قدمت أن ابن مجاهد هو أول من سبع السبعة، وأنه بهذا العمل الذي انفرد به استطاع أن يفتح باب الاحتجاج بالقراءات في مجال اللغة والنحو، فتسابق تلاميذه ومعاصروه في التأليف في هذا الفن.
وأوّل من شرع في هذا من معاصريه «أبو بكر محمد بن السّريّ شرع في تفسير صدر من ذلك في كتاب كان ابتدأ بإملائه ولكنه لم يتمه» «٣».
_________________
(١) معجم الأدباء: ٧ - ٢٥٦.
(٢) المزهر: ٢ - ٣.
(٣) انظر مقدمة الحجة رقم ٤٦٢ - قراءات نسخة مصوّرة بدار الكتب. وانظر مقدمة: المحتسب لابن جنى مطبوعات المجلس الأعلى للشئون الإسلامية.
[ ٢٨ ]
وأمكن لأبي علي الفارسي أن ينجح فيما قصر فيه محمد بن السّريّ فألف كتابه:
«الحجة» في الاحتجاج بالقراءات.
وكتاب الحجة بين أيدينا مخطوطا حيث تضم دار الكتب والمكتبة الأزهرية نسخا منه، ومطبوعا منه الجزء الأول الذي قام بتحقيقه أستاذنا علي النجدي، والمرحوم الدكتور النجار والدكتور عبد الفتاح شلبي، وهم في هذا التحقيق قدّموا جهدا جبّارا يتناسب مع هذا العمل الخالد.
وبمقارنة كتاب الحجة للفارسي بكتاب الحجة لابن خالويه نتبيّن اختلاف المنهجين، وتباين الطريقتين:
فأبو علي في حجته يغوص إلى الأعماق، فمن لم يكن ذا مقدرة على الغوص، لا يستطيع أن يتابع الفارسي، ولا يستطيع أن يصل إلى الجوهر المنشود، فكثرة الاستطرادات، وضخامة التعليلات، قد تحول بينه وبين ما يريد.
ومن هنا كان كتاب الحجة للفارسي كتابا لا يفهمه إلّا القلة. ولا تهضمه إلّا فئة خاصة تسلحت بما تسلح به أبو علي من عقلية منطقية، تؤمن بالقياس، وتجري وراء العلّة.
وحتى في عصره، عصر الازدهار الفكري، عصر المنطق والجدل، عصر المناظرات التي كانت تتعدّد حلقاتها في بلاط الأمراء، لم يلق هذا الكتاب قبولا حسنا، ولم يصادف في نفوس معاصريه التقدير اللازم لهذا الجهد المبذول فيه:
ويكفينا في هذا المقام شهادة تلميذه ابن جني في ذلك وهي شهادة على النفس؛ لأن أبا علي من ابن جني بمثابة الروح من الجسد.
يقول ابن جني في كتاب: «المحتسب» ما نصه: «فإن أبا علي ﵀ عمل كتاب الحجة في القراءات فتجاوز فيه قدر حاجة القراء إلى ما يجفو عنه كثير من العلماء» «١».
ويقول في موضع آخر عند تعرضه لقوله تعالى في سورة الأنعام: تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ «٢».
«وقد كان شيخنا أبو علي عمل كتاب الحجة، في قراءة السبعة، فأغمضه وأطاله
_________________
(١) انظر مقدمة الحجة المصور، وانظر مقدمة المحتسب من مطبوعات المجلس الأعلى للشئون الإسلامية.
(٢) الأنعام: ١٥٤.
[ ٢٩ ]
حتى منع كثيرا ممن يدّعي العربية. فضلا عن القرّاء، وأجفاهم عنه» «١».
وأما كتاب الحجة لابن خالويه، فإن ابن خالويه في حجته نهج نهجا آخر، نهجا يقوم على الرواية والسماع، فليست اللغة في نظره تؤخذ من المنطق، أو تقوم على الأقيسة كما كان يفعل أبو علي في الحجّة.
ولعل السرّ في تأليف الحجة لابن خالويه أنه أحسّ في مرارة أن كتاب أبي عليّ، لا ينتفع به الخاصة فضلا عن العامّة، فحفزه ذلك إلى تأليف كتابه في أسلوب سهل ممتع، وفي عرض يشرق عليك بهاؤه، ويستولي على نفسك جماله. وقد جعل الاختصار رائده ليتحقق الهدف الأكبر من تأليفه، وهو انتفاع الناس به أو كما يقول: «قاصد قصد الإبانة، في اختصار من غير إطالة ولا إكثار جامعا ذلك بلفظ بيّن جزل، ومقال واضح سهل، ليقرب على مريده، وليسهل على مستفيده «٢».