١ - أبو علي الفارسي:
في عصر ابن خالويه ظهر رجل له شهرته، ومكانته في النحو واللغة والقراءات، ذلك هو الحسن بن أحمد بن عبد الغفار بن سليمان الفارسي.
كان الفارسي من أكابر أئمة النحو، وشغل الناس بآرائه في القياس والعلّة والمنطق والجدل حتى فضله كثير من النحويين على أبي العباس المبرد.
وقال فيه أبو طالب العبدي: ما كان بين سيبويه وأبي علي أفضل منه «٢».
هذه المنزلة التي وصل إليها أبو علي في النحو جعلت عضد الدولة يقول: أنا غلام أبي علي في النحو. «٣»
وكانت المنافسة بين ابن خالويه وأبي علي الفارسي على أشدّها. فقد كتب أبو علي كتابه «الإغفال»، وذكر فيه ما أغفله شيخه أبو إسحاق الزجاج في كتابه: «معاني القرآن»، ولكن هذا النقد الذي وجهه أبو علي إلى أستاذه الزّجاج في (الإغفال) لم يرض ابن خالويه، فتعقبه فيما كتب. وعقب على تعقيبه أبو على في كتاب سماه «نقض الهاذور» وبسط الكلام فيه كل البسط. وقد أورد البغدادي في «خزانته» طائفة من المسائل التي كانت موضع نقاش بين أبي علي وابن خالويه، أذكر منها على سبيل المثال قول ابن خالويه:
«إن الواو إذا كانت في أوائل القصائد نحو: وقاتم الأعماق فإنها تدل على ربّ فقط، ولا تكون للعطف، لأنه لم يتقدم ما يعطف عليه بالواو.
وقال الفارسي في «نقض الهاذور»: هذا شيء لم نعلم أحدا ممّن حكينا قوله ذهب إليه، ولا قال به» «٤».
_________________
(١) البغية ١ - ٥٣٠
(٢) نزهة الألباء: ٢٠٨
(٣) معجم الأدباء ٧ - ٢٣٤
(٤) خزانة الأدب: ١ - ٣٩.
[ ٩ ]
وقال ابن الأنباري في (نزهة الألباء): إنه اجتمع هو وأبو علي الفارسي فجرى بينهما كلام، فقال لأبي علي: نتكلّم في كتاب سيبويه، فقال له أبو عليّ: بل نتكلم في الفصيح.
ويحكى أنه قال لأبي علي: كم للسيف اسما؟ قال: اسم واحد، فقال له ابن خالويه:
بل أسماء كثيرة، وأخذ يعدّدها نحو: الحسام، والمخذم، والقضيب فقال أبو علي:
هذه كلها صفات. «١»
ولم تكن منافسة ابن خالويه لأبي علي إلّا صدى لمنافسة أستاذه أبي سعيد السيرافي لأبي علي الفارسي، فقد كان أبو علي- كما يقول أبو حيان التوحيدي- «متقدا بالغيظ على أبي سعيد وبالحسد له، كيف تمّ له تفسير كتاب سيبويه من أوّله إلى آخره، بغريبه، وأمثاله، وشواهده، وأبياته، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، لأن هذا شيء ما تمّ للمبرد، ولا للزجاج، ولا لابن السراج، ولا لابن درستويه مع سعة علمهم، وفيض كلامهم» «٢».
ولمنزلة أبي سعيد السّيرافي في نفس تلميذه ابن خالويه أرسل إلى سيف الدولة ليعلمه تطاول الفارسيّ على السّيرافيّ، وهو تطاول غير محمود، لأن منزلة السّيرافي وبخاصة بعد هزيمة (متّى) المنطقي نسجت حوله ثوبا من القدسية والمهابة، فلا يليق بأبي علي أو غيره، أن ينال من هذه الشخصية التي أعلت لغة العرب، وذلّلت مصاعب كتاب سيبويه.
ولم يسكت الفارسي حينما علم خبر هذه الرقعة- فأرسل إلى سيف الدولة رقعة ينفي فيها عن نفسه التهمة، ويزيل اللّبس. ومن العبارات التي ضمتها رسالة الفارسي قوله: «من ذلك بعض ما يدل على قلة تحفظ هذا الرجل- يعني بذلك ابن خالويه فيما يقوله- هو قوله:
لو يبقى عمر نوح ما صلح أن يقرأ على السّيرافي مع علمه بأن (ابن بهراذ) السّيرافي يقرأ عليه الصبيان ومعلموهم، أفلا أصلح أن أقرأ على من يقرأ عليه الصبيان؟ هذا، مما لا خفاء فيه، كيف، وقد خلط فيما حكاه عنّي؟. وأني قلت: إنّ السيرافي قد قرأ عليّ. ولم أقل هذا، إنما قلت: تعلّم مني، أو أخذ منّي هو أو غيره ممّن ينظر اليوم في شيء من هذا العلم. وليس قول القائل: تعلّم منّي مثل قرأ عليّ، لأنه يقرأ عليه من لا يتعلّم منه، وقد يتعلّم منه من لا يقرأ عليه. وتعلّم ابن بهراذ السيرافي منّي في أيام محمد بن السّري وبعده
_________________
(١) نزهة الألباء: ٢٠٨.
(٢) الإمتاع والمؤانسة: ١٣١.
[ ١٠ ]
لا يخفى على من كان يعرفني ويعرفه كعليّ بن الورّاق، ومحمد بن أحمد بن يونس، ومن كان يطلب هذا الشأن من بني الأزرق الكتّاب وغيرهم. وكذلك كثير من الفرس الذين كانوا يرونه يغشاني في (صف شوينز) كعبد الله بن جعفر بن درستويه النحوي، لأنه كان جاري بيت بيت قبل أن يموت الحسن بن جعفر أخوه، فينتقل إلى داره التي ورثها عنه في درب الزعفراني» «١».
وإنّي حرصت على تسجيل هذا الجزء من هذه الرسالة، ليكون مثالا واضحا يدلّ على مدى التّنافس الكبير الذي كان بين الرجلين، ليظفر كلّ منهما بقلب سيف الدولة من ناحية، وازدهار هذا العصر في مجالات اللغة والنحو من ناحية أخرى.
٢ - المتنبي:
لم يكن أبو الطّيّب أحمد بن الحسين الجعفي شاعرا يملأ الدنيا بأشعاره، وتسمع كلماته من به صمم فحسب، بل كان لغويا نحويّا متضلّعا، يدلّ على ذلك أن أبا الطيب «اجتمع هو وأبو علي الفارسيّ، فقال له أبو علي: كم جاء من الجمع على وزن فعلي؟ (بكسر الفاء) فقال المتنبي: حجلى وظربى، جمع: حجل وظربان. قال أبو علي: فسهرت تلك الليلة ألتمس لهما ثالثا فلم أجد. وقال في حقه: ما رأيت رجلا في معناه مثله» «٢».
اتصل المتني بسيف الدولة يمدحه، ويكثر من المدح فيه، وكانت بينه وبين ابن خالويه في مجلس سيف الدولة مناقشات توضح مدى التنافس بين الرجلين.
يحكى أنه لما أنشد سيف الدولة بن حمدان قوله في مطلع بعض قصائده:
وفاؤكما كالزبع أشجاه طاسمه.
كان هناك ابن خالويه، فقال له: يا أبا الطيّب: إنما يقال: شجاه- توهّمه فعلا ماضيا- فقال أبو الطيّب: اسكت فما وصل الأمر إليك. «٣»
وقال له ابن خالويه النحوي يوما في مجلس سيف الدولة: لولا أن أخي جاهل لما رضي أن يدعي بالمتنبي، لأن معنى المتنبي. كاذب، ومن رضي أن يدعي بالكذب فهو جاهل فقال:
لست أرضى أن أدعي بذلك، وإنما يدعوني به من يريد الغض مني، ولست أقدر على المنع. «٤»
_________________
(١) المسائل الحلبية: لأبي علي الفارسي، ورقة ١١٤، مخطوط رقم ٢٦٦ نحو. تيمور.
(٢) نزهة الألباء: ٢٠١.
(٣) نزهة الألباء: ٢٠١.
(٤) نزهة الألباء: ٢٠٠.
[ ١١ ]
وذكر الرئيس أبو الحسن محمد بن علي بن نصر الكاتب في كتاب: «المفاوضة»:
حدثني أبو الفرج عبد الواحد بن نصر الببغاء قال: وأذكر ليلة، وقد استدعي سيف الدولة بدرة، فشقها بسكين الدواة، فمدّ ابن خالويه جانب طيلسانه، وكان صوفا أزرق فحثا فيه سيف الدولة شيئا صالحا، ومددت ذيل درّاعتي وكانت ديباجا، فحثا إليّ فيها، وأبو الطيّب حاضر، وسيف الدولة ينتظر منه أن يفعل مثل فعلنا، أو يطلب شيئا منها، فما فعل، فغاظه ذلك، فنثرها كلها، فلما رأى المتنبي أنها قد فاتته زاحم الغلمان يلتقط معهم، فغمزهم عليه سيف الدولة، فداسوه وركبوه، وصارت عمامته وطرطوره في عنقه، واستحيا، ومضت له ليلة عظيمة، وانصرف.
وخاطب أبو عبد الله بن خالويه سيف الدولة في ذلك، فقال: ما يتعاظم تلك العظمة، ويتضع إلى مثل هذه المنزلة إلّا لحماقته. «١»
٣ - ابن جنّي:
أبو الفتح عثمان بن جنّى النحوي من معاصري ابن خالويه، فقد توفي ابن جنى سنة ٣٩٢ هـ.، على حين توفي ابن خالويه ٣٧٠ هـ. «٢» وقد تتلمذ ابن جنى على أبي علي الفارسيّ، وصحبه أربعين سنة. وكان سبب صحبته إياه أن أبا علي الفارسي سافر إلى (الموصل)، فدخل الجامع، فوجد أبا الفتح عثمان بن جنى يقرأ النحو، وهو شاب، وكان بين يديه متعلّم، وهو يكلّمه في قلب الواو ألفا، نحو: قام، وقال، فاعترض عليه أبو علي فوجده مقصّرا، فقال له أبو علي: زبّبت قبل أن تحصرم، ثم قام أبو علي ولم يعرفه ابن جني، وسأل عنه، فقيل له: هو أبو علي الفارسي النحوي فأخذ في طلبه، وصاحبه إلى أن مات أبو علي وخلفه ابن جنّى ودرس النحو ببغداد بعده، وأخذ عنه. «٣»
والذي يعنيني من هذه المعاصرة أن ابن جنّي تتلمذ على أبي علي الفارسي، وأن ابن خالويه تتلمذ على أبي سعيد السيرافي. والشيخان رأسان في عصرهما، عاشا في مجال النحو واللغة يبدعان ما شاء لهما الإبداع، ولكنهما افترقا في المنهج والطريقة. وقد أثرت هذه التفرقة في نفس تلميذيهما، فسارا على الدرب، وسلكا نفس المنهج. فالفارسي وتلميذه
_________________
(١) إنباه الرواة: ١ - ٣٢٧.
(٢) نزهة الألباء: ٢٢٢.
(٣) نزهة الألباء: ٢٢١.
[ ١٢ ]
يكثران من المنطق والعلة. وأبو سعيد وتلميذه لا يحفلان بأهمية المنطق، ولا يعيران التعليل النحوي هذا الاهتمام البالغ، وإنما يحفلان بالرواية، والأثر، والسماع، وما نقل عن العرب يدلّ على ذلك قول بعض الأدباء في رءوس النحو الثلاثة الفارسي، والرمّاني، والسيرافي:
«كنّا نحضر عند ثلاثة مشايخ من النحويين، فمنهم من لا نفهم من كلامه شيئا، ومنهم من نفهم بعض كلامه دون البعض، ومنهم من نفهم جميع كلامه، فأمّا من لا نفهم من كلامه شيئا، فأبو الحسن الرمّاني، وأمّا من نفهم بعض كلامه دون البعض فأبو علي الفارسيّ، وأمّا من نفهم جميع كلامه فأبو سعيد السّيرافيّ» «١».
هذا، وقد كان بلاط سيف الدولة يشهد في كل المجالس العلميّة والأدبيّة التي تعقد فيه مناظرات عديدة بين الفارسيّ وابن خالويه من ناحية، وبين ابن خالويه والمتنبي من ناحية أخرى وكان ابن جنى يشهد هذه المجالس، وتوثقت صلته بالمتنبي حتى قال فيه المتنبي:
«هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس»، وهذا التقدير الأدبي من جانب المتنبي جعل ابن جنى يشرح ديوانه شرحا كما يقول المرحوم الأستاذ أحمد أمين: «استفاد منه كلّ من شرح الديوان بعده لاتصاله بالمتنبي، ومعرفته بظروف شعره التي كثيرا ما تحدّد المعنى، وتمنع التأويلات». «٢»
وكما توثقت الصلة بين ابن جنّى العالم النحوي وبين المتنبي الشاعر، كذلك توثقت الصلة بين ابن خالويه العالم النحوي وبين الشاعر أبي فراس الحمداني الذي كان الرواية الوحيد لشعره وديوانه. وقد صوّر هذه المنافسة المرحوم أحمد أمين حيث قال ما نصه:
«فكان في القصر- يقصد قصر سيف الدولة- حزبان، حزب للمتنبي منه ابن جنّى النحوي، وحزب عليه، منه ابن خالويه اللغوي وأبو فراس الشاعر» «٣».