- ذهب أبو علي إلى « أن الحركة في التقدير كأنها تلي الحرف المتحرك بها، والحرف قبلها. يدلّك على ذلك أنها لا تخلو من أن تكون قبله أو بعده «٥»، فلا يجوز أن تكون قبله، لأنها لو كانت كذلك لكانت الياء من اليسار لا تنقلب واوا، والواو من الوعد لا تنقلب ياء في: (ميعاد) أو (موسر)؛ ألا ترى أن الميم لا تقلب هذين الحرفين؟
فلما انقلبا علمت أن الموجب لقلبهما ملازمتهما الياء أو الواو.» «٦»
أراد: أن قلب الواو ياء في نحو (ميعاد) يدلّ على أن الكسرة بعد الميم لا قبلها، لأنه لو كانت قبلها لم تل الواو، وإذا لم تلها لم يجب قلبها لحجز الميم بينهما.
_________________
(١) نحو: اضربان زيدا، واضربنان زيدا؛ وأنكر ذلك سيبويه. انظر الحجة (ع): ٣/ ٤٤١، ٤/ ٤١٣؛ والهداية: ١/ ٤٥، ٢/ ٢٩٦؛ والموضح: ١/ ٥١٨. وانظر الكتاب: ٣/ ٥٢٧.
(٢) هو نافع.
(٣) الحجة (ع): ١/ ٨٩ - ٩٠، وانظر المصدر نفسه: ٤/ ٤١٣، والهداية: ١/ ٦٣.
(٤) انظر ص ٢٠٨ من هذا البحث.
(٥) انظر الحجة (ع): ٢/ ٤٢٣، وبقي احتمال ثالث، وهو أن تكون معه، وإليه مال ابن جني في المحتسب: ٢/ ١٤٩.
(٦) الحجة (ع): ١/ ٣٩٣، وانظر المصدر نفسه: ١/ ٣٩٨.
[ ٩٠ ]
وكذلك قلب الياء واوا في نحو (موسر) «١».
- واستند المهدوي إلى أن الحركات مقدرة بعد الحروف في تفسيره بعض الظواهر الصوتية:
آ- قال في تخفيف الهمزة الساكنة بإبدالها حرف مدّ من جنس حركة ما قبلها:
«فإن قال قائل: لم أبدلت بحركة ما قبلها ولم تبدل بحركة ما بعدها، وكل واحد قريب منها؟
فالجواب عن ذلك: أن حركة ما قبلها أقرب إليها بسبب أن الحركات مقدرة بعد الحروف، فالضمة في (مؤمن) مقدرة بعد الميم، والكسرة التي في الميم التي بعد الهمزة مقدرة أيضا بعد الميم، فالميم حائلة بين الهمزة والكسرة، فحركة ما قبلها على هذا الذي شرحناه أقرب إليها.» «٢»
ب- وقال أيضا: «فإن قال قائل: قد رأيناهم يجيزون جعل الهمزة بين بين إذا كانت قبل الساكن نحو: (سألت) وما أشبهه، ومنعوا من ذلك إذا كانت بعد الساكن، والذي يتوقّى من التقاء الساكنين يكون فيها إذا كانت قبل الساكن أو بعده؟
فالجواب عن ذلك: أن الحركات مقدرة بعد الحروف على حسب ما قدمناه، فإذا كانت همزة بين بين بزنة المتحركة وسبقت الساكن، كانت حركتها حائلة بينها وبين ذلك الساكن، فجاز وقوعها قبل الساكن لذلك.
وإذا كانت همزة بين بين بعد الساكن وحركتها مقدرة بعدها لم يكن بينها وبين الساكن حائل، فلذلك افترق وقوعها قبل الساكن من وقوعها بعده.» «٣»
ج- وقال في إجماع القراء على ترقيق الراء الساكنة إذا انكسر ما قبلها:
_________________
(١) انظر الخصائص: ٢/ ٣٢٢.
(٢) الهداية: ١/ ٥٨.
(٣) الهداية: ١/ ٦٢.
[ ٩١ ]
«فإن قال قائل: لم أجمعوا على ترقيق الراء الساكنة إذا انكسر ما قبلها نحو: (فرعون) و(شرعة)، ولم يرققوها إذا انكسر ما بعدها نحو: (مرجع)؟
فالجواب عن ذلك: هو ما قدمناه من أن الحركات مقدرة بعد الحروف، فكسرة الفاء من (فرعون) مقدرة بين الفاء والراء، فقربت من الراء فكأنها عليها، وكسرة الجيم من (مرجع) مقدرة بعد الجيم، فالجيم في التقدير حائلة بين الراء والكسرة.
وهذا مذهب مشهور قد نصّ عليه سيبويه وغيره من النحويين «١»، أعني:
تقدير الحركات بعد الحروف » «٢»