اختلفوا في التسمية بين السور: فكان ابن كثير وقالون وعاصم والكسائي يبسلمون بين كل سورتين في جميع القرآن، ما خلا الأنفال وبراءة؛ فإنه لا خلاف في ترك [التسمية] (٢) بينهما (٣)، وكان الباقون فيما قرأنا لهم لا يبسلمون بين السور (٤)، وأصحاب حمزة يصلون آخر السورة بأول الأخرى (٥)، ويُختار في مذهب ورش وأبي عمرو وابن عامر السكت بين السورتين من غير قطع.
وابن مجاهد يرى وصل السورة بالسورة، ويبيّن الإعراب، ويرى السكت أيضا.
_________________
(١) التسمية مصدر سمّى يُسمّي، كالتهنئة والتسلية والتسمية تأتي على معنيين: الأول: وضع الاسم على المسمى كقولك: سميت ابني محمدا. الثاني: ذكر الاسم الموضوع على المسمى، دون استقرار الوضع، وعلى هذا حديث أبيّ الذي في صحيح البخاري، قال - ﵁ -، حيث قال له النبي - ﷺ -: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن"، فقال: الله سمّاني لك؟، قال: "الله سماني لك". وعلى هذا المعنى الثاني وقع تبويب الحافظ الداني؛ لأنه يريد أن يبيّن مذاهب القرّاء في المواطن التي يذكرون فيها اسم الله تعالى، الذي ثبت واستقرّ أنه سمى به نفسه فقال: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾. وعبّر الحافظ بالتسمية بدل البسملة، والبسملة مصدر من (بسم الله) كالحوقلة من (لا حول ولا قوة إلا بالله)، والحسبلة من (حسبي الله). انظر الدر النثير ١/ ١١٧، ١١٨.
(٢) في (ب): "في ترك البسملة".
(٣) لفعل الصحابة - ﵃ -، وإجماع المصاحف على ذلك تبعا لفعلهم. انظر: التبصرة ١/ ٢٤٨. والتبيان ص ٦٥. والدر النثير ١/ ١٢٠.
(٤) انظر: النشر ١/ ٢٥٩. والتذكرة ١/ ٦٣. والتبصرة ١/ ٢٤٨. وانظر العنوان ص ٦٥، التلخيص ص ١٣٤. والكنز ص ١٢١.
(٥) انظر: جامع البيان ل ٥٨. والتذكرة ١/ ٦٣. والتبصرة ص ٣٤٨. والإقناع ص ٩٩.
[ ١٢٧ ]
وكان بعض شيوخنا يَفْصِل في مذهب هؤلاء بالتسمية بين (١). (المدثر) و(القيامة) و(الانفطار) و(المطففين) و(الفجر) و(البلد) و(العصر) و(الهمزة)؛ ويسكتُ بينهنَّ سكتةً في مذهب حمزة (٢).
وليس في ذلك أثرٌ يروى عنهم (٣)، وإنما هو (٤) استحباب من الشيوخ، ولا خلاف في التسمية في أول فاتحة الكتاب، وفي أول كل (٥) سورة ابتدأ القارئ بها، ولم يصلها بما قبلها؛ في مذهب من فصل ومن لم (٦) يفصل (٧).
فأما الابتداء برؤوس الأجزاء التي في بعض السور (٨) فأصحابنا
_________________
(١) في (أ) و(ت): "من المدثر والقيامة" وهو خطأ.
(٢) وقال مكّي في علة اختيار من لم يفصل بين السورتين بالتسمية، ويفصل بالتسمية بين هذه السور، بين (المدثر) و(القيامة) و(الانفطار) و(المطففين) وبين (الفجر) و(لا أقسم) فكره ذلك إجلالا للقرآن وتعظيما له، ألا ترى أن القارئ يقول: ﴿هُو أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ المَغْفِرَة﴾ ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ فيقع لفظ النفي عقيب لفظ المغفرة، وذلك في السمع قبيح. انظر: النشر ١/ ٢٦١. وجامع البيان ص ٦٠. والكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها لمكّي بن أبي طالب القيسي ١/ ١٧.
(٣) جامع البيان ل ٦٠. والإقناع/١٠١. والدر النثير ١/ ١٢٨. والكنز/١٢١.
(٤) في (ب): "وهو استحباب".
(٥) في (ب): "وفي أول سورة ابتدأ القارئ" بدون "كل".
(٦) في (ب) و(ط): "من فصل أو من لم يفصل".
(٧) انظر النشر ١/ ٢٦٣. وانظر: التبصرة ص ٢٤٩. ويريد بالذين يفصلون: قالون، وابن نجيم، وعاصم، والكسائي؛ يفصلون بين السور بالتسمية. انظر: الدر النثير ١/ ١٢٩.
(٨) في (ج): "في بعض السور مثل قوله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ و﴿تِلْكَ الرُّسُل﴾ و﴿لنْ تَنَالُوا البِرَّ﴾.
[ ١٢٨ ]
يخيرون (١) القارئ بين التسمية وتركها في ذلك، في مذهب
الجميع (٢)، والقطع عليها إذا وُصلت بأواخر السور غير جائز (٣). وبالله التوفيق.