قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ «٣». يقرأ: «يروا» بالياء والتاء.
فالحجة لمن قرأه بالتاء: أنه أراد: معنى المواجهة بالخطاب لما أنكروا البعث والنشور. فقيل لهم: فإنكاركم لابتداء الخلق أولى بذلك. فإمّا أن تنكروهما جميعا أو تقرّوا بهما جميعا.
والحجة لمن قرأه بالياء فعلى طريق الغيبة والبلاغ لهم.
فأما قوله: يبدئ فيقرأ بضم الياء وكسر الدال، وبفتح الياء والدّال معا. فالحجة لمن ضم:
أنه أخذه من «أبدأ»، ومن فتح أخذه من «بدأ» وهما: لغتان.
قوله تعالى: النَّشْأَةَ «٤». يقرأ بالمدّ والقصر، والهمز فيهما، والقول في ذلك كالقول في رَأْفَةٌ «٥» فإسكانها كقصرها، وحركتها كمدّها، وهي في الوجهين مصدر.
قوله تعالى: مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ «٦» يقرأ بالإضافة والرفع معا والنصب. وبالتنوين والرفع معه والنّصب. فالحجة لمن رفع مع الإضافة: أنه جعل: (إنّما) «٧» كلمتين منفصلتين (إنّ) الناصبة و(ما) بمعنى الذي (واتخذتم) صلة (ما) وفي (اتخذتم) (ها) محذوفة تعود على الذي، و(أوثانا) مفعول به (ومودة) خبر إنّ. وتلخيصه: إن الذي اتخذتموه أوثانا مودّة بينكم. ومثله قول الشاعر:
_________________
(١) القصص: ٨٢.
(٢) القصص: ٨٢.
(٣) العنكبوت: ١٩.
(٤) العنكبوت: ٢٠.
(٥) النور: ٢.
(٦) العنكبوت: ٢٥.
(٧) في قوله تعالى: وَقالَ: إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ، آية: ٢٥.
[ ٢٧٩ ]
ذريني إنّما خطئي وصوبي عليّ، وإنّما أهلكت مال
«١» وله في الرفع وجه آخر: أن يرفع قوله: (مودة) بالابتداء، لأن الكلام قد تمّ عند قوله:
(أوثانا). وقوله: (في الحياة الدنيا) الخبر. والحجة لمن نصب أنه جعل (المودة) مفعول (اتخذتم)، سواء أضاف أو نوّن؟ وجعل (إنما) كلمة واحدة، أو جعل (المودة) بدلا من (الأوثان). ومن نصب (بينكم) مع التنوين جعله ظرفا، ومن خفضه مع الإضافة جعله اسما بمعنى (وصلكم) وقد ذكر ذلك في الأنعام «٢».
قوله تعالى: وَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ. إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ «٣»، أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ «٤» يقرءان معا بالاستفهام. ويقرأ الأول بالإخبار، والثاني بالاستفهام، وبتحقيق الهمزتين معا.
وبتحقيق الأولى، وتليين الثانية. وقد تقدّم من القول في تعليله ما يغني عن إعادته «٥».
قوله تعالى: لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ «٦»، وإِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ «٧» يقرءان بالتشديد والتخفيف.
وبتشديد الأول، وتخفيف الثاني. فالحجة في ذلك كله ما قدمناه من أخذ المشدّد من «نجّى» وأخذ المخفف من «أنجى». ومثله قوله: إِنَّا مُنْزِلُونَ «٨» يقرأ بالتشديد والتخفيف.
قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ «٩». يقرأ بالياء والتاء على ما قدمناه من القول في أمثاله.
قوله تعالى: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ «١٠» يقرأ بالتوحيد والجمع. فالحجة لمن وحّد:
أنه اجتزأ بالواحد من الجمع لأنه ناب عنه وقام مقامه. والحجة لمن جمع: أنه أتى باللفظ
_________________
(١) في الأصل: «ما لي» بالياء ولعله تحريف من الناسخ لآن البيت روي مرفوع اللام من قصيدة لابن غلفاء وقبله: ألا قالت أمامة يوم غول تقطّع بابن غلفاء الحبال انظر: (الدرر اللوامع ٢: ٦٩، ٧١ (فرائد القلائد: ٣١٨).
(٢) انظر: ١٤٥.
(٣) العنكبوت: ٢٨.
(٤) العنكبوت: ٢٩.
(٥) انظر: ١٦١ عند قوله تعالى: قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْرًا.
(٦) العنكبوت: ٣٢.
(٧) العنكبوت: ٣٣.
(٨) العنكبوت: ٣٤.
(٩) العنكبوت: ٤٢.
(١٠) العنكبوت: ٥٠.
[ ٢٨٠ ]
على حقيقته، ودليله قوله بعد ذلك: «إنما الآيات عند الله».
قوله تعالى: وَيَقُولُ ذُوقُوا «١». يقرأ بالنون والياء، وهما إخبار عن الله ﷿، فالنّون إخباره تعالى عن نفسه، والياء إخبار نبيّه ﵇ عنه.
قوله تعالى: يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا «٢» هاهنا يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا في الزمر «٣» يقرءان بإثبات الياء وحذفها. فالحجة لمن أثبت: أنه أتى بالكلام على أصله، لأن أصل كلّ (ياء) الإثبات، والفتح لالتقاء الساكنين. والحجة لمن أسكنها وحذفها لفظا: أنه اجتزأ بالكسرة منها وحذفها، لأن بناء النداء على الحذف، والاختيار لمن حرّك الياء بالفتح أن يقف بالياء، لأنها ثابتة في السّواد. فأما قوله: يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ «٤» فيأتي في موضعه، إن شاء الله.
قوله تعالى: إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ «٥». أجمع القراء على إسكانها إلا «ابن عامر» فإنه فتحها على الأصل.
قوله تعالى: ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ «٦» يقرأ بالتاء والياء على ما قدّمناه من القول في أمثاله.
قوله تعالى: لَنُبَوِّئَنَّهُمْ «٧» يقرأ بالنون، والباء، وبالنون والثاء «٨» ومعناهما قريب.
فالحجة لمن قرأ بالنون والباء: أنه أراد: لننزلنهم من الجنة غرفا، ودليله قوله: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ «٩». والحجة لمن قرأ بالنون والثاء: أنه أراد: النزول والإقامة. ومنه قوله: وَما كُنْتَ ثاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ «١٠».
_________________
(١) العنكبوت: ٥٥.
(٢) العنكبوت: ٥٦.
(٣) الزّمر: ٥٣.
(٤) الزخرف: ٦٨.
(٥) العنكبوت: ٥٦.
(٦) العنكبوت: ٥٧.
(٧) العنكبوت: ٥٨.
(٨) في الأصل: «والتاء» وهو تحريف. وقد قرأ حمزة والكسائي لنثوينهم بالثاء الساكنة من غير همز انظر: (التيسير ١٧٤).
(٩) الحشر: ٩ وفي الأصل: «من قولهم»، وهو تحريف.
(١٠) القصص: ٤٥.
[ ٢٨١ ]
قوله تعالى: وَلِيَتَمَتَّعُوا «١» يقرأ بإسكان اللام وكسرها. فالحجة لمن أسكن: أنه جعلها لام وعيد في لفظ الأمر كقوله: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ «٢».
ولمن كسر وجهان: أحدهما: أن تكون لام الوعيد أجراها على أصلها، فكسرها مع الواو. والآخر: أن تكون لام كي، مردودة بالواو على قوله لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ «٣» فيكون الفعل بها منصوبا، وبالأولى مجزوما.