ابن خالويه كانت له قدم راسخة في الدراسات اللغوية، فقد تتلمذ على ابن دريد- كما ذكرنا- وابن دريد له في اللغة كتاب «الجمهرة» وهو كتاب ثمين عرف قيمته أولو العلم، ورجالات الأدب منذ تأليفه، فأبو علي القالي كان يملك نسخة من «الجمهرة» بخط مؤلفها، وكان قد أعطى بها ثلاثمائة مثقال فأبى، فاشتدت
_________________
(١) نزهة الألباء: ٢١١.
(٢) ظهر الإسلام: ١ - ١٨٦.
(٣) ظهر الإسلام: ١ - ١٨٦.
[ ١٣ ]
به الحاجة فباعها بأربعين مثقالا وكتب عليها هذه الأبيات:
أنست بها عشرين عاما وبعتها وقد طال وجدي بعدها وحنيني
وما كان ظني أنّني سأبيعها ولو خلدتني في السجون ديوني
ولكن لعجز وافتقار وصبية صغار عليهم تستهلّ شئوني
فقلت: ولم أملك سوى عبرتي مقالة مكوىّ الفؤاد حزين
وقد تخرج الحاجات يا أم مالك كرائم رب بهنّ ضنين
قال: فأرسلها الذي اشتراها، وأرسل معها أربعين دينارا أخرى. «١»
وابن خالويه كان راويا لهذه الجمهرة. وقد كتب عليها حواشي من استدراكه على مواضع منها، ونبه على بعض أوهام وتصحيفات. «٢»
ولمكانة ابن خالويه اللغوية ردّ على ابن دريد، ونقده في مسائل عديدة من جمهرته.
فمثلا: يقول السيوطي: ليس في الكلام كلمة صدّرت بثلاث واوات إلّا أوّل.
قال في الجمهرة: هو فوعل ليس له فعل، والأصل: وولّ قلبت الواو الأولى همزة، وادغمت إحدى الواوين في الأخرى، فقالوا: أوّل.
وقال ابن خالويه: الصّواب: أن أوّل: أفعل بدليل صحبة (من) إيّاه، تقول:
«أول من كذا» «٣».
ومما يدل على اتساعه في حفظ اللغة ردّه على ابن دريد حينما قال في جمهرته: لم يجيء في الكلام فعل فعلا إلّا حرفان: حنق حنقا، وضرط ضرطا.
قال ابن خالويه: وحكى الفرّاء: حلف حلفا، وحبق حبقا، وسرق سرقا، ورضع رضعا. «٤»
ولابن خالويه حسّ مرهف في إدراك أسرار اللغة وتذوّقه لها:
قال السيوطي: لم يأت اسم المفعول من أفعل على فاعل إلّا في حرف واحد، وهو قول العرب: أسمت الماشية في المرعى، فهي سائمة، ولم يقولوا مسامة، قال تعالى:
_________________
(١) المزهر: ١ - ٩٥.
(٢) المزهر: ١ - ٩٥.
(٣) المزهر: ١ - ٦٠.
(٤) المزهر: ٢ - ٧٥.
[ ١٤ ]
«فِيهِ تُسِيمُونَ» «١»: من أسام يسيم.
قال ابن خالويه: أحسب المراد: أسمتها أنا، فسامت هي، فهي سائمة، كما تقول:
أدخلته الدار فدخل، فهو داخل. «٢»
وابن خالويه محيط بمعظم كلام العرب، حافظ له. قال في كتاب «ليس»: قلت لسيف الدولة بن حمدان: قد استخرجت فضيلة ل (حمدان) جدّ سيدنا لم أسبق إليها، وذلك أن النحويين زعموا أنه ليس في الكلام مثل: رحيم وراحم، ورحمان، إلّا نديم، ونادم، وندمان. وسليم، وسالم، وسلمان، فقلت: فكذلك: حميد، وحامد، وحمدان. «٣»
ويؤمن بلغة الأعراب، يستشهد بها في مواطن الاستشهاد قال في شرح «الدريدية»:
كل اسم على فعيل ثانية حرف حلق يجوز فيه اتباع الفاء العين نحو بعير، شعير، رغيف، رحيم. أخبرنا ابن دريد عن أبي حاتم عن الأصمعي أن شيخا من الأعراب سأل الناس، فقال: ارحموا شيخا ضعيفا. «٤»
والأمثلة عديدة على مكانته اللغوية اكتفى بما ذكرت منها حبّا في الإيجاز.
والسؤال الذي يقال هنا إنّ لابن خالويه أثارا لغوية تشهد بفضله، وتشير إلى قدره، وهي آثار لا تنكر، لأنها واقع ملموس، فهل كان ابن خالويه في النحو كاللغة ..؟ في رأيي أن ابن الأنباري ظلم ابن خالويه حينما قال عنه في مجال النحو: «ولم يكن في النحو بذاك» «٥» لأن ابن خالويه له آراء في النحو لا تقل عن آرائه في اللغة كما يبدو لنا ذلك عند دراستنا لكتاب الحجّة.
ولعل السبب في عدم اشتهار ابن خالويه بالنحو هو أنه كان يؤمن بأن اللغة تؤخذ سماعا، لا قياسا، والتأليف النحوي- كما جرت به عادة النحاة- يدور حول العلّة والمعلول، والقياس والمنطق، ومن أجل ذلك لم يؤلف كتبا عديدة في النحو، أو في أصوله كما فعل الفارسي وتلميذه ابن جنى، ولكنه مع هذا كان معلّما نحويا ولغويا، وقد سجّل له الرواة هذه الحقيقة فقالوا: «كان إماما أحد أفراد الدهر في كل قسم من أقسام العلم والأدب، وكان إليه الرحلة من الآفاق، وكان آل حمدان يكرمونه» «٦».
_________________
(١) النحل: ١٠.
(٢) المزهر: ٢ - ٨٨.
(٣) المزهر: ٢ - ٩٠.
(٤) المزهر: ٢ - ٩٠.
(٥) نزهة الألباء: ٢٠٨
(٦) إنباه الرواة: ١ - ٣٢٦.
[ ١٥ ]