- قال ابن أبي مريم: «وحروف المعجم عند جميع النحويين تسعة وعشرون حرفا «١»، إلا عند أبي العباس محمد بن يزيد المبرد، فإنها عنده ثمانية وعشرون حرفا، وذلك لأنه كان لا يعدّ الهمزة حرفا منها، وكان يقول: إن الهمزة ليس لها صورة، لأنها لا تثبت على صفة، فإنها تخفف تارة بالحذف وتارة بالقلب وتارة بالتليين.
ولم يرتض ذلك أصحاب سيبويه «٢»، وذهبوا إلى أن الألف هي صورة الهمزة، يدل على ذلك أنها إذا وقعت موقعا لا سبيل فيها إلى التخفيف لم تكتب إلا ألفا، وذلك إذا وقعت أولا نحو: أخذ وأكل وأمر
فلما لم يتطرق إليها التخفيف في هذا الموضع لم تكتب إلا على أصلها وهو الألف، فدل على أن أصل صورتها الألف.
ودليل آخر: أن كل حرف من حروف التهجي يكون أول حروف تسميته لفظه بعينه؛ ألا ترى أن أول حروف الباء باء، وأول حروف الجيم جيم، وأول حروف الدال دال، وكذلك كل حرف منها يبدأ تسميته بما هو الحرف المقصود؟ وكذلك الألف بدئ فيه بالهمزة، فعلمنا أن الألف هو صورة الهمزة.
وأما المدة التي في قام وسار فصورتها مشاركة لصورة الهمزة من حيث إنها تسمى ألفا، إلا أنه ينبغي أن تقيد باللين فيقال: الألف اللينة
_________________
(١) انظر الهداية: ١/ ٧٥.
(٢) انظر سر صناعة الإعراب: ابن جني، تحقيق: د. حسن هنداوي، دار القلم، دمشق، ط ٢، ١٩٩٣ م، ص ١/ ٤١ - ٤٣.
[ ٤١ ]
فحروف التهجي إذا تسعة وعشرون حرفا وهي في مخارجها على هذا الترتيب: الهمزة والألف والهاء، والعين والحاء، والغين والخاء، والقاف، والكاف، والجيم والشين والياء، والضاد، واللام، والراء، والنون، والطاء والدال والتاء، والصاد والزاي والسين، والظاء والذال والثاء، والفاء، والباء والميم والواو «١».» «٢»
كأن ابن أبي مريم قصّر في توضيح مذهب المبرد على ما فيه من إلباس، فهو لا ينكر الهمزة صوتا ينطق، وإنما ينكرها صورة ترسم، قال في المقتضب:
«هذا باب مخارج الحروف اعلم أن الحروف العربية خمسة وثلاثون حرفا، منها ثمانية وعشرون لها صور.» «٣»
ولما شرع في بيان مخارجها قال: «فمن أقصى الحلق مخرج الهمزة» «٤».
فالمبرد لم يعتبر الهمزة هنا من جهة أنه لا صورة لها ثابتة.
وأما الإلباس في قول المبرد، فهو أنه خلط بين أمرين لا ينتميان إلى صعيد واحد، إذ أخرج الهمزة من عدة الحروف التي لها صور وهو أمر إملائي، في صدر حديثه عن مخارج الحروف وهو أمر صوتي.
ولم يفرّق اللغويون العرب بين الواو والياء مديتين وغير مديتين، وذلك لأن اللغة لا تضع بينهما حجرا محجورا، وإن اختلف المخرج في كلّ «٥»؛
_________________
(١) انظر الكتاب: ٤/ ٤٣١.
(٢) الموضح: ١/ ١٦٢ - ١٦٣.
(٣) المقتضب: المبرد، تحقيق: محمد عبد الخالق عضيمة، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، ط ٣، ١٩٩٤ م، ص ١/ ٣٢٨.
(٤) المقتضب: ١/ ٣٢٨.
(٥) فالنون المظهرة تخرج من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا، فإذا كانت خفية فمن الخياشيم؛ واختلاف مخرجي النون لم يلزم عنه أن تجعل حرفين، فكذلك الواو والياء مديتين وغير مديتين.
[ ٤٢ ]
فالوقف على نحو: (لن يدعو، ولن يرمي) والواو والياء غير مديتين- يجعلهما مديتين: (لن يدعو، ولن يرمي).
وكذلك تخفيف الهمز في نحو: (مقروء، وخطيئة) والواو والياء مديتان- يجعلهما غير مديتين: (مقروّ، وخطيّة).
فإذا كان هذا شأن العربية في هذين الحرفين، فما عسى أن يكون موقف اللغويين منهما سوى الاتباع؟
وأما عدم ذكرهم الحركات في حروف العربية، فلأنها حروف صغيرة. قال ابن جني:
«ألا ترى أن من متقدمي القوم من كان يسمّي الضمة الواو الصغيرة، والكسرة الياء الصغيرة، والفتحة الألف الصغيرة؟» «١»
وليس هذا، كما قد يتوهّم، عن تأثر بنظام الكتابة الذي لا يفرد للحركات رموزا مستقلة.
وأخذ بعض المحدثين على اللغويين العرب استعمالهم كلمة (حرف) وهو ما يكتب، بدل (صوت) وهو ما ينطق أو يسمع. قال د. إبراهيم أنيس:
«وقعت لنا أخيرا محاضرة ألقاها الأستاذ الألماني أ. شاده الذي كان يقوم بالتدريس في كلية الآداب، وفيها يعرض لآراء سيبويه ويناقشها.
وكان مما أخذه المحاضر على سيبويه استعماله كلمة (الحرف) التي تعبر في الحقيقة عن الرمز المكتوب، فقد استعملها لما يسمع أيضا.
ولكن يعتذر عن هذا بأن كثيرا من علماء أوربا ظلوا إلى عهد قريب يسلكون نفس المسلك.» «٢»
_________________
(١) الخصائص: ابن جني، تحقيق: محمد علي النجار، دار الهدى، بيروت، ط ٢، ص ٢/ ٣١٥؛ وانظر سر الصناعة: ١/ ١٧.
(٢) الأصوات اللغوية: د. إبراهيم أنيس، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ط ٤، ١٩٩٢ م، ص ١١١.
[ ٤٣ ]
وغاية ما في الأمر أن يكون (الحرف) أصلا فيما يكتب كما ذكروا، ثم تجوّز العلماء في استعماله لما ينطق أو يسمع على سبيل حذف المضاف، أي:
صوت الحرف، كقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف ٨٢]، أي: أهل القرية؛ ولا مشاحّة في الاصطلاح.
وأما الصوت فعلاقته بالحرف عندهم علاقة العامّ بالخاصّ، فهو مادّة الحرف. قال ابن سينا: (ت ٤٢٨ هـ): «والحرف هيئة للصوت عارضة له يتميّز بها عن صوت آخر مثله في الحدّة والثّقل تميّزا في المسموع» «١»، فضلا عن عموم استخدام (الصوت) في الإنسان وغيره؛ قال ابن جني: « الصوت مصدر صات الشيء يصوت صوتا، فهو صائت، وصوّت تصويتا فهو مصوّت، وهو عام غير مختص، يقال: سمعت صوت الرجل، وصوت الحمار، قال الله تعالى: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان ١٩] » «٢»
- ثم ذكر ابن أبي مريم أن لهذه الحروف التسعة والعشرين فروعا، بعضها مستحسن وبعضها غير مستحسن، قال:
«وهذه الحروف التسعة والعشرون قد يلحقها ستة أحرف أخر هي متفرعة عنها حتى تبلغ خمسة وثلاثين حرفا، وهذه الستة مستحسنة، يقع أكثرها في القرآن، ويجيء كلها في الفصيح من كلام العرب:
أحدها: النون الخفية
والثاني: الهمزة المخففة
والثالث: الألف الممالة
_________________
(١) رسالة أسباب حدوث الحروف: ابن سينا، تحقيق: محمد حسان الطيان ويحيى مير علم، تقديم ومراجعة: د. شاكر الفحام وأحمد راتب النفاخ، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق، دار الفكر، دمشق، ط ١، ١٩٨٣ م، ص ٦٠؛ وانظر سر الصناعة: ١/ ٦.
(٢) سر الصناعة: ١/ ٩ - ١٠.
[ ٤٤ ]
والرابع: الصاد التي هي كالزاي، وهي التي تسمّى المضارعة بين الزاي والصاد، نحو (الزّراط) إذا لم تجعلها زاء خالصة ولا صادا خالصة.
والخامس: ألف التفخيم، وهي التي ينحى بها نحو الواو ك (الصلاة) و(الزكوة).
والسادس: الشين التي هي كالجيم «١».
وهذان الحرفان- أعني ألف التفخيم والشين التي هي كالجيم- قلّ ما يقرأ بهما في القرآن، لأنه لم يرد بهما أثر يعتمد عليه «٢».
وقد تلحق بها بعد ذلك ثمانية أحرف، هي فروع مأخوذة من الحروف المذكورة غير مستحسنة، لا يجيء واحد منها في القرآن ولا في الشعر ولا في الفصيح من الكلام، ولا تكاد توجد إلا في لغة لا يعتدّ بها، كذا ذكره سيبويه «٣»، وهي: الكاف التي بين الجيم والكاف، والجيم التي هي كالكاف، والجيم التي كالشين «٤»، والضاد الضعيفة، وهي التي تقرب من الذال، والصاد التي هي كالسين، والطاء التي هي كالتاء، والظاء التي هي كالثاء، والباء التي هي كالميم «٥».
_________________
(١) «وهي لغة لبعض العرب، يبدلون من كاف المؤنث شينا يخالط لفظها لفظ الجيم»، وتسمى الكشكشة. الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة: مكي بن أبي طالب القيسي، تحقيق: د. أحمد حسن فرحات، توزيع دار الكتب العربية، دمشق، ١٩٧٣ م، ص ٨٨.
(٢) ذكر مكي أن ورشا قرأ بألف التفخيم في (الصلاة) و(مصلّى) و(الطلاق) و(بظلّام) وشبهه. انظر الرعاية: ٨٦. وليس حديث ابن أبي مريم عن هذه الألف، لأن تفخيمها في نحو (الصلاة) في قراءة ورش ليس لذاتها، بل لتفخيم اللام قبلها لمجاورة حرف الإطباق، وما نفى ابن أبي مريم ورود الأثر المعتمد في القراءة به: تفخيم الألف لذاتها، وإن لم يكن في الكلمة حرف إطباق، نحو (الزكوة).
(٣) انظر الكتاب: ٤/ ٤٣٢.
(٤) عدّ سيبويه هاتين الجيمين جيما واحدة، انظر الكتاب: ٤/ ٤٣٢.
(٥) في الكتاب: «والباء التي كالفاء». ٤/ ٤٣٢.
[ ٤٥ ]
وهذه ثمانية أحرف قد بلغت بها الحروف ثلاثة وأربعين، وإن كانت هذه الثمانية غير معتدّ بها.» «١»
إن التفريق بين أصول الحروف وفروعها يذكّر بالتفريق بين الفونيم) Phoneme (والألفون) allophone (في علم الأصوات الحديث «٢»، وليس بينهما تمام اتفاق، فوجه تفرّع هذه الحروف عند اللغويين العرب أنها متولدة من امتزاج الحرفين الأصليين كما ذكر، عدا النون الخفية فوجه تفرعها أنها في الأصل صفة النون المظهرة «٣»؛ وهذا ما يفسّر إغفالهم ذكر اللام المفخمة والراء المرققة هنا.
و«أساس تقسيم الحروف الفرعية إلى مستحسنة ومستقبحة هو كثرة الاستخدام وقلّته، فما كثر استخدامه منها في لغة من ترتضى عربيته كان مستحسنا، وما قلّ استخدامه كان مستقبحا.» «٤»