عقيدته ومذهبه الفقهي
الذي يظهر أنّه - ﵀ - سلفيُّ المعتقد، من أئمّة السنة في زمانه، له علمٌ بالحديث واللغة والفقه وغيرها من العلوم.
وأما مذهبُهُ الفقهي؛ فعلى ما كان عليه أهل الأندلس، من التمذهب بمذهب الإمام مالك - ﵀ - وقد صرّح بذلك في أُرجوزته المُنَبِّهة.
قال المغامي: "كان أبو عمرو مُجاب الدعوة، مالكيّ المذهب" (١).
وقد كان بين أبي عمرو وبين أبي محمد بن حزم وحشة، ومنافرة شديدة؛ أفضت بهما إلى التهاجي، وهذا مذمومٌ من الأقران موفورُ الوجود، نسأل الله الصفح. وأبو عمرو أقومُ قيلا، وأتْبعُ للسنة" (٢).
قال الذهبي (٣): "وهو القائل في أرجوزته السائرة" قلت: وهي المنبّهة (٤):
تدري أُخيّ أين طريق الجنة طريقها القرآن ثم السنة
كلاهما ببلد الرسول وموطن الأصحاب خير جيل
فاتْبَعَنْ جماعة المدينة فالعلم عن نبيهم يروونه
وهم فحجة على سواهم في النقل والقول وفي فتواهم
واعتمدن على الإمام مالك إذْ قد حوى على جميع ذلك
في الفقه والفتوى إليه المنتهى وصحة النقل وعلم مّن مضى
_________________
(١) انظر: القُرّاء الكبار للذهبي ١/ ٤٠٨. وانظر: نفح الطيب للمَقَّرِي ٢/ ٣٥٠.
(٢) انظر: القراء الكبار للذهبي ١/ ٤٠٧.
(٣) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ١٨/ ٨١ وما بعدها. والقُرّاء الكبار للذهبي ١/ ٤٠٩.
(٤) انظر: الأرجوزة المنبهة للداني، بتحقيق محمد مجقان الجزائري.
[ ٤٣ ]
ومنها:
وحك ما تجد للقياس داود في دفتر أو قِرطاس
من قوله إذ خرق الإجماعا وفارق الأصحاب والأتباعا
واطرح الأهواء والآراء وكل قولٍ ولَّدَ المراء
ومنها:
ومن عقود السنة الإيمانُ بكل ما جاء به القرآنُ
وبالحديث المسند المروي عن الأئمة عن النبي
وأن ربنا قديم (١) لم يزل وهو دائم إلى غير أجل
ومنها:
كلم موسى عبده تكليما ولم يزل مُدبّرا حكيمًا
كلامُه وقولُه قديم وهو فوق عرشه العظيم
والقول في كتابه المفصل بأنه كلامه المنزّلُ
على رسوله النبي الصادق ليس بمخلوق ولا بخالق
من قال فيه: إنه مخلوق أو محدّث فقوله مرُوقُ
والوقف فيه بدعٌ مُضلّة ومثلُ ذاك اللفظ عند الجلة
كلا الفريقين من الجهمية الواقفون فيه واللفظية
أهوِن بقول جهمٍ الخسيس وواصلٍ وبشرٍ المرَّيسِ
ذي السخف والجهل وذي العناد معمر وابن أبي دؤاد
وابن عبيد شيخ الاعتزال وشارع البدعة والضلال
والجاحظ القادح في الإسلام وجِبتُ هذه الأمة النظّام
_________________
(١) وصف الله بالقدم لم يرد في الكتاب والسنة. انظر: العقيدة في الله- عمر بن سليمان الأشقر ص ٢٢٩.
[ ٤٤ ]
والفاسق المعروف بالجباءِ ونجله السفيه ذي الخناء
واللاحقيَّ وأبي الهذيل مؤيدي الكفر بكل ويل
وذي العمى ضرار المرتاب وشبههم من أهل الارتياب
وبعد فالإيمان قولٌ وعمل ونيّة عن ذاك ليس ينفصل
فتارً يزيد بالتشمير وتارةً ينقص بالتقصير
وحب أصحاب النبي فرضٌ ومدحهم تزلّف وفرض
وأفضل الصحابة الصدّيقُ وبعده المهذّب الفاروق
ومنها:
فمن صحيح ما أتى به الأثر وشاع في الناس قديمًا وانتشر
نزول ربنا بلا امتراء في كل ليلة إلى السماء
من غير ما حدّ ولا تكييف سبحانه من قادر لطيف
ورؤية المهيمن الجبار وأننا نراه بالأبصار
يوم القيامة بلا ازدحام كرؤية البدر بلا غمام
وضغطة القبر على المقبور وفتنة المنكر والنكير
فالحمد لله الذي هدانا لواضح السنة واجتبانا
وهي أرجوزة طويلة جدا (١).
_________________
(١) انظر: الأرجوزة المنبهة للداني - ﵀ -، بتحقيق محمد الجزائري. وذكر الذهبي قِطَعًا منها في السير (١٨/ ٨١). ويُقصد بصاحب دانية: أميرُها.
[ ٤٥ ]