛ لقراءته بسكون الهمز في ﴿مِنْسَأتَه﴾.
رابع عشر: إذا ذكر شيئا لا يعيده إلا نادرا وبتلميح، بل يذكر موطن الخلاف ويقول: "ذُكرَ" أو "ذُكر قبل" ولا يذكر موطن ذِكْرِه إلا قليلا، كأن يقول: في سورة كذا، أو باب كذا.
خامس عشر: لم يذكر في كتابه إلا ثلاثة أحاديث:
الأول: في الاستعاذة، حديث نافع بن جبير بن مطعم بن عدي - ﵁ -.
الثاني: في الرُّوم عند قوله تعالى: ﴿ضُعْف﴾. حديث عطية العوفي عن عبد الله بن عمر ﵄.
الثالث: في التكبير، حديث عبد الله بن عباس ﵄ وقراءته على أُبيّ - ﵃ -.
سادس عشر: إذا اجتمع ابن كثير ونافع قال: "الحرميّان"، وإذا اتفق
[ ٧٥ ]
عاصم وحمزة والكسائي قال: "الكوفيون".
سابع عشر: وقد روى الداني - ﵀ - القراءات في كتابه بإسنادين:
أحدهما: بطريق التحديث والرواية؛ فيقول: فأما رواية قالون، فحدثنا بها أحمد بن عمر الجيزي، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن منيّر قال: حدثنا إلخ.
والإسناد الآخر: بطريق القراءة والتلقي، فيقول مثلا: وقرأت بها، أي - برواية قالون - القرآن كله على شيخي أبي الفتح فارس بن أحمد، وقال لي: قرأتُ بها على أبي الحسن عبد الباقي إلخ، والله أعلم.
[ ٧٦ ]