أصْلُ اختلاف القرّاء وحديث الأحرف السبعة
الأصل (١) في ذلك ما رواه الشيخان عن أمير المؤمنين عمر - ﵁ - قال: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله - ﷺ -، فاستمعت لقراءاته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يُقرئنيها رسول الله - ﷺ -، فكدت أساوره في الصلاة، فتصبّرتُ حتى سلّم، فلببته بردائه فقلت: مَن أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله - ﷺ -، فقلت: كذبت؛ فإن رسول الله - ﷺ - قد أقرأنيها على غير ما قرأتَ. فانطلقتُ به أقودُه إلى رسول الله - ﷺ - فقلت: إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تُقرئنيها، فقال رسول الله - ﷺ -: "أرْسِلْهُ!، اقرأ يا هشام، فقرأ عليه القراءة التي سمعتُه يقرأ، فقال رسول الله - ﷺ -: "كذلك أنزلت" ثم قال: "اقرأ يا عمر" فقرأتُ القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله - ﷺ -: "كذلك أُنزلت. إن هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرُف، فاقرءوا ما تيسّر منه" (٢).
ورويا - أيضا- عن عبد الله بن عبّاس - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "أقرأني جبريل على حرف فراجعتُه، فلم أزل أستزده ويزيدني حتى انتهى
_________________
(١) تكلم د/ عبد العزيز القارئ عن حديث "نزل القرآنُ على سبعة أحرف" وخرّجه وتتبّع طرقه ورواياته بما لا يُزاد عليه في مجلة كلية القرآن الكريم الصادرة سنة ١٤٠٣ هـ، وهو عددٌ فريد لا ثانيَ له فيما أعلم (المجلة ص ٢٧ إلى ص ١٤٠).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف: (٦/ ٣١٧)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب إن القرآن نزل على سبعة أحرُف (٢/ ٢٠٢). وانظر: فتح الباري (٨/ ٦٣٩)، واللؤلؤ والمرجان (١/ ١٥٧).
[ ٢٠ ]
إلى سبعة أحرُف" (١).
وروى مسلم عن أُبيّ - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - كان عند أَضَاة بني غفار، فأتاه جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تُقرئ أمتك القرآن على حرف، فقال: "أسأل الله تعالى معافاته ومعونته، وإن أمتي لا تطيق ذلك". ثم أتاه الثانية على حرفين، فقال له مثلّ ذلك، ثم أتاه الثالثة، فقال له مثل ذلك، ثم أتاه الرابعة، فقال: إن الله يأمرك أن تُقرئ أمتك على سبعة أحرف؛ فأيّما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا" (٢).
ورواه أبو داود (٣)، والترمذي (٤)، وأحمد (٥)، والنسائي (٦)، ومالك (٧)، وابن جرير (٨)، وغيرهم.
وقال ابن الجزري - ﵀ -: "وقد نصّ الإمام الكبير أبو عبيد القاسم بن سلاّم على تواتر هذا الحديث عن النبي - ﷺ -؛ وقد تتبّعتُ طرق هذا الحديث في جزء مفرد جمعتُه في ذلك؛ فرويناه من حديث عمر ابن الخطّاب، وهشام بن حكيم بن حزام، وعبد الرحمن بن عوف، وأُبيّ ابن كعب، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبي هريرة، وعبد الله
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف: (٦/ ٣١٧)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب بيان أن القرآن أنزل على سبعة أحرف (٢/ ٢٠٢). وانظر اللؤلؤ والمرجان (١/ ١٥٧).
(٢) في كتاب صلاة المسافرين، بيان أن القرآن نزل على سبعة أحرف (٢/ ٢٠٣).
(٣) في كتاب الوتر، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف: (١/ ١٥٨).
(٤) في باب ما جاء: أنزل القرآن على سبعة أحرف: الحديث (٢٩٤٤)، (٥/ ١٧٨).
(٥) في المسند (٥/ ١٢٧).
(٦) في كتاب الافتتاح، باب جامع ما جاء في القرآن.
(٧) في الموطأ (١/ ٢٠١).
(٨) الجامع (١/ ٣٦).
[ ٢١ ]
ابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وحذيفة بن اليمان، وأبي بَكْرَة، وعمرو بن العاص، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك، وسمرة ابن جندب، وعمر بن أبي سلمة، وأبي جهيم، وأبي طلحة الأنصاري، وأم أيوب الأنصاريّة - ﵃ - " (١).
قلت: فهذا يدلُّ على أنّ القراءات ارتبطت بنزول القرآن، وأن النبي - ﷺ - كان يُقرئ أصحابه بالحروف السبعة، فمنهم من أخذ القرآن عنه بحرف، ومنهم من أخذه بحرفين، ومنهم من زاد على ذلك؛ وتفرّقوا في الأمصار، فصار كلٌّ يَقرأُ بما أُقرئ وسمع من رسول الله - ﷺ -.
ولما طال العهدُ وكثر المسلمون، ودخل في هذا الدين من لا يُفصح ولا يعرف العربية ولا وجوه القراءات؛ اختلف الناسُ في الأمصار البعيدة، يدلُّ على ذلك: ما رواه البخاري وعمر بن شبَّة في "أخبار المدينة المنورة" بسنديهما: قال محمد بن إسماعيل البخاري - ﵀ -: حدثنا موسى قال: حدثنا إبراهيم بن سعد قال: حدثنا ابن شهاب أنّ أنس بن مالك - ﵁ - حدّثه أن حذيفة بن اليمان (﵄) قدم على عثمان - ﵁ - وكان يُغازي أهلَ الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفْزَعَ حذيفة اختلافُهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان - ﵁ -: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في القرآن اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا الصُّحف ننسخها في المصاحف ثم نردّها لك؛ فأرسلت بها حفصة إلى عثمان؛ فأمر عثمان زيدَ بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف.
_________________
(١) النشر (١/ ٢١)
[ ٢٢ ]