- وهذه الآثار على ضربين:
الأول: آثار تنعت قراءة النبي ﷺ، وقراءة بعض أصحابه واختياره رضوان الله عليهم.
والآخر: آثار يرد فيها ما يتخذ حجة لترجيح لفظ أو معنى.
- فمن الأول قوله تعالى: فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس
_________________
(١) الحجة (ز): ٩٥.
(٢) الحجة (ز): ١٠٢.
(٣) الحجة (ع): ٦/ ٧٩، وانظر الحجة (ز): ٦١٥.
[ ٣١ ]
٥٨]، قال ابن زنجلة: «قرأ يعقوب في رواية رويس: (فبذلك فلتفرحوا هو خير مما تجمعون) بالتاء فيهما وحجته أنها عن النبي ﷺ، عن أبي بن كعب قال:
قال لي رسول الله ﷺ: (أمرت أن أقرأ عليك)، قال: قلت: وقد سماني ربك؟
قال: (نعم) قال: فقرأ عليّ- يعني النبي ﷺ-: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فلتفرحوا هو خير مما تجمعون) بالتاء «١»» «٢»
ومنه قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً [الروم ٥٤]، قال مكي: «قوله: (ضعف) قرأه أبو بكر وحمزة بفتح الضاد، في ثلاثة مواضع في هذه السورة، وقد ذكر عن حفص أنه رواه عن عاصم، واختار الضم لرواية قويت عنده، وهو ما رواه ابن عمر قال: قرأت على رسول الله ﷺ (من ضعف) يعني بالفتح، قال: فردّ عليّ النبي ﷺ (من ضعف) يعني بالضم، في الثلاثة «٣».
وروي عنه أنه قال: ما خالفت عاصما في شيء مما قرأت به عليه إلا في ضم هذه الثلاث كلمات «٤».
_________________
(١) المسند: أحمد بن محمد بن حنبل، تحقيق: حمزة أحمد الزين، دار الحديث، القاهرة، ط ١، ١٩٩٥ م، كتاب مسند الأنصار، باب حديث عبد الرحمن بن أبزى عن أبي بن كعب، برقم (٢١٠٣٦)، ص ١٥/ ٤٢٤ - ٤٢٥؛ وسنن أبي داود، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار إحياء التراث العربي، بيروت، كتاب الحروف والقراءات، برقم (٣٩٨٠، ٣٩٨١)، ص ٤/ ٣٣.
(٢) الحجة (ز): ٣٣٣.
(٣) الجامع الصحيح (سنن الترمذي)، تحقيق: كمال يوسف الحوت، دار الكتب العلمية، بيروت، كتاب القراءات، باب: ومن سورة الروم، برقم (٢٩٣٦)، ص ٥/ ١٧٤؛ وسنن أبي داود، كتاب الحروف والقراءات، برقم (٣٩٧٨، ٣٩٧٩)، ص ٤/ ٣٢؛ ومسند أحمد، تحقيق: أحمد محمد شاكر، كتاب مسند المكثرين من الصحابة، باب مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب، برقم (٥٢٢٧)، ص ٤/ ٥٤٩.
(٤) كذا، وصوابه: الكلمات الثلاث، أو الثلاث الكلمات.
[ ٣٢ ]
وقرأ الباقون فيهن بالضم، وهما لغتان كالفقر والفقر.» «١»
ومنه قوله تعالى: تُساقِطْ عَلَيْكِ [مريم ٢٥]، قراءة يعقوب: (يسّاقط) بياء مفتوحة وسين مشددة. قال الأزهري: «قوّى قراءة يعقوب ما حدثنا محمد بن إسحاق عن الصغاني عن أبي عبيد عن يزيد عن هارون عن جرير بن حازم عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب يقرأ: (يسّاقط). وروي عن مسروق مثله.» «٢»
ومنه قوله تعالى: فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ [الأحقاف ٢٥]، قال ابن خالويه: «قرأ عاصم وحمزة: (لا يرى إلا مساكنهم) بالياء على ما لم يسم فاعله، و(مساكنهم) بالرفع على تقدير: لا يرى شيء إلا مساكنهم. وقرأ الباقون:
(لا ترى) بالتاء على خطاب النبي ﵇، (إلا مساكنهم) بالنصب مفعول بها، أي: قد هلكوا فلا يحسّ لهم أثر خلا المنازل والمساكن. واحتج أصحاب هذه القراءة بما حدثني ابن مجاهد عن السّمّري عن الفراء قال: حدثني محمد بن الفضل الخراساني عن عطاء عن أبي عبد الرحمن قال: سمعت عليا ﵁ يقرأ: (لا ترى إلا مساكنهم).» «٣»
ومنه قوله تعالى: وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ [البقرة ٤٨]، قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: (ولا تقبل) بالتاء، وقرأ الباقون: (ولا يقبل) بالياء.
قال مكي في الاحتجاج للقراءة بالياء: «وذكر أبو عبيد عن ابن مسعود أنه قال: ذكّروا القرآن، وإذا اختلفتم في الياء والتاء فاجعلوها ياء.» «٤»
- ومن الآخر قوله تعالى: وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ [البقرة ١٦٤]، قرأ حمزة والكسائي وخلف: (الريح) بالإفراد، وقرأ الباقون: (الرياح) بالجمع.
_________________
(١) الكشف: ٢/ ١٨٦، وانظر المعاني: ٢/ ٢٦٧، وإعراب السبع: ١/ ٢٣٣، والموضح: ٢/ ٥٨٥.
(٢) المعاني: ٢/ ١٣٤.
(٣) إعراب السبع: ٢/ ٣١٩ - ٣٢٠.
(٤) الكشف: ١/ ٢٣٨، وانظر إعراب السبع: ١/ ٣٤٢، والحجة (خ): ٧٦، والحجة (ع): ٢/ ٥٣ (وفيه نقد لهذه المقولة)، والكشف: ١/ ٣٥٤، ٢/ ٣٧.
[ ٣٣ ]
قال مكي: «ووجه القراءة بالجمع في (تصريف الرياح) هو إتيانها من كل جانب، وذلك معنى يدل على اختلاف هبوبها، فهي رياح لا ريح وأيضا فإن هذه المواضع أكثرها لغير العذاب، وقد قال النبي ﵇ حين رأى ريحا هبت:
(اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا) «١»، فعلم أن الريح بالتوحيد أكثر ما تقع في العذاب والعقوبات، وليست هذه المواضع في ذلك، واعلم «٢» أن الرياح بالجمع تأتي في الرحمة، فواجب من الحديث أن يقرأ بالجمع إذ ليست للعقوبات.
ووجه القراءة بالتوحيد أن الواحد يدل على الجمع، لأنه اسم للجنس، فهو أخف في الاستعمال، مع ثبات معنى الجمع فيه.
والاختيار الجمع، لأن عليه الأكثر من القراء، ولأنه أبين في المعنى، لأنه موافق للحديث.» «٣»
ومنه قوله تعالى: فَنِعِمَّا هِيَ [البقرة ٢٧١]، قال ابن خالويه:
«وقرأ أبو عمرو ونافع في سائر الروايات وعاصم في رواية أبي بكر: (نعمّا هي) بكسر النون وإسكان العين.
وزعم بعض النحويين أنه أردأ القراءات، لأنه قد جمع بين ساكنين: الميم والعين، وليس أحدهما حرف لين، والاختيار إسكان العين، لأن هذه اللفظة رويت عن رسول الله ﷺ أنه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: (نعمّا بالمال
_________________
(١) جزء من حديث في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: نور الدين الهيثمي، تحقيق: عبد الله محمد الدرويش، دار الفكر، بيروت، ١٩٩٤ م، كتاب الأذكار، باب ما يقول إذا هاجت الريح، برقم (١٧١٢٦)، ص ١٠/ ١٩٥؛ قال: «وفيه حسين بن قيس المقلب بحنش، وهو متروك».
(٢) كذا، ولعل الصواب: وعلم.
(٣) الكشف: ١/ ٢٧١، وانظر الحجة (خ): ٩١، والحجة (ع): ٢/ ٢٥٧، ٤/ ٣٤ - ٣٥، والحجة (ز): ١١٩، والهداية: ١/ ١٨٦، والموضح: ١/ ٣٠٧.
[ ٣٤ ]
الصالح) «١»، كذا تحفظ هذه اللفظة عن النبي، ومتى ما صح الشيء عن النبي ﷺ، لم يحل للنحوي ولا غيره أن يعترض عليه.» «٢»
ومنه قوله تعالى: بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [آل عمران ١٢٥]، قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ويعقوب: (مسوّمين) بكسر الواو، وقرأ الباقون:
(مسوّمين) بفتحها. قال أبو علي: «وذكر بعض شيوخنا أن الاختيار عنده الكسر، لما جاء في الخبر أن رسول الله ﷺ قال يوم بدر: (سوّموا فإن الملائكة قد سوّمت) «٣»، فنسب الفعل إلى الملائكة.» «٤»