قوله تعالى: مِنْ لَدُنْهُ «٧». يقرأ بضم الدال وإسكان النون، وضم الهاء وإلحاق الضمة واوا. وباختلاس الضمة مع غير واو. وبالإشارة إلى ضمة الدال وكسر النون والهاء وإلحاق ياء بعد الهاء. فالحجة لمن أسكن النون وألحق ضمّة الهاء واوا: أنه أتى بالكلمة على أصلها، ووفّاها ما وجب لها ولهاء الكناية إذا جاءت بعد حرف ساكن، كقوله: (منهو) و(عنهو).
_________________
(١) الإسراء: ٩٣.
(٢) الإسراء: ١٠٢.
(٣) الإسراء: ١١٠.
(٤) انظر: ٩٢ عند قوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ والمراد: ضم اللام وكسرها من «قل».
(٥) الإسراء: ٩٧.
(٦) انظر: ١٦٩ عند قوله تعالى: ثُمَّ كِيدُونِ.
(٧) الكهف: ٢.
[ ٢٢١ ]
والحجة لمن اختلس حركة الهاء: أنه اكتفى بالضمّة من الواو لثقلها في أواخر الأسماء إذا انضم ما قبلها. والحجة لمن أشار إلى حركة الدال بالضمة، وكسر النون والهاء، وألحقها ياء: أنه استثقل الضمّة على الدّال، فأسكنها، وأشار بالضمة إليها دلالة عليها فالتقى ساكنان، فكسر النون، وأتبعها الهاء، وبيّن كسرتها بإلحاق الياء كما تقول: مررت بهي يا فتى.
و(لدن) في جميع أحوالها بمعنى عند، لا يقع عليها إعراب، وهي: ظرف مكانيّ.
فإن قيل: فإذا كانت بمعنى «عند» فيجب أن تخفضها ب «من» كما تقول: من عنده.
فقل: وقع الاتساع في «عند» ما لم يقع في «لدن» لأنك تقول: المال عندي، وهو بحضرتك أو بعيد عنك، وتقول: القول عندي أي في تمييزي، وهذا لا يكون في «لدن».
فأما عملهما فالخفض إلّا في قولهم: لدن غدوة فإنّهم خصوه بالنصب «١».
قوله تعالى: تَتَزاوَرُ «٢» يقرأ بالتشديد والتخفيف. فالحجة لمن شدد: أنه أراد:
تتزاور فأسكن التاء وأدغمها في الزّاي لأنها تفضلها بالصّفير. والحجة لمن خفف: أنه أراد: تتزاور أيضا ب «تاءين»، فثقل عليه اجتماعهما، فحذف إحداهما، واكتفى بما أبقى ممّا ألقى.
قوله تعالى: وَلَمُلِئْتَ «٣». يقرأ بتشديد اللّام وتخفيفها، وبالهمز وتركه. فالحجة لمن شدد أنه أراد: تكرير الفعل والدوام عليه. والحجة لمن خفف: أنه أراد: مرة واحدة.
فأما إثبات الهمز فيه فعلى الأصل، وأمّا تركه فتخفيف. فأما تملّيت العيش فبغير همز.
قوله تعالى: بِوَرِقِكُمْ هذِهِ «٤» بكسر الراء وإسكانها. فالحجة لمن كسر: أنه أتى به على أصله. والحجة لمن أسكن: أنه استثقل توالي الكسرات في الراء، والقاف، للتكرير الذي فيهما.
_________________
(١) هذا يختلف مع قول ابن هشام حيث ذكر في المغنى: أنهم حكوا في «غدوة» الواقعة بعد (لدن) الجرّ بالإضافة، والنصب على التمييز والرفع بإضمار كان (المغنى ١: ١٣٦).
(٢) الكهف: ١٧.
(٣) الكهف: ١٨.
(٤) الكهف: ١٩.
[ ٢٢٢ ]
قوله تعالى: ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ «١». يقرأ بإثبات التنوين، وبطرحه والإضافة. فالحجة لمن أثبت التنوين: أنه نصب سنين بقوله «ولبثوا» ثم أبدل ثلاثمائة منها فكأنه قال: ولبثوا سنين ثلاثمائة، كما تقول: صمت أيّاما خمسة. ووجه ثان: أنه ينصب (ثلاثمائة) بلبثوا، ويجعل (سنين) بدلا منها أو مفسّرة عنها. والحجة لن أضاف: أنه أتى بالعدد على وجهه، وأضافه على خفّة بالمفسّر مجموعا على أصله، لأن إجماع النحويين على أن الواحد المفسّر عن العدد معناه الجمع «٢». فأمّا (سنون) هاهنا فمجموعة جمع سلامة فلذلك فتحت نونها.
ومن العرب من يقرّها على لفظ الياء، ويجري النون بوجوه الإعراب تشبيها بقولهم (قنّسرين) «٣» و(بيرين) «٤».
قوله تعالى: بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ «٥». مذكور بعلله في الأنعام «٦».
قوله تعالى: وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا «٧». يقرأ بالياء والرفع، وبالتاء والجزم. فالحجة لمن قرأه بالياء والرفع: أنه أخبر بذلك عن الله تعالى وجعل (لا) فيه بمعنى ليس. والحجة لمن قرأه بالتاء والجزم: أنه قصد الرسول ﵇ ووجهه إلى غيره وجعل (لا) للنهي فجزم بها قوله تعالى: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ «٨». يقرأ بضم التاء والميم، وبفتحهما، وبضم التاء وإسكان الميم. فالحجة لمن ضمّهما: أنه جعله جمع الجمع. والحجة لمن فتحهما: أنه جعله من الجمع الذي يفرق بينه وبين واحده بالهاء. والحجة لمن أسكن: أنه جعله من تثمير المال
_________________
(١) الكهف: ٢٥.
(٢) قال سيبويه: إن هذا العدد- أعني مائة إلى الألف- يضاف إلى المفرد دون الجمع، وإنما جاء هكذا (أي في الآية) تنبيها على أنّ الأصل أن يضاف إلى الجمع، وإن جاء الاستعمال بخلافه تقول: استحوذ عليهم الشيطان «والقياس» استحاذ. انظر: (إعراب القرآن المنسوب خطأ إلى الزجاج ورقة: ٣١، مخطوط) - هذا ويرى مكّي أن التنوين هو الاختيار، لأنه المستعمل المشهور، ولأن الأكثر عليه. (الكشف عن وجوه القراءات وعللها لوحة ١٢٩، نسخة مصورة).
(٣) مدينة بينها وبين حلب مرحلة، ولم يبق منها إلّا «خان» تنزله القوافل انظر: (قاموس الأمكنة والبقاع: ١٦٩). وقد ضبطها ياقوت بكسر الأول وفتح ثانيه وتشديده ثم سين مهملة (معجم البلدان، المجلد الرابع ٨٤).
(٤) قال ياقوت: «بيرين» من قرى حمص (معجم البلدان، المجلد الأول: ١٨٧).
(٥) الكهف: ٢٨.
(٦) انظر: ١٤٠.
(٧) الكهف: ٢٦.
(٨) الكهف: ٤٢.
[ ٢٢٣ ]
لقوله بعد ذلك: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا «١». وقد ذكر هذا مستقصى في الأنعام «٢».
قوله تعالى: لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي «٣». يقرأ بإثبات الألف وصلا ووقفا. وبحذفها وصلا وإثباتها وقفا. فالحجة لمن أثبتها: أن الأصل فيه: لكن أنا فحذفت الهمزة تخفيفا، فبقي (لكننا) فأدغمت النون في النون فصارتا نونا مشددة. والحجة لمن حذفها وصلا: أنه اجتزأ بفتحة النون من الألف لاتصالها بالكلام، ودرج بعضه في بعض، واتبع خط السّواد في إثباتها وقفا.
قوله تعالى: مِرفَقًا «٤». بكسر الميم وفتح الفاء، وبفتح الميم وكسر الفاء. فالحجة لمن كسر الميم: أنه جعله من الارتفاق. والحجة لمن فتح: أنه جعله من (اليد). وقيل هما لغتان فصيحتان.
قوله تعالى: وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ «٥». يقرأ بالياء والتاء. فالحجة لمن قرأه بالياء ما ذكرناه آنفا من الفصل بين الفعل والاسم، وأن التأنيث فيها ليس بحقيقي. ودليله قوله: (ينصرونه).
والحجة لمن قرأه بالتاء: ظهور علم التأنيث في الاسم، وأنه جمع، والتاء ثابتة في فعل الجمع كقوله: قالَتِ الْأَعْرابُ ٦.
والطائفة، والفئة يكونان واحدا، وجمعا. فإن قيل: لفظ «مائة» و«فئة» سيّان، فلم زيدت الألف في مائة خطّا؟ فقل: إنما زيدت الألف في قولك: أخذ مائة درهم، لئلا يلتبس
في الخط بأخذ منه درهم، وكتب فئة على أصلها لأنه لا لبس فيها ٧.
قوله تعالى: الْوَلايَةُ ٨. يقرأ بفتح الواو وكسرها. فالحجة لمن فتح: أنه جعله مصدرا من قولك: ولى بيّن الولاية. والحجة لمن كسر: أنه جعله مصدرا من قولك: وآل بيّن الولاية، أو من قولك: واليته موالاة وولاية. وقيل: هما لغتان، كقولك: الوكالة والوكالة.
قوله تعالى: لِلَّهِ الْحَقِّ ٩. يقرأ بالرفع والخفض. فالحجة لمن رفع: أنه جعله وصفا
_________________
(١) الكهف: ٣٤.
(٢) انظر: ١٤٦.
(٣) الكهف: ٣٨.
(٤) الكهف: ١٦.
(٥) الكهف: ٤٣.
[ ٢٢٤ ]
للولاية. ودليله: أنه في قراءة (أبيّ): هنالك الولاية الحقّ لله. وهنالك إشارة إلى يوم القيامة. والحجة لمن خفض: أنه جعله وصفا لله ﷿، ودليله قوله تعالى: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ «١». وقرأه (عبد الله): (هنالك الولاية لله وهو الحقّ).
فالحق: الله ﷿. والحقّ: صدق الحديث. والحق: الملك باستحقاق.
والحق: اليقين بعد الشك.
ويجوز في النحو والنصب بإضمار فعل على المصدر معناه: أحق الحقّ «٢».
قوله تعالى: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ «٣». يقرأ بالتاء والرفع. وبالنون والنصب. فالحجة لمن قرأه بالتاء: أنه جعل الفعل لما لم يسمّ فاعله، فرفع الجبال به، وأتى بالتاء لتأنيث الجبال، لأنها جمع لغير الآدميين. ودليل ذلك قوله تعالى: وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا «٤» فمستقبل هذا (تسيّر). والحجة لمن قرأه بالنون: أنه جعله من إخبار الله تعالى عن نفسه، ونصب الجبال بتعدّي الفعل إليها. ودليله قوله تعالى: وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ «٥»، ولم يقل:
(وحشروا فلم يغادر) فردّ اللفظ على مثله لمجاورته له أولى وأحسن. (ويوم) منصوب بإضمار فعل. معناه: واذكر يا محمد يوم نسير الجبال، أو يكون منصوبا، لأنه ظرف لقوله تعالى: خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا «٦» في يوم تسيّر الجبال. ومعنى قوله: «بارزة» أي: ظاهرة لا يستتر منها شيء لاستوائها، ويحتمل أن يريد تبرز ما فيها من الكنوز والأموات.
قوله تعالى: وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا «٧» يقرأ بالياء والنون. فالحجة لمن قرأه بالياء: أنه
_________________
(١) الأنعام: ٦٢.
(٢) بذلك قرأ عمرو بن عبيد بالنصب على التأكيد، قال الزمخشري: وهي قراءة حسنة فصيحة، وكان عمرو بن عبيد من أفصح الناس: (تفسير الكشاف للزمخشري ٢: ٥٦٦). وقد ردّ أحمد بن المنير عليه زعمه هذا مبينا: أنه «يوهم أن القراءة موكولة إلى رأى الفصحاء، واجتهاد البلغاء، فتتفاوت في الفصاحة لتفاوتهم فيها، وهذا منكر شنيع». والحق. أنه لا يجوز لأحد أن يقرأ إلا بما سمع، فوعاه متصلا. انظر: (الانتصاف ٢: ٥٦٦ هامش الكشاف)
(٣) الكهف: ٤٧.
(٤) النبأ: ٢٠.
(٥) الكهف: ٤٧.
(٦) الكهف: ٤٦ وفي الأصل (ذلك خير ثوابا) وهو تحريف.
(٧) الكهف: ٥٢.
[ ٢٢٥ ]
جعله من إخبار النبي ﷺ عن الله ﷿ بأمره. والحجة لمن قرأه بالنون:
أنه جعله من إخبار الله تعالى عن نفسه.
قوله تعالى: قُبُلًا «١» يقرأ بضم القاف والباء، وبكسرها وفتح الباء. فالحجة لمن ضمّ:
أنه أراد: جمع (قبيل) كقولك في جمع قميص: قمص. ودليله قوله: (كل شيء) «٢» يريد: قبيلا قبيلا. والحجة لمن كسرها وفتح الباء: أنه أراد: عيانا ومقابلة. وقال بعض أهل
اللغة: القبيلة بنو أب. والقبيل، الجماعة. واستدلّ بقوله: أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا «٣» وبقول الشاعر:
جوانح قد أيقنّ أنّ قبيلهم إذا ما التقى الجمعان أوّل غالب
«٤» قوله تعالى: وَما أَنْسانِيهُ «٥». يقرأ بضم الهاء وكسرها مختلستين. فالحجة لمن ضمّ:
أنه أتى بلفظ الهاء على أصل ما وجب لها. والحجة لمن قرأه بالكسر: فلمجاورة الياء، ومثله: وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ «٦» وأمال الكسائي الألف في (أنسانيه)، ليدلّ بذلك على أنها مبدلة من الياء.
قوله تعالى: مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا «٧». يقرأ بضمتين، وفتحتين، وبضم الراء وإسكان الشين.
فالحجة لمن قرأه بضمتين: أنه اتبع الضم كما ترى: الرُّعْبَ «٨» والسُّحْتَ «٩».
والحجة لمن قرأه بفتحتين: أنه أراد به الصّلاح في الدّين. والحجة لمن قرأه بضم الراء وإسكان الشين: أنه أراد: الصّلاح في المال، وحد البلوغ. ودليله قوله تعالى: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا «١٠» أي صلاحا.
_________________
(١) الكهف: ٥٥.
(٢) كل شيء قبلا: الأنعام: ١١١.
(٣) الإسراء: ٩٢.
(٤) انظر: أساس البلاغة للزمخشري: مادة: جنح.
(٥) الكهف: ٦٣.
(٦) الفتح: ١٠.
(٧) الكهف: ٦٦.
(٨) آل عمران: ١٥١. الأنفال: ١٢. الأحزاب: ٢٦. الحشر: ٢.
(٩) المائدة: ٤٢، ٦٢، ٦٣.
(١٠) النساء: ٦.
[ ٢٢٦ ]
قوله تعالى: وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا «١». يقرأ بفتح الميم، وضمّها. وبفتح اللام وكسرها. فالحجة لمن فتحها: أنه جعله مصدرا من قولهم: هلكوا مهلكا، كما قالوا:
طلعوا مطلعا. والحجة لمن قرأه بكسر اللام وفتح الميم: أنه جعله وقتا لهلاكهم، أو موضعا لذلك. ودليله قوله تعالى: حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ «٢» أي الموضع الذي تغرب فيه.
والحجة لمن قرأه بضم الميم، وفتح اللام: أنه جعله مصدرا من قولهم: أهلكهم الله مهلكا يريد: إهلاكا، فجعل مهلكا في موضعه. ودليله قوله تعالى أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ «٣».
قوله تعالى: لِتُغْرِقَ أَهْلَها «٤». يقرأ بالتاء مضمومة، ونصب الأهل. وبالياء مفتوحة ورفع الأهل. فالحجة لمن قرأه بالتاء مضمومة: أنه جعله من خطاب موسى للخضر ﵉، ونسب الفعل إليه. ودلّ بالتاء على حد المواجهة والحضور. ونصب (الأهل) بتعدّي الفعل إليهم. والحجة لمن قرأه بالياء: أنه جعل الفعل للأهل، فرفعهم بالحديث عنهم.
فإن قيل: فما وجه قول موسى للخضر ﵉: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ «٥»؟
فقل عن ذلك أجوبة. أحدها: أن يكون موسى أعلم من الخضر بما يؤدّى عن الله تعالى إلى خلقه مما هو حجّة لهم وعليهم، بينهم وبين خالقهم، إلّا في هذه الحال.
والثاني: أنه استعلم من الخضر علما لم يكن عنده علم منه، وإن كان عنده علوم سوى ذلك.
والثالث: أنه قد يمكن أن يكون الله تعالى أعطى نبيّا من العلم أكثر مما أعطى غيره.
هذا جواب من جعل الخضر نبيّا.
قوله تعالى: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً «٦». يقرأ زاكية بالألف، وزكيّة بغير ألف. فالحجة لمن قرأ زاكية: أنه أراد: أنها لم تذنب قطّ. والحجة لمن قرأها زكيّة أنه أراد: أنها أذنبت ثم تابت. وقيل: هما لغتان بمعنى كقوله: قاسية وقسيّة.
_________________
(١) الكهف: ٥٩.
(٢) الكهف: ٨٦.
(٣) الإسراء: ٨٠.
(٤) الكهف: ٧١.
(٥) الكهف: ٦٦.
(٦) الكهف: ٧٤.
[ ٢٢٧ ]
قوله تعالى: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا «١». يقرأ وما كان مثله في كتاب الله تعالى بضم النون والكاف، وبضم النون وإسكان الكاف.
فمن قرأه بالضم أتى به على الأصل. والحجة لمن أسكن: أنه خفّف الكلمة استثقالا بضمتين متواليتين، وأولى ما استعمل الإسكان: مع النصب. والضمّ: مع الرفع والخفض كقوله: إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ «٢» أكثر وأشهر. وكقوله: وَعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا «٣». الإسكان هاهنا أكثر لموافقة رءوس الآي.
قوله تعالى: مِنْ لَدُنِّي «٤» يقرأ بضم الدال وتشديد النون، وبضمها وتخفيف النون.
فالحجة لمن شدد: أن الأصل عنده لدن بسكون النون. ومن شأن ياء الإضافة أن يكسر ما قبلها فزادوا على النون نونا ليسلم لهم السّكون، فالتقى نونان، فأدغمت إحداهما في الأخرى، ثم جاءوا بياء الإضافة. والحجة لمن خفّف: أنه حذف إحدى النونين تخفيفا كما قرأ:
أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ «٥» وتَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ «٦» بنون واحدة. وأنشد شاهدا لذلك:
أيّها السّائل عنه وعني لست من قيس ولا قيس مني
«٧» وجرى (عاصم) «٨» على أصله: في إسكان الدّال والإشارة إلى الضم وتخفيف النون. وقد ذكرت حجته في ذلك «٩». فإذا أفردت «لدن» ففيها ثلاث لغات: لدن، ولدن، ولدن.
قوله تعالى: لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا «١٠». يقرأ بفتح التاء وكسر الخاء وإظهار الذال، وإدغامها، وبألف الوصل وتشديد التاء بعدها، وإدغام الذّال في التاء. فالحجة لمن قرأه بفتح التاء وكسر الخاء والإظهار: أنه أخذه من تخذ يتخذ كما تقول: شرب يشرب فأتى
_________________
(١) الكهف: ٧٤.
(٢) القمر: ٦.
(٣) الطلاق: ٨.
(٤) الكهف: ٧٦.
(٥) الأنعام: ٨٠.
(٦) الزمر: ٦٤.
(٧) انظر: الدّرر اللوامع ٢: ٦٩، فرائد القلائد: ٣٧ وخزانة الأدب ٢: ٤٤٩، شرح الأشموني ١: ١٠٦، شرح المفصل ٣: ١٢٥.
(٨) عاصم سبقت ترجمته في ٦١.
(٩) انظر: ص: ١٤٣ عند قوله تعالى: أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ من سورة الأنعام.
(١٠) الكهف: ٧٧.
[ ٢٢٨ ]
بالكلام على أصله مبيّنا غير مدغم. والحجة لمن قرأ بذلك وأدغم مقاربة الذّال للتاء. وقد ذكر في البقرة «١». والحجة لمن قرأ بألف الوصل: أن وزنه افتعلت من الأخذ. وأصله:
«ايتخذت» لأن همزة الوصل تصير ياء لانكسار ما قبلها ثم تقلب تاء وتدغم في تاء افتعلت فتصيران تاء شديدة.
قوله تعالى: فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما «٢» يقرأ بالتشديد والتخفيف. فالحجة لمن شدد:
أنه أخذه من قولك: بدّل. ودليله قوله: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً «٣». والحجة لمن خفف: أنه أخذه من أبدل. ودليله قول العرب: أبدلت الشيء من الشيء إذا أزلت الأول، وجعلت الثاني مكانه، ومنه قول أبي النّجم «٤»:
* عذل الأمير للأمير المبدل «٥» * فكذلك الولد الذي أراد الله تعالى إبدال أبويه به غير الأول. فهذا مذهب العرب ولفظها إذا قالوا: بدّلت الشيء من الشيء، فمعناه غيّرت حاله وعينه، والأصل باق كقولك:
بدلت قميصي جبة، وخاتمي حلقة. ودليل ذلك قوله تعالى: بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها.
فالجلد الثاني هو الأول ولو كان غيره لم يجب عذابه، لأنه لم يباشر معصية وهذا أوضح.
فأمّا إذا قالوا أبدلت غلامي جارية وقرسي ناقة لم يقولوه إلّا بالألف. فاعرف فرق ما بين اللفظين فإنه لطيف.
فأمّا قوله تعالى: وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا «٦» فالتشديد لتكرير الفعل من الأمن بعد الخوف، مرّة بعد مرّة، وأمنا بعد أمن.
قوله تعالى: وَأَقْرَبَ رُحْمًا «٧». يقرأ بضم الحاء وإسكانها، وهما لغتان: كالعمر
_________________
(١) انظر: ٧٧.
(٢) الكهف: ٨١.
(٣) النحل: ١٠١.
(٤) أبو النجم: هو الفضل بن قدامة، من رجّاز الإسلام وهو الذي يقول: أنا أبو النجم وشعري شعري لله درّي ما يجيش صدري كان من شعراء زمان الدولة الأموية، ومات في أواخر أيام دولتهم انظر: (الكنى والألقاب ١: ١٦٠، والشعر والشعراء لابن قتيبة ٢: ٦٠٢).
(٥) انظر: (معاني القرآن للفراء ٢: ٢٥٩).
(٦) النور: ٥٥.
(٧) الكهف: ٨١.
[ ٢٢٩ ]
والعمر، ومعناه: رحمة، وعطف، وقربى.
قوله تعالى: فَأَتْبَعَ «١» ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا «٢». يقرءان بألف الوصل وتشديد التاء، وبألف القطع وإسكان التاء. فالحجة لمن قرأها بألف الوصل: أنّ وزنه: (افتعل) وأصله:
اتتبع فأدغمت التاء في التاء. والحجة لمن قرأها بألف القطع: أنه جعله من أفعل يفعل أتبع يتبع. وقال بعض اللغويين: معنى اتّبعه بألف الوصل: سرت في أثره، ومعنى أتبعته بألف القطع: لحقته، ودليل ذلك قوله تعالى: فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ «٣» أي:
لحقه. والسّبب هاهنا: الطريق: وفي غير هذا: الحبل، والقرابة.
قوله تعالى: فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ «٤». يقرأ بغير ألف، وبالهمزة، وبالألف من غير همز.
فالحجة لمن قرأها بغير ألف وبالهمز: أنه أراد في عين سوداء وهي: (الحمأة) التي تخرج من البئر. وقيل معناه: في ماء، وطين. والحجة لمن قرأها بالألف من غير همز: أنه أراد: في عين حارّة من قوله تعالى: وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ، نارٌ حامِيَةٌ «٥».
قوله تعالى: فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى «٦». يقرأ بالرفع والإضافة، وبالنصب والتنوين.
فالحجة لمن رفع وأضاف: أنه رفع الجزاء بالابتداء، وأضافه إلى الحسنى، فتم بالإضافة اسما. وقوله: (له) الخبر. يريد به (فجزاء الحسنى له). ودليله قوله: لَهُمُ الْبُشْرى «٧».
والحسنى هاهنا: بمعنى الإحسان، والحسنات. والحجة لمن قرأه بالنصب، أنه أراد به وضع المصدر في موضع الحال، كأنه قال: فله الجنة مجزيا بها جزاء. وله وجه آخر:
أنه ينصبه على التمييز، وفيه ضعف، لأن التمييز يقبح تقديمه، سيّما إذا لم يأت معه فعل متصرّف، وقد أجازه بعض النحويين على ضعفه. واحتج له بقول الشاعر:
أتهجر ليلى للفراق حبيبها وما كان
«٨» نفسا بالفراق تطيب «٩»
_________________
(١) الكهف: ٨٥.
(٢) الكهف: ٨٩، ٩٢.
(٣) الصافّات: ١٠.
(٤) الكهف: ٨٦.
(٥) القارعة: ١٠، ١١.
(٦) الكهف: ٨٨.
(٧) يونس: ٦٤.
(٨) في الأصل: (وما كل نفسا) وهو تحريف.
(٩) في شرح المفصل لابن يعيش يروي البيت في صورة أخرى وهي:
[ ٢٣٠ ]
قوله تعالى: بَيْنَ السَّدَّيْنِ «١» يقرأ بضم السين وفتحها. فالحجة لمن ضم: أنه جعله من السّد في المعين. والحجة لمن فتح: أنه جعله من الحاجز بينك وبين الشيء. وقال بعضهم: ما كان من صنع الله فهو الضم، وما كان من صنع الآدميين فهو بالفتح «٢»، والذي في (يس) «٣» مثله.
قوله تعالى: لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا «٤». يقرأ بضم الياء وكسر القاف، وبفتحهما.
فالحجة لمن ضم الياء: أنه أخذه: من أفقه يفقه يريد به: لا يكادون ينسون قولا لغيرهم، ولا يفهمونه، وهاهنا مفعول محذوف. والحجة لمن فتح أنه أراد: لا يفهمون ما
يخاطبون به وأخذه من قوله: فقه يفقه إذا علم ما يقول، ومنه أخذ الفقه في الدين.
قوله تعالى: إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ «٥». يقرءان بالهمز وتركه. فالحجة لمن همز: أنه أخذه من أجيج النار أو من قولهم (ملح أجاج)، فيكون وزنه: (يفعول) و(مفعول) من أحد هذين فيمن جعله عربيّا مشتقا، ومنعه الصرف للتعريف والتأنيث، لأنه اسم للقبيلة.
فأمّا من جعله أعجميّا فليس له اشتقاق. والحجة لمن لم يهمز: أنه جعله عجميّا، وقاسه على ما جاء من الأسماء الأعجمية على هذا الوزن: نحو (طالوت) و(جالوت) و(هاروت)، و(ماروت).
قوله تعالى: فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا «٦». يقرأ بإثبات الألف وطرحها، هاهنا، وفي المؤمنين «٧». فالحجة لمن أثبتها: أنه أراد بذلك: ما يأخذه السّلطان كل سنة من الإتاوة، والضريبة. والحجة لمن طرحها: أنه أراد بذلك: (الجعل) «٨». فأمّا قوله:
_________________
(١) أتهجر سلمى بالفراق حبيبها وما كاد نفسا بالفراق تطيب ويرد ابن يعيش على هذه الرواية ويقول: إن الرواية: وما كاد نفسي بالفراق تطيب. هكذا قال أبو إسحاق الزجاج. انظر: (شرح المفصل لابن يعيش ٢: ٧٤).
(٢) الكهف: ٩٣.
(٣) روي عن أبي عبيدة أنه قال: بين السّدين مضموم إذا جعلوه مخلوقا من فعل الله تعالى، وإن كان من فعل الآدميين فهو سد بالفتح، ونحو ذلك قال الأخفش: انظر: اللسان: مادة سدد.
(٤) يس: ٩.
(٥) الكهف: ٩٣.
(٦) الكهف: ٩٤.
(٧) الكهف: ٩٤.
(٨) المؤمنون: ٧٢.
(٩) قال في اللسان: الجعل، والجعال، والجعيلة، والجعالة، والجعالة، كل ذلك: ما جعله له على عمله.
[ ٢٣١ ]
فَخَراجُ رَبِّكَ «١» فبالألف إجماع، لأنه مكتوب في السّواد بالألف.
قوله تعالى: ما مَكَّنِّي «٢». يقرأ بنون شديدة، وبنونين ظاهرتين. فالحجة لمن أدغم:
أنه أراد: التخفيف والإيجاز، وجعل (ما) بمعنى الذي و(خير) خبرها. والحجة لمن أظهر: أنه أتى به على الأصل، لأن النون الأولى لام الفعل، والثانية زائدة لتسلم بنية الفعل على الفتح، والياء اسم المفعول به.
قوله تعالى: بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ «٣». يقرأ بضم الصاد والدال وفتحهما، وبفتح الصّاد وإسكان الدّال. فالحجة لمن قرأه بالضم: أنه أتى باللفظ على الأصل واتبع الضمّ الضمّ. والحجة لمن فتحهما: خفّة الفتح، والواحد عنده «صدف». ودليله: أن النبي ﷺ (مر بصدف مائل فأسرع) «٤»، الرواية بالفتح. والحجة لمن أسكن الدّال: أنه جعله اسما للجبل بذاته، غير مثنى، وأنشد الراجز:
قد أخذت ما بين أرض الصّدفين ناحيتيها وأعالي الرّكنين
«٥» قوله تعالى: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ «٦». يقرأ بالمدّ والقصر. فالحجة لمن مد: أنّه جعله من الإعطاء. والحجة لمن قصر: أنه جعله من المجيء. والوجه أن يكون هاهنا من الإعطاء لأنه لو أراد المجيء لأتى معه بالباء، كما قال تعالى: وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ «٧».
قوله تعالى: فَمَا اسْطاعُوا «٨». يقرأ بالتخفيف إلّا ما روي عن (حمزة) «٩» من تشديد الطاء. وقد عيب بذلك لجمعه بين الساكنين، ليس فيهما حرف مدّ، ولين. وليس في
_________________
(١) المؤمنون: ٧٢.
(٢) الكهف: ٩٥.
(٣) الكهف: ٩٦.
(٤) الحديث كما رواه ابن الأثير في النهاية: (كان إذا مر بصدف مائل أسرع المشي) انظر: (النهاية في غريب الحديث ٣: ١٧).
(٥) وفي رواية: (الطبري ١٦: ٢٤) طبعة ثانية مصطفى الحلبي. قد أخذت ما بين عرض الصدفين وقد يكون المراد: «أرض» فكتبت الهمزة عينا لأن النسّاخ القدماء كثيرا ما يفعلون ذلك.
(٦) الكهف: ٩٦.
(٧) يوسف: ٩٣.
(٨) الكهف: ٩٧.
(٩) انظر: ٦١.
[ ٢٣٢ ]
ذلك عليه عيب، لأن القراء قد قرءوا بالتشديد قوله: لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ «١» أَمَّنْ لا يَهِدِّي «٢» ونِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ «٣».
فإن قيل: فإن الأصل في الحرف الأول الذي ذكرته الحركة، وإنما السكون عارض فقل: إن العرب تشبه الساكن (بالساكن) «٤» لاتفاقهما في اللفظ. والدليل على ذلك:
أن الأمر للمواجهة مبنيّ على الوقف «٥» والنهي مجزوم بلا، واللفظ بهما سيّان. فالسين في استطاعوا ساكنة، كلام التعريف ومن العرب الفصحاء من يحرّكها فيقول: اللبكة «٦» والاحمر، فجاوز تشبيه السين بهذه اللام. وأيضا، فإنهم يتوهّمون الحركة في الساكن، والسكون في المتحرك، كقول (عبد القيس) «٧»: اسل، فيدخلون ألف الوصل على متحرّك، توهّما لسكونه.
والاختيار ما عليه الإجماع، لأنه يراد به: استطاعوا فتحذف التاء كراهية لاجتماع حرفين متقاربي المخرج، فيلزمهم فيه الإدغام.
قوله تعالى: دَكَّاءَ «٨». مذكور العلل في سورة الأعراف «٩».
قوله تعالى: قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ «١٠» يقرأ بالياء والتاء. وقد ذكرت حجته آنفا في غير موضع.
_________________
(١) النساء: ١٥٤.
(٢) يونس: ٣٥.
(٣) النساء: ٥٨.
(٤) في الأصل: (بالمساكن) ولا معنى لها.
(٥) أي على السكون.
(٦) قال في القاموس: اللبكة محركة: اللقمة والقطعة من الثريد.
(٧) انظر: ١٢٨.
(٨) الكهف: ٩٨.
(٩) انظر: ١٦٣.
(١٠) الكهف: ١٠٩.
[ ٢٣٣ ]