قال أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عثمان المقرئ الداني (١):
الحمد لله المنفرد بالدوام، المتطول بالإنعام، خالق يخلُقُ (٢) بقدرته، ومدبّرُ الأمر بحكمته، لا رادّ لأمره، ولا معقّب لحكمه، وهو سريع الحساب، أحمدُه على جميع نعمه، وأشكره على تتابع آلائه ومِننه، وأسألُه المزيدَ من إنعامه، والجزيل من إحسانه.
وصلى الله على البشير النذير، السراج المنير، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله (٣) الطيبين الطاهرين، وسلم تسليما. أما بعد:
فإنكم سألتموني - أحسن الله إرشادكم - أن أُصنّف لكم كتابا مختصرا في مذاهب القرّاء السبعة بالأمصار (٤)، ما يَقْرُب تناوله، ويسهُل عليكم حفظُه، ويخفُّ عليكم درْسُه، ويتضمّن من الروايات والطرق ما اشتهر وانتشر عند [الناقلين] (٥)، والتالين، وصحّ وثبت عند المتصدّرين من الأئمة المتقدّمين؛ فأجبتكم إلى ما سألتموه، وأعملتُ نفسي في تصنيف ما رغبتموه، وعلى النحو الذي أردتموه.
واعتمدتُ في ذلك على الإيجاز والاختصار، وترك التطويل والتكرار، وقرّبت الألفاظ، وهذّبت التراجم، ونبّهت على الشيء بما يؤدّي عن حقيقته من غير استغراق لكي يُوصَل إلى ذلك في يسرٍ،
_________________
(١) في (أ): "بسم الله الرحمن الرحيم".
(٢) في (ب): "خالق الخلق"، وكذا في (ط).
(٣) في (ب): "على أهله".
(٤) في (ج): "بالأمصار ﵏"، وكذا في (ط).
(٥) ما بين المعقوفتين زائدٌ على (ب) و(ج) و(ط).
[ ٨٢ ]
ويتحفّظ في قُرب.
وذكرتُ عن كل واحد من القُرّاء راويين (١)؛ فذكرت عن نافع رواية قالون وورش، وعن ابن كثير (٢) رواية قُنْبلٍ والبزي عن أصحابهما عنه.
وعن أبي عمرو رواية أبي عمر وأبي شعيب عن اليزيدي (٣) عنه.
وعن ابن عامر رواية ابن ذكوان، وهشام عن أصحابهما عنه.
وعن عاصم رواية أبي بكر وحفص.
وعن حمزة رواية خلف وخلاد وخلف عن سُليم (٤) عنه.
_________________
(١) الروايات التي ذكر: أربع عشرة، والرواة: ثلاثة عشر؛ وسبب ذلك أنا أبا عُمر الدوري يروي عن اليزيدي عن أبي عمرو بن العلاء هو بعينه، واسمه الذي يروي عن الكسائي. ويدل على صحة ما قلتُه: قوله في (باب أسماء القرّاء والناقلين عنهم) بإثر ذكر أبي عمرو بن العلاء: "وأبو عمر هو حفص بن عمر بن عبد العزيز بن صهبان الأزدي الدوري". ثم ذكر أبا شعيب، ثم قال: "روايات القرّاء عن أبي محمد يحي بن المبارك العدوي المعروف باليزيدي". ثم قال بعدما ذكر الكسائي: "وأبو عمر هو حفص بن عمر الدوري النحوي صاحب اليزيدي". فذكره في الموضعين باسمه واسم أبيه. انظر: الدر النثير ١/ ٩٢.
(٢) في (ب): "وذكرت عن ابن كثير".
(٣) هو يحي بن المبارك العدوي: الإمام، أبو محمد البصري، النحوي، المقرئ: جوّد القرآن على أبي عمرو، وقرأ عليه الدوري، والسوسي، وأحمد بن جبير الأنطاكي، وغيرهم، وله اختيار، وله مصنفات في اللغة والأدب، منها كتاب "المقصور" وكتاب "الشكل" توفي سنة اثنين ومائتين. معرفة القرّاء الكبار ص ٩٠ باختصار.
(٤) سليم بن عيسى بن عامر بن غالب الحنفي الكوفي أبو عيسى: صاحب حمزة الزيّات، وخلفَ حمزة في الإقراء في الكوفة، قرأ عليه خلف بن هشام البزّار وخلاد بن خلاد الصيرفي، وأبو عمر الدوري وخلقٌ، توفي سنة ثمان وثمانين ومائة. معرفة القرّاء الكبار ص ٨٣.
[ ٨٣ ]
وعن الكسائي رواية أبي عُمر وأبي الحارث.
فتلك أربع عشرة رواية عنهم، هي المتلوّ بها والمعَمُولُ عليها؛ فإذا اختلفت عنهم (١)؛ ذكرتُ الراوي باسمه، وأضربتُ عن اسم الإمام، وإذا اتفقت ذكرتُ الإمام باسمه، وإذا اتفق نافع وابن كثير قلتُ: الحرميّان، وإذا اتفق عاصم وحمزة والكسائي قلت: قرأ الكوفيّون؛ طلبا للتقريب على الطالبين، ورغبةً في التيسير على المبتدئين، وعلى الله - ﷿ - أعتمد، وبه أعتصم، وعليه أتوكّل، وهو حسبي وإليه أنيب.
فأولُ ما أفتتحُ به كتابي هذا ذكرُ أسماء القرّاء (٢)، والناقلين عنهم، وأنسابهم وكُناهم، وموتهم، وبلدانهم، واتّصال قراءتهم، وتسمية رجالهم، واتصال قراءتنا نحن بهم، وتسمية مَن أدّاها إلينا عنهم رواية وتلاوة، [ثم أُتبع ذلك بذكر مذاهبهم واختلافهم] (٣) إن شاء الله، وبالله التوفيق.
_________________
(١) في (ج): "فإذا اختلفت عنهم قراءة ذكرت".
(٢) في (ج): "القراء السبعة".
(٣) ما بين المعقوفتين زائد على (ب) و(ج).
[ ٨٤ ]