قوله تعالى: قالَ رَبِّي يَعْلَمُ «٦». يقرأ بإثبات الألف وحذفها «٧». فالحجة لمن أثبت:
أنه جعله فعلا ماضيا أخبر به. والحجة لمن حذف: أنه جعله من أمر النبي ﷺ.
قوله تعالى: نُوحِي إِلَيْهِمْ «٨». يقرأ بالنون وكسر الحاء وبالياء وفتحها. فالحجة لمن قرأ بالياء: أنه أراد بذلك من شكّ في نبوة محمد صلى الله عليه، وكفر به وقال: هلّا كان ملكا؟ فأمرهم الله أن يسألوا أهل الكتب هل كانت الرسل إلّا رجالا يوحى إليهم.
والحجة لمن قرأه بالنون: أنه أراد: أن الله تعالى أخبر به عن نفسه وردّه على قوله: (أرسلنا) ليكون الكلام من وجه واحد، فيوافق بعضه بعضا.
قوله تعالى: وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ «٩». يقرأ بياء مفتوحة ورفع (الصمّ)، وبتاء
_________________
(١) طه: ١٢٤، ١٢٥.
(٢) طه: ١٣٠.
(٣) الفجر: ٢٨.
(٤) طه: ١٣٣.
(٥) البينة: ١.
(٦) الأنبياء: ٤.
(٧) وذلك في قوله «قال».
(٨) الانبياء: ٧.
(٩) الأنبياء: ٤٥.
[ ٢٤٨ ]
مضمومة ونصب (الصم). فالحجة لمن قرأ بالياء: أنه أفردهم بالفعل فرفعهم بالحديث عنهم. والحجة لمن قرأ بالتاء: أنه قصد النبي ﷺ بالفعل، ونصب (الصم) بتعدي الفعل إليهم. ودليله قوله تعالى: وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ «١» لأنّ من لم يلتفت إلى وعظ الرسول ﵇، ولم يسمع عن الله ما يخاطبه به كان كالميّت الذي لا يسمع ولا يجيب.
قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا «٢». يقرأ بإثبات الواو وحذفها. فالحجة لمن ثبتها: أنه جعلها واو العطف دخلت على ألف التوبيخ كما تدخل الفاء. والحجة لمن حذفها:
أنه اتّبع خط مصاحف أهل الشام، ومكة واجتزأ منها بالألف، لأن دخولها مع الألف وخروجها سيّان. ومعنى قوله: (رتقا): مغلقة. ومعنى (الفتق): تشقّق السماء بالمطر، والأرض بالنبات.
قوله تعالى: وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ «٣». يقرأ بالرفع والنصب. فالحجة لمن رفع:
أنه جعل كان بمعنى (حدث) و(وقع) فلم يحتج إلى خبر. والحجة لمن نصب: أنه أضمر في (كان) اسما معناه: وإن كان الشيء مثقال حبّة.
فإن قيل: فلم قال: أَتَيْنا بِها «٤»، ولم يقل (به)؟ فقل: لأن مثقال الحبّة هو الحبّة ووزنها.
قوله تعالى: وَضِياءً وَذِكْرًا «٥». يقرأ بياء وهمزة، وبهمزتين وقد ذكرت علته «٦» في (يونس) وقال الكوفيون: الواو في قوله: (وضياء) زائدة، لأن الضياء: هو:
الفرقان، فلا وجه للواو.
وقال البصريون: هي واو عطف معناها: وآتيناهما ضياء. ودليلهم قوله: فِيهِ هُدىً وَنُورٌ «٧». والنور: هو الهدى، وسمّيت التوراة فرقانا، لأنها فرّقت بين الحق والباطل.
قوله تعالى: وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ «٨» يقرأ بضم التاء وفتحها. فالحجة لمن ضم: أنه أراد:
تردون. والحجة لمن فتح: أنه أراد: تصيرون.
_________________
(١) فاطر: ٢٢.
(٢) الأنبياء: ٥٣.
(٣) الأنبياء: ٤٧.
(٤) الآية نفسها.
(٥) الأنبياء: ٤٨.
(٦) انظر: ١٨٠.
(٧) المائدة: ٤٦.
(٨) الأنبياء: ٣٥.
[ ٢٤٩ ]
قوله تعالى: جُذاذًا «١». يقرأ بضم الجيم وكسرها. فمن ضمّ أراد به: معنى حطام ورفات، ولا يثنى في هذا ولا يجمع. والحجة لمن كسر: أنه أراد: جمع (جذيذ) بمعنى: مجذوذ كقولهم: (خفيف) و(خفاف).
قوله تعالى: أُفٍّ لَكُمْ «٢» مذكور في بني إسرائيل «٣».
قوله تعالى: لِتُحْصِنَكُمْ «٤»، يقرأ بالتاء، والياء، والنون. فالحجة لمن قرأه بالتاء:
أنه ردّه على (الصنعة) و(اللّبوس) «٥» لأن اللبوس: الدرع وهي مؤنثة. والحجة لمن قرأه بالياء: أنه ردّه على لفظ (اللبوس) لا على معناه. والحجة لمن قرأه بالنون: أنه أخبر به عن الله ﷿، لأنه هو المحصّن لا الدّرع.
قوله تعالى: وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ «٦»، إجماع القرّاء على إثبات النونين الأولى علامة الاستقبال، والثانية فاء الفعل إلّا ما قرأه (عاصم) بنون واحدة مضمومة، وتشديد الجيم. فالحجة لمن قرأه بنونين وإن كان في الخط بنون واحدة: أنّ النون تخفى عند الجيم فلما خفيت لفظا، سقطت خطّا، ودل نصب المؤمنين على أن في الفعل فاعلا هو: الله ﷿.
و(لعاصم) في قراءته وجه في النحو: لأنه جعل (نجّي) فعل ما لم يسم فاعله، وأرسل الياء بغير حركة، لأن الحركة لا تدخل عليها في الرفع، وهي ساقطة في الجزم إذا دخلت في المضارع، وأضمر مكان المفعول الأول المصدر لدلالة الفعل عليه. ومنه قولهم:
من كذب كان شرا له، يريدون: كان الكذب. فلما دلّ (كذب) عليه حذف، فكأنه قال: وكذلك نجّي النّجاء المؤمنين. وأنشد شاهدا لذلك:
ولو ولدت قفيرة جرو كلب لسبّ بذلك الجرو الكلابا
«٧»
_________________
(١) الأنبياء: ٥٨.
(٢) الأنبياء: ٦٧.
(٣) انظر: ٢١٥.
(٤) الأنبياء: ٨٠.
(٥) من قوله تعالى: صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ الآية: نفسها.
(٦) الأنبياء: ٨٨.
(٧) قال في الخزانة: قفيرة بتقديم القاف على الفاء، والراء المهملة: اسم أم الفرزدق والجرو: مثلث الجيم: ولد السباع، وهذا البيت من قصيدة لجرير يهجو بها الفرزدق مطلعها:
[ ٢٥٠ ]
قوله تعالى: حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ «١» يقرءان بالتشديد والتخفيف، وبالهمز وتركه. وقد ذكرت علل ذلك فيما سلف «٢».
قوله تعالى: وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ «٣» يقرأ بفتح الحاء والراء وإثبات الألف، وبكسر الحاء وإسكان الراء وحذف الألف «٤». فالحجة لمن فتح وأثبت الألف: أنه أراد: ضد الحلال. والحجة لمن كسر الحاء وحذف الألف: أنه أراد: وواجب على قرية. و(لا) في قوله: (لا يرجعون) صلة. ومعناه: واجب عليهم الرجوع للجزاء. وقيل هما لغتان:
حرم وحرام، وحلّ وحلال.
قوله تعالى: لِلْكُتُبِ «٥». يقرأ بالتوحيد والجمع. وقد ذكرت علل ذلك آنفا «٦»، وقال بعضهم: السّجلّ: الكاتب.
قوله تعالى: فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ «٧». يقرأ بضم الزاي وفتحها. وقد ذكر فيما مضى «٨».
قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ «٩» يريد به من قبل الذكر. والذكر القرآن. والأرض:
أرض الجنة، لقوله: الصَّالِحُونَ «١٠».
_________________
(١) أقلّي اللوم عاذل والعتابا وقولى: إن أصبت لقد أصابا والشاهد في هذا البيت كما في الدّرر اللوامع: نيابة غير المفعول به مع وجوده ف (بذلك) جار ومجرور وناب عن فاعل (سب) مع وجود الكلاب وهو مفعول به. انظر: (الخزانة ١: ١٦٣ والدّرر اللوامع: ١: ١٤٤).
(٢) الأنبياء: ٩٦.
(٣) انظر: ٢٣١.
(٤) الأنبياء: ٩٥.
(٥) قراءة عامة أهل الكوفة. قال الطبري: والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان: متفقتا المعنى غير مختلفتيه، وذلك أن الحرم هو:: الحرام والحرام هو: الحرم، كما الحلّ هو: الحلال والحلال هو: الحلّ فبأيّتهما قرأ القارئ فمصيب. (الطبري: ١٧: ٦٨) المطبعة الأميرية.
(٦) الأنبياء: ١٠٤.
(٧) انظر ص: ١٠٥.
(٨) الأنبياء: ١٠٥.
(٩) انظر: ١٢٨.
(١٠) الأنبياء: ١٠٥.
(١١) الأنبياء: ١٠٥.
[ ٢٥١ ]
قوله تعالى: قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ «١». يقرأ بإثبات الألف على الخبر، وبطرحها على الأمر.
فإن قيل: ما وجه قوله (بالحق)؟ فقل: يريد احكم بحكمك الحقّ ثم سمّى الحكم حقّا.
قوله تعالى: عَلى ما تَصِفُونَ «٢». يقرأ بالياء والتاء. وقد تقدّمت العلة في ذلك من الغيبة والخطاب. فاعرفه إن شاء الله.