اعلم: أنا أبا عمرو لم يدغم من المثلين في كلمة إلا موضعين لا غير: أحدهما في البقرة: ﴿مَنَاسِكَكُمْ﴾ (٤).
والثاني: في (المدثر) ﴿سَلَكَكُمْ﴾ (٥)، وأظهر ما عداهما، نحو ﴿جِبَاهُهُم﴾ (٦)، و﴿وُجُوههم﴾، و﴿بِشِرْكِكُم﴾ (٧)، و﴿أَتُحاجُّونَنَا﴾ (٨)، و﴿أتعدانِنِي﴾ (٩)، وشبهه (١٠).
فأما المثلان إذا كانا من كلمتين فإنه كان يدغم الأول في الثاني منهما سواء سكن ما قبله أو تحرّك في جميع القرآن نحو قوله: ﴿فِيهِ
_________________
(١) في (أ) و(ج): "تلاوة ورواية".
(٢) المثلان هما: الحرفان المتماثلان، والتماثل يكون حقيقة ومجازا: أما الحقيقة فكالبائين في (سبب) والرائين في (بررة). وأما المجاز فنحو الكافين في ﴿سَلَكَكُم﴾، والنونين في ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾. لأن المثل في الأمثلة الأولى من تمام الكلمة، وفي الأمثلة الثانية ضمير متّصل بالكلمة، ولو فصلته منها لم تختل الكلمة. انظر: الدرّ النثير ٢/ ٤٨.
(٣) في (ب) و(ج) و(ط): "ذكر المثلين" من غير "باب".
(٤) سورة البقرة: ٢٠.
(٥) سورة المدثر: ٤٢.
(٦) التوبة: ٣٥.
(٧) سورة فاطر: ١٤.
(٨) سورة البقرة: ١٣٩.
(٩) سورة الأحقاف: ١٧.
(١٠) من كل مثلين في كلمة واحدة. انظر: النشر ١/ ٢٨٠. والجامع ل ٦٦. والسبعة ص ١٢١. والتذكرة ١/ ٧٣. والكنز ص ٥١.
[ ١٣٢ ]
هُدى﴾ (١)، و﴿إنَّه هُوَ﴾ (٢)، و﴿لِعِبَادَتِهِ هَلِ تَعْلَمُ﴾ (٣)، و﴿أَن يَأْتِيَ يوْمٌ﴾ (٤). و﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ (٥)، و﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى﴾ (٦) و﴿يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾ (٧). و﴿إِذَا قِيلَ لَهُم﴾ (٨)، و﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ (٩). و﴿نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ (١٠) و﴿النَّاسَ سُكَارَى﴾ (١١)، و﴿الشَّوْكَةِ تَكُونُ﴾ (١٢)، و﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ (١٣)، و﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ (١٤)، و﴿يَعْلَمُ مَا﴾ (١٥)، و﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ (١٦)، وما كان مثله من سائر حروف المعجم [حيث وقع] (١٧) إلا قوله - ﷿ - في (لقمان): ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ (١٨)، فإنه لم يدغمه
_________________
(١) سورة البقرة: ٢. سورة المائدة: ٤٦.
(٢) سورة البقرة: ٣٧.
(٣) سورة مريم: ٦٥.
(٤) سورة البقرة: ٢٥٤. سورة إبراهيم: ٣٠.
(٥) سورة هود: ٦٦.
(٦) سورة الكهف: ٦٠.
(٧) سورة البقرة: ٢٥٥.
(٨) سورة البقرة: ١١.
(٩) سورة البقرة: ٤٩. سورة الأعراف: ١٤١. سورة إبراهيم: ٦.
(١٠) سورة طه: ٣٣، ٣٤.
(١١) سورة الحج: ٢.
(١٢) سورة الأنفال: ٧.
(١٣) سورة البقرة: ١٨٥.
(١٤) سورة البقرة: ٢١٣.
(١٥) سورة البقرة: ٢٥٥.
(١٦) سورة البقرة: ٢٠.
(١٧) ما بين المعقوفين زائد على (ب).
(١٨) سورة لقمان: ٢٣.
[ ١٣٣ ]
لكون النون ساكنة قبل الكاف؛ فهي تخفى عندها (١).
قال [أبو عمرو] (٢): وإذا كان الأول من المثلين مشددا أو منونا أو كان تاء الخطاب أو تاء المتكلم (٣)؛ نحو قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم﴾ (٤)، و﴿مَسّ سَقَر﴾ (٥)، و﴿الْيَمِّ مَا﴾، و﴿مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا﴾ (٦)، و﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ﴾ (٧)، و﴿كُنْتُ تُرَابًا﴾ (٨)، وشبهه لم يدغمه أيضا.
فإن كان معتلا، نحو قوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ (٩)، و﴿يَخْلُ لَكُمْ﴾ (١٠)، و﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا﴾ (١١) وشبهه؛ فأهل الأداء مختلفون فيه: فمذهب ابن مجاهد وأصحابه: الإظهار، ومذهب أبي بكر الداجوني
_________________
(١) انظر: النشر ١/ ٢٨١، والسبعة ص ١٢٠، وجامع البيان ل ٦٧، والتذكرة ١/ ٧٨.
(٢) ما بين المعقوفين زائد على (أ) و(ب) و(ج) و(ط).
(٣) في (أ) تاء الخطاب أو المتكلّم، وكذا في (ط). انظر: النشر ١/ ٢٧٩، والجامع ل ٦٦.
(٤) النساء: ٢٤.
(٥) سورة القمر ٤٨.
(٦) سورة آل عمران: ١٩٢، ١٩٣.
(٧) سورة يونس: ٩٩.
(٨) النبأ: ٤٠، وفي (ج): و﴿الْيَمِّ مَا﴾، و﴿إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ و﴿صَوَافَّ فَإِذَا﴾ و﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ و﴿مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا﴾، و﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ﴾، و﴿كُنْتُ تُرَابًا﴾.وفي (ط) ﴿مَسَّ سَقَرَ﴾ و﴿صَوَافَّ فَإِذَا﴾ و﴿ أُمِّ مُوسَى﴾ و﴿الْيَمِّ مَا﴾، و﴿مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا﴾، و﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ﴾، و﴿كُنْتُ تُرَابًا﴾.
(٩) سورة آل عمران: ٨٥.
(١٠) سورة يوسف: ٩.
(١١) سورة غافر: ٢٨.
[ ١٣٤ ]
وغيره: الإدغام (١).
و(٢) قرأته أنا بالوجهين، ولا أعلم خلافا في الإدغام في قوله: ﴿وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي﴾ (٣). ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي﴾ (٤)، وهو من المعتل (٥).
فأما قوله: ﴿آلَ لُوطٍ﴾ (٦)، حيث وقع، فعامة البغداديين يأخذون فيه بالإظهار، وبذلك كان يأخذ ابن مجاهد، ويعتَلُّ بقلة حروف الكلمة، وكان غيره يأخذ الإدغام، وبه قرأت (٧).
وقد (٨) أجمعو ﴿لَكَ كَيْدًا﴾ (٩) في (يوسف) وهو أقل حروفا من ﴿آل﴾ (١٠)؛ لأنه على حرفين، فدلّ ذلك على صحة الإدغام فيه.
وإذا صح الإظهار فيه فالاعتلال عينه إذا كانت هاء، فأبدلت همزة، ثم قلبت ألفا لا غير" (١١).
واختلف أهل الأداء أيضا في الواو من ﴿هُوَ﴾، إذا انضمت الهاء
_________________
(١) انظر: النشر ١/ ٢٧٩، والموضح ١/ ١٩٧، وإبراز المعاني ١/ ٢٦٥.
(٢) في (ب) و(ج) و(ط) ﴿خُذ العفوَ وأمر﴾.
(٣) سورة هود: ٣٠.
(٤) سورة غافر: ٤١.
(٥) انظر: إبراز المعاني ٢/ ٢٦٦، والدرّ النثير ٢/ ١١٦.
(٦) سورة يوسف: ٥.
(٧) انظر: النشر ١/ ٢٨٢، والسبعة ص ١١٦، والتذكرة ١/ ٨٠، والدر النثير ٢/ ١١٧.
(٨) في (ب) و(ج) و(ت): "قال أبو عمرو: وقد أجمعوا".
(٩) سورة يوسف: ٥.
(١٠) في (ب) و(ج) و(ت): "أقل حروفا من ﴿آل لوط﴾ وهو خطأ".
(١١) النشر ٢/ ٢٨٢، والدر النثير ٢/ ١١٨، والإقناع ص ١٣٩.
[ ١٣٥ ]
قبلها، ولقيت مثلها، نحو قوله ﷿ (١): ﴿هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ (٢)، و﴿كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ (٣) وشبهه، فكان ابن مجاهد يأخذ بالإظهار، وكان غيره يأخذ بالإدغام، وبذلك قرأت، وهو القياس؛ لأن ابن مجاهد وغيره مجمعون على إدغام الياء في قوله (٤): ﴿أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ (٥) و﴿نُودِيَ يَامُوسَى﴾ (٦)، وقد انكسر ما قبل الياء، ولا فرق بين البابين (٧)؛ فإن سكنت الهاء من ﴿هُوَ﴾ أو كان الساكن قبل الواو غيرها؛ فلا خلاف في الإدغام، وذلك نحو قوله (٨): ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ (٩)، و﴿وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ (١٠)، و﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ (١١)، (١٢)، و﴿مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾ (١٣)، وما كان مثله (١٤).
_________________
(١) في (ج): "قوله تعالى".
(٢) سورة آل عمران: ١٨.
(٣) سورة النمل: ٤٢.
(٤) في (ج): "قوله تعالى".
(٥) سورة البقرة: ٢٥٤.
(٦) سورة طه: ١١.
(٧) انظر: النشر ١/ ٢٨٢، والسبعة ص ١١٦، وجامع البيان ل ٦٧، والإقناع ص ١٤٣، والدر النثير ٢/ ١١٩، والكنز ص ٥٣. وفي بعض النسخ: "بين الياين" وهذا خطأ وتصحيف، وقع فيه المستشرق (ط) ص ٢٩. انظر: الدر النثير ٢/ ١٢٠.
(٨) في (أ): "قوله جل وعلا".
(٩) في سورة الأنعام: ١٢٧. سورة النحل ﴿فَهُو وَلِيُّهُم﴾: ٦٣.
(١٠) سورة الشورى: ٢٢.
(١١) في ب) و(ج) و(ط) ﴿خُذ العفوَ وأمر﴾.
(١٢) سورة الأعراف: ١٩٩.
(١٣) سورة الجمعة: ١١.
(١٤) انظر: النشر ١/ ٢٨٣، والإقناع ص ١٤٣، وإبراز المعاني ١/ ٢٦.
[ ١٣٦ ]
قال [أبو عمرو] (١): فأما قوله - ﷿ - (٢): ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ في (الطلاق) (٣) على مذهبه في إبدال الهمزة ياء ساكنة؛ فلا يجوز إدغامها؛ لأن البدل عارض، وقد عضد ذلك (٤) ما لحق هذه الكلمة من الإعلال (٥) بأن حذفت الياء من آخرها، وأُبدلت الهمزة ياء، فلو أدغمت؛ لاجتمع في ذلك ثلاث إعلالات (٦)، وبالله التوفيق (٧).