اعلم: أن الهمزة إذا كانت مع حرف المدّ واللين في كلمة واحدة سواء توسطت أو تطرفت؛ فلا خلاف بينهم في تمكين حرف المد زيادة، وذلك نحو قوله - ﷿ - (٤): ﴿أُولَئِكَ﴾، و﴿شَاءَ اللَّهُ﴾، و﴿الْمَلَائِكَةِ﴾،
_________________
(١) قال المالقي: "يريد بالاختلاس: النطق بالحركة مجردة من الصلة، والاختلاس: سرعة الحركة، وبهذا المعنى يستعمله القرّاء". الدر النثير ٢/ ٢٠٠.
(٢) انظر: النشر ١/ ٣٠٤، والسبعة ص ١٢٨، والتذكرة ١/ ٩٥، وجامع البيان ل ٧٣، والإقناع ص ٣٠٩، والموضح ١/ ٢٣٧، وإبراز المعاني ١/ ٣٠٦، والدر النثير ٢/ ١٩٥.
(٣) ذكر هذا الباب لمناسبة قوله: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) البقرة: ٤، والمد في اللغة: الزيادة، ومنه المدّة، أي: الزيادة المتصلة، ويطلق على الجرّ. انظر: مختار الصحاح ص ٤٥١، والمفردات للراغب ص ٧٦٣. والمدّ في هذا الباب "هو عبارة عن زيادة مطّ في حرف المدّ على المد الطبيعي، وهو الذي لا يقوم ذات حرف دونه. والقصر في اللغة: خلاف المدّ، ويأتي بمعنى الحبس، وقصره على أمر: رده إليه. والقصر في الاصطلاح: عبارة عن ترك الزيادة، وإبقاء المدّ الطبيعي على حاله. انظر: النشر ١/ ٢١٣، وإبراز المعاني ١/ ٣٢٠، والقاموس المحيط ص ٤١٧.
(٤) في (ب): "نحو قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾، و﴿شَاءَ اللَّهُ﴾، و﴿الْمَلَائِكَةِ﴾، و﴿يُضِيءُ﴾، و﴿الْمُسِيءُ﴾، و﴿وَجِيءَ﴾، ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا﴾، وشبهه.
[ ١٥٧ ]
و﴿يُضِيءُ﴾ (١)، و﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا﴾ (٢) وشبهه.
فإذا كانت الهمزة أول كلمة وحرف المد آخر كلمة أخرى (٣) فإنهم يختلفون في زيادة التمكين لحرف المد هناك: فابن كثير وقالون بخلاف عنه (٤)، وأبو شعيب وغيره عن اليزيدي يقصرون حرف المد، فلا يزيدونه تمكينا على ما فيه من المدّ الذي لا يوصل إليه إلا به، وذلك نحو قوله - ﷿ -: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (٥)، و﴿فِي آيَاتِنَا﴾ (٦)، و﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾، و﴿هَؤُلَاءِ﴾، و﴿قَالُوا آمَنَّا﴾، وشبهه. و﴿هآولاء﴾ (٧) أقصر مدًّا في الضرب الأول المتفق عليه.
والباقون يطولون حرف المدّ في ذلك زيادة، وأطولهم مدًّا في الضربين
_________________
(١) جزء من الآية ٣٥: سورة النور.
(٢) جزء من الآية ١٩: سورة الحاقة.
(٣) وهو المد المنفصل، ويسمى مدّ البسط؛ لأنه يبسط بين الكلمتين، ومد الاعتبار لاعتبار الكلمتين، ولورش فيه من طريق الأصبهاني القصر كابن كثير وقالون، وليس في التيسير. وانظر: النشر ١/ ٣١٣، ٣٢١، وإبراز المعاني ١/ ٣٢٢.
(٤) له القصر من طريق الحُلْواني، وله التوسط من طريق أبي نشيط. انظر: النشر ١/ ٣٢١، والتذكرة ١/ ١٠٦، وجامع البيان ل ٧٥.
(٥) جزء من الآية (٤): سورة البقرة.
(٦) جزء من الآيات (٦٨): الأنعام. (٢١): يونس. (٥) و(٣٨): سبأ، (٤٠): فصلت. (٣٥): الشورى.
(٧) يعني ابن كثير ومن معه في قصر المنفصل أقل زيادة في المدّ المتصل من غيرهم. وانظر: النشر ١/ ٣٢٢، وتلخيص العبارات ص ٢٦، والدر النثير ٢/ ٢١٢.
[ ١٥٨ ]
جميعا ورش وحمزة، ودونهما عاصم، ودونه ابن عامر والكسائي، ودونهما أبو عمرو من طريق أهل العراق، وقالون من طريق أبي نشيط بخلاف عنه. وهذا كله على التقريب من غير إفراط، وإنما هو على مقدار مذاهبهم في التحقيق والحدر (١) وبالله التوفيق.
فصل
وإذا أتت الهمزة قبل حرف المد (٢) سواء كانت محققة، أو ألقى حركتها على ساكن قبلها، أو أبدلت نحو قوله: ﴿آدَمَ﴾، و﴿آزَرَ﴾
و﴿آمَنَ﴾، و﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾، و﴿مَنْ أُوتِيَ﴾ و﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ﴾ (٣)،
_________________
(١) التحقيق هو مصدر من حققت الشيء تحقيقا: إذا بلغت يقينه، ومعناه: المبالغة في الإتيان بالشيء على حقه من غير زيادة ولا نقصان منه. وهو عند القراءة عبارة عن إعطاء كل حرف حقه من إشباع المد، وتحقيق الهمزة وإتمام الحركات، واعتماد الإظهار والتشديدات، وتوفية الغنّات، وتفكيك الحروف، وهو بيانها وإخراج بعضها من بعض. وأما الحدر فهو مصدر من حَدَر بالفتح -يحدُر- بالضم: إذا أسرع فهو من الحدُور الذي هو الهبوط. وهو عند القراء عبارة عن إدراج القراءة وسرعتها وتخفيفها بالقصر والتسكين والاختلاس والبدل، والإدغام الكبير وتخفيف الهمز، ونحو ذلك مما صحت به الرواية، قال ابن الجزري ﵀ في طيبته: ويقرأ القرآن بالتحقيق مع حدر وتدوير وكل متبع مع حسن صوت بلحون العرب مرتلا مجودا بالعربي
(٢) ويسمى هذا النوع مدّ البدل، والقرّاء فيه على القصر إلا ورش، كما ذكر المصنّف في تفصيله.
(٣) سورة قريش: ١، ٢.
[ ١٥٩ ]
و﴿لِلْإِيمَانِ﴾، و﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾، و﴿هَؤُلَاءِ آلِهَةً﴾ (١)، وشبهه (٢)؛ فإن أهل الأداء من مشيخة المصريين الآخذين برواية أبي يعقوب عن ورش يزيدون في تمكين حرف المدّ في ذلك زيادة متوسطة على مقدار التحقيق، واستثنوا من ذلك قوله: ﴿إِسْرَائِيلَ﴾ حيث وقع، فلم يزيدوا في تمكين الياء فيه.
وقد أجمعوا على ترك الزيادة إذا سكن ما قبل الهمزة، وكان الساكن غير حرف مدّ ولين نحو ﴿مَسْئُولًا (٣٤)﴾ (٣) و﴿مَذْءُومًا﴾ (٤)
و﴿الْقُرْآنُ﴾ و﴿الظَّمْآنُ﴾ (٥) وشبهه. وكذلك إن كانت الهمزة مجتلبة للابتداء نحو: ﴿اؤْتُمِنَ﴾، ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ﴾ (٦)، ﴿ائْذَنْ لِي﴾ (٧)، وشبهه (٨)،
_________________
(١) جزء من الآية ٩٩: سورة الأنبياء.
(٢) في (ت) و(ج) و(ط) تكرير ﴿هَؤُلَاءِ آلِهَةً﴾ على النحو الآتي: ﴿آدَمَ﴾، و﴿آزَرَ﴾ و﴿آمَنَ﴾، و﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾، و﴿هَؤُلَاءِ آلِهَةً﴾، و﴿مَنْ أُوتِيَ﴾، و﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ﴾، و﴿لِلْإِيمَانِ﴾ و﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿هَؤُلَاءِ آلِهَةً﴾. وشبهه".
(٣) الإسراء: ٣٦.
(٤) الأعراف: ١٨.
(٥) سورة النور: ٣٩.
(٦) سورة يونس: ١٥.
(٧) سورة براءة: ٤٩.
(٨) وهناك قاعدة أخرى مستثناة أيضا، وهي: أن يقع حرف المد بعد الهمزة بدلا من التنوين نحو: (دُعَاءً) و(وَنِدَاءً): عند الوقف على هذه الكلمات، فلا يجوز في حرف المد في هذه الكلمات لورش إلا القصر؛ لأن حرف المد في هذه الحالة عارض.
[ ١٦٠ ]
والباقون لا يزيدون في إشباع حرف المد فيما تقدّم (١)، [وبالله التوفيق] (٢).