قوله تعالى: رُبَما يَوَدُّ «٤». يقرأ بتخفيف الباء وتشديدها. فالحجّة لمن خفّف:
أنّ الأصل عنده في التشديد باءان، أدغمت إحداهما في الأخرى، فأسقط واحدة تخفيفا.
والحجة لمن شدّد: أنه أتى بلفظها على الأصل، وهو الاختيار قال الشاعر:
يا ربّ سار بات لن يوسّدا تحت ذراع العنس أو كفّ اليدا
«٥» اختلف النحويون في نصب «اليد» هاهنا فقال قوم: موضعها خفض، ولكن الشاعر أتى بها على الأصل. وأصلها يدي، ثم قلب من الياء ألفا فقال «اليدا» كما قالوا: «الرّحا» و«العصا». والعرب تقلب الألف عند الضرورة ياء. ذكر ذلك (سيبويه) «٦» وأنشد:
_________________
(١) البقرة: ١٤٣.
(٢) إبراهيم: ٤٠.
(٣) انظر: ١٦٩ عند قوله تعالى: ثُمَّ كِيدُونِ:
(٤) الحجر: ٢.
(٥) وفي رواية الدّرر اللوامع: يا ربّ سار بات ما توسّدا إلّا ذراع العنس أو كفّ اليدا والعنس، بفتح العين، وسكون النون: الناقة الصّلبة. قال الشنقيطي: وفي الأصل العيس بالياء بدل النون جمع عيساء، وأعيس، وهي: الإبل التي يخالط بياضها شيء من الشقرة. وهذه الرواية لم نعثر عليها من وجه يوثق به، وأما رواية النون فهي صحيحة. ثم قال: ولم أعثر على قائل هذا البيت. انظر: (الدرر اللوامع ١: ١٢). وانظر: (حاشية الصبان ١: ٣٧، وشرح المفصّل ٤: ١٥٢، ١٥٣).
(٦) انظر: ٧٨.
[ ٢٠٤ ]
* قواطنا مكّة من ورق الحمى «١» * أراد الحمام فأسقط الميم الأخيرة، ثم قلب الألف ياء، فلمّا قلبوا هاهنا من الألف ياء قلبوا هناك الياء ألفا.
وقال (الأصمعي) «٢»: معنى كفّ هاهنا: قبض. وهو فعل ماض (واليد) منصوبة بتعدّي الفعل إليها.
فإن قيل: (ربّ) موضوعة للتقليل، كما وضعت (كم) للتكثير، فما وجه الإتيان بها هاهنا؟ «٣» فقل: إنّ العرب استعملت إحداهما في موضع الأخرى. ومنه قولهم: إذا أنكروا
النّونات لم يحذفها، وإنما الحذف في المدغمات كقوله تعالى: تَأْمُرُونِّي «١» وأَ تُحاجُّونِّي «٢».
والحجة لمن فتح النون وخففها: أنه أراد: نون الإعراب الدّالّة على الرفع ولم نضفها إلى نفسه.
قوله تعالى: وَمَنْ يَقْنَطُ «٣». يقرأ بفتح النون وكسرها. فالحجّة لمن فتح النون: أن بنية الماضي عنده بكسرها كقولك: علم يعلم. والحجة لمن كسر النون: أن بنية الماضي عنده بفتحها كقولك: ضرب يضرب. وهذا قياس مطّرد في الأفعال.
والاختيار فيه هاهنا كسر النون لإجماعهم على الفتح في ماضيه عند قوله تعالى:
مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا «٤».
قوله تعالى: إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ «٥». يقرأ بالتشديد والتخفيف، وقد تقدّم القول في علته آنفا «٦».
وأصله: لمنجووهم بكسر الجيم وواوين بعدها. الأولى: لام الفعل، والثانية: واو الجمع، فانقلبت الأولى ياء لانكسار ما قبلها، كما انقلبت في (نجا) ألفا لانفتاح ما قبلها، فصار لمنجيوهم، فاستثقلت الضمّة على الياء، فحذفت عنها، فبقيت ساكنة، والواو ساكنة، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، وضمّت الجيم لمجاورة الواو.
قوله تعالى: إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا «٧». يقرأ بالتشديد والتخفيف على ما تقدّم القول في أمثاله. فأما «قدر» بالتخفيف فيكون من التقدير والتقتير كقوله في «التقدير»: فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ «٨» وكقوله في التقتير: وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ «٩».
_________________
(١) الزمر: ٦٤.
(٢) الأنعام: ٨٠.
(٣) الحجر: ٥٦.
(٤) الشّورى: ٢٨.
(٥) الحجر: ٥٩.
(٦) انظر: ١٨٥ عند قوله تعالى: نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ.
(٧) الحجر: ٦٠.
(٨) المرسلات: ٢٣.
(٩) الطلاق: ٧.
[ ٢٠٥ ]
قوله تعالى: أَصْحابُ الْأَيْكَةِ «١». يقرأ بإسكان اللام وتحقيق الهمزة، وبفتح اللام وتشديدها، وطرح الهمزة هاهنا وفي الشُّعَراءُ «٢» ولَبِالْمِرْصادِ «٣» وبِالْأَحْقافِ «٤». فالحجة لمن أثبت الهمزة: أن الأصل عنده في النكرة (أيكة)، ثم أدخل عليها الألف واللام للتعريف فبقى الهمزة على أصل ما كانت عليه. والحجة لمن ترك الهمز: أن أصلها عنده: (ليكة) على وزن فعلة، ثم أدخل الألف واللام فالتقى لامان الأولى ساكنة فأدغم الساكنة في المتحركة فصارت لاما مشددة. وقد قرأها بعضهم على أصلها: (ليكة المرسلين)، وترك صرفها للتعريف والتأنيث، أو لأنها معدولة عن وجه التعريف الجاري بالألف واللام.
وقد فرّق بعض القراء بين الهمز وتركه، فقال: الأيكة اسم البلد. وليكة: اسم القرية.
وقيل: هي الغيضة.