- ارتقى التأليف في الاحتجاج للقراءات من نظرات متناثرة رويت لنا عن بعض الصحابة وأئمة القراء إلى وضع مؤلفات استوعبت القراءات أجمع.
_________________
(١) انظر على الترتيب المعاني: ١/ ٧٤، وإعراب السبع: ١/ ٣، والحجة (خ): ٦١ - ٦٢ (وليس فيهما تصريح بالاعتماد على كتاب السبعة لابن مجاهد، غير أن القرائن على ذلك كثيرة، منها تلمذة ابن خالويه لابن مجاهد، وأن أسانيده التي ذكرها إلى القراء السبعة تمرّ به)، والحجة (ع): ١/ ٥ - ٦.
(٢) انظر الكشف: ١/ ٣ - ٤.
(٣) انظر الهداية: ١/ ٣.
(٤) انظر الموضح: ١/ ١٠٢.
(٥) من أجل ذلك أخذ ابن جني على شيخه أبي علي أنه أغمض (الحجة) على كثير من اللغويين، فضلا عن القراء الذين ألف الكتاب لهم. انظر المحتسب: ١/ ٣٤، ١٩٧، ٢٣٦.
(٦) المحتسب: ١/ ١٠.
[ ١٦ ]
- وأكثر الصحابة ممن روي عنهم هذا الضرب من النظر: ابن عباس (ت ٦٨ هـ)، ومنه قوله تعالى: قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة ٢٥٩]، قال ابن زنجلة:
«قرأ حمزة والكسائي: (قال اعلم أن الله على كل شيء قدير) جزما على الأمر من الله، وحجتهما قراءة ابن مسعود: (قيل اعلم أن الله على كل شيء قدير). وكان ابن عباس يقرؤها أيضا: (قال اعلم) ويقول: أهو خير أم إبراهيم إذ قيل له: وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة ٢٦٠]؟» «١»
ومنه قوله تعالى: كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [البقرة ٢٨٥]، قرأ حمزة والكسائي وخلف: (وكتابه) بالإفراد، وقرأ الباقون: (وكتبه) بالجمع، «قال أبو منصور:
عن ابن عباس أنه قرأ: (كتابه)، وقيل له في قراءته فقال: (كتاب) أكثر من (كتب).
قال أبو منصور: ذهب به إلى الجنس، كما يقال: كثر الدرهم والدينار في أيدي الناس.
ومن قرأ: (وكتبه) فهو مثل: حمار وحمر، وغلاف وغلف.» «٢»
ومنه قوله تعالى: قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ [الإسراء ١٠٢]، قرأ الكسائي: (لقد علمت) بالضم، وقرأ الباقون: (لقد علمت) بالفتح، قال ابن خالويه: «وبلغ ابن عباس وابن مسعود أن عليا قرأ: (لقد علمت) فقالا: (لقد علمت) بالفتح، لأن الله تعالى قال:
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا [النمل ١٤].» «٣» «٤»
_________________
(١) الحجة (ز) ١٤٤، وانظر الكشف: ١/ ٣١٢.
(٢) المعاني: ١/ ٢٣٨ - ٢٣٩، وانظر الحجة (ز): ١٥٢ - ١٥٣.
(٣) إعراب السبع: ١/ ٣٨٤.
(٤) انظر فيما روي من احتجاج بعض الصحابة للقراءات الحجة (ع): ٣/ ٩٦ - ٩٧، والكشف: ١/ ٣٦٣.
[ ١٧ ]
- وأكثر أئمة القراء ممن روي عنه هذا الضرب من النظر: أبو عمرو بن العلاء (ت ١٥٤ هـ)، ومنه قوله تعالى: قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ [آل عمران ١٥]، قال ابن زنجلة: «ذكر أبو بكر بن مجاهد في كتابه عن أبي عبد الرحمن اليزيدي عن أبيه قال: لقيني الخليل بن أحمد في حياة أبي عمرو، قال لي: لم قرأ:
آؤلقي الذّكر [القمر ٢٥] وآؤنزل [ص ٨]، ولم يقرأ: (آؤنبئكم)؟ قال: فلم أدر ما أقول له، فرحت إلى أبي عمرو فذكرت له ما قال الخليل، فقال: فإذا لقيته فأخبره أن هذا من (نبّأت) وليس من (أنبأت)، قال: فلقيته فأخبرته بقول أبي عمرو فسكت.» «١»
ومنه قوله تعالى: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا [نوح ٢٥]، قرأ أبو عمرو:
(خطاياهم)، وقرأ الباقون: (خطيئاتهم)، قال ابن خالويه: «فأما قراءة أبي عمرو فإن ابن مجاهد حدثني عن ابن عياش عن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال: قال أبو عمرو: إن قوما كفروا ألف سنة: كانت لهم خطيئات؟ لا بل خطايا!
يذهب أبو عمرو إلى أن التاء والألف للجمع القليل، وهو جمع السلامة في المؤنث، و(خطايا) جمع التكسير، وهو الكثير «٢» » «٣» «٤»
ومنه قوله تعالى: فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ [المرسلات ٢٣]، قرأ نافع
_________________
(١) الحجة (ز): ١٥٥، وانظر الهداية: ١/ ٤٨. ومعنى هذا الاحتجاج أن الهمزة في (أؤنبئكم) عارضة في المضارع، وليست ثابتة في الماضي والمصدر؛ والهمزة في (أؤنزل) ثابتة في الماضي والمصدر لفظا، وفي المضارع تقديرا، لأن (أنزل) أصله: (أؤنزل)، فلما لزمت كانت أثقل، وكان الفصل معها أوجب إذا دخلت عليها همزة استفهام.
(٢) كذا، ولعل الصواب: للكثير.
(٣) إعراب السبع: ٢/ ٣٩٧، وانظر الحجة (خ): ٣٥٣، والحجة (ز): ٧٢٦.
(٤) قال سيبويه: «وقد يجمعون بالتاء وهم يريدون الكثير». الكتاب، تحقيق: عبد السلام هارون، دار الجيل، بيروت، ط ١، ١٩٩١ م، ص ٣/ ٥٧٨.
[ ١٨ ]
والكسائي وأبو جعفر: (فقدّرنا) بالتشديد، وقرأ الباقون: (فقدرنا) بالتخفيف، قال ابن زنجلة:
«وقيل للكسائي: لم اخترت التشديد واسم الفاعل ليس مبنيا على هذا الفعل؟ فقال: هذا بمنزلة قوله: فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ [الطارق ١٧]، ثم قال:
أَمْهِلْهُمْ ولم يقل: (مهّلهم)، فجمع بين اللغتين. ومثله: فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا [المائدة ١١٥] ولم يقل: (تعذيبا).» «١» «٢»