قوله تعالى: حم «٢» يقرأ بتفخيم الحاء، وإمالتها، وبين ذلك وقد تقدّم القول فيه عند ذكر حروف المعجم فيما سلف.
فإن قيل: فما موضع (حم) من الإعراب؟ فقل: قال قوم: موضع (حم) نصب بإضمار فعل معناه: (اتل) أو (اقرأ) حم. وقيل موضعها خفض بالقسم إلا أنّها لا تنصرف، وما لا ينصرف، فالنصب أولى به من الخفض، لأنه مشبّه بالفعل فمنع ما لا يكون إعرابا في الفعل وهو الخفض. قال الكميت:
وجدنا لكم في آل حاميم- آية تأوّلها منا تقيّ ومعرب
«٣» وقيل هي اسم للسورة ودليل عليها.
قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ «٤» بالتاء والياء. وقد تقدم القول فيه آنفا «٥».
قوله تعالى: يَوْمَ التَّلاقِ «٦» ويَوْمَ التَّنادِ «٧» يقرءان بإثبات الياء وصلا، وبحذفها وقفا. وبإثباتها وصلا ووقفا، وبحذفها وصلا ووقفا، وقد تقدّمت الحجة في أمثاله
_________________
(١) ٢: ٤٦٢). وفي رأي أبي إسحاق الزجاج في رواية عن محمد بن يزيد أنّ الجواب محذوف وأن المعنى: حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها: سلام عليكم طبتم فأدخلوها خالدين سعدوا. (أمالي ابن الشجري ١: ٣٥٨، المسألة: ٤٢).
(٢) الصافات: ١٠٣.
(٣) المؤمن: ١.
(٤) لسان العرب. مادة: عرب: قال: أنشده سيبويه: معرّب بدون واو العطف، كمكلّم. واتفق الأزهري مع ابن خالويه في رواية البيت: تقيّ ومعرب. ومعرب، أي مفصح بالحق لا يتوقاهم. والخطاب في هذا لبني هاشم، حين ظهروا على بنى أمية. وانظر: (الكتاب، ٢: ٣٠).
(٥) المؤمن: ٢٠.
(٦) كثر ذلك في مواضع عديدة من كتابه. انظر: ٨٢ وغيرها.
(٧) المؤمن: ١٥.
(٨) المؤمن: ٣٢.
[ ٣١٢ ]
بما يدل عليه «١». ومعنى التلاق: التقاء السماء والأرض. ومعنى التناد: قيل: تناديهم من قبورهم. وقيل: ينادي أصحاب الجنة أصحاب النار، وأصحاب الأعراف.
قوله تعالى: أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً «٢». يقرأ بالهاء في (منهم) ونصب (أشد) بعده إلّا ما قرأه (ابن عامر) بالكاف في موضع الهاء ورفع (أشدّ). وليس في نصب (أشد) خلاف بين الناس ورفع ذلك لحن. فالحجة لمن قرأه بالهاء: أنه أتى بالكلام على سياقه. ودليله قوله:
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ «٣». ونصب (أشد)، لأنه جعله الخبر (لكان) السابقة وجعل (هم) فاصلة عند البصريين وعمادا عند الكوفيين، ليفرّق بذلك بين الوصف لاسم (كان) وبين الخبر كقولك: كان زيد الظريف قائما في الوصف، وكان زيد هو الظريف في الخبر، ودليل ذلك قوله تعالى: إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ «٤».
فإن قيل: فإنّ الفاصلة لا تدخل على خبر كان إلا إذا كان معرفة فقل: إن (أفعل) متى وصل ب (من) كان معرفة. والحجة لمن قرأه بالرفع والكاف: أنه جعل (هم) اسما مبتدأ و(أشد) الخبر، فرفعهما وجعلهما جملة في موضع نصب بخبر (كان)، فأما الكاف: فحجته فيها أن العرب ترجع من الغيبة في الخطاب إلى الحضرة. ودليله قوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ «٥». وقد تقدّم من هذا ما يستدل به على معناه.
قوله تعالى: أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ «٦». يقرأ بأو، وبالواو، وبضم الياء وفتحها، وبنصب (الفساد) ورفعه. فالحجة لمن قرأ بأو: أنه جعل الحرف لأحد الحالين على طريق الشك أو الإباحة لأن ل (أو) في الكلام أربعة أوجه: الشك، والإباحة، والتخيير، وإيجاب أحد الشيئين منهما كقوله: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ «٧». «٨»
والحجة لمن قرأ بالواو: أنه جعل الحرف للحالين معا فاختار الواو، لأنها جامعة بين الشيئين،
_________________
(١) انظر: ١٦٩، ٢١٨.
(٢) المؤمن: ٢١.
(٣) المؤمن: ٢١.
(٤) الأعراف: ١١٣.
(٥) يونس: ٢٢.
(٦) المؤمن: ٢٦.
(٧) الصافات: ١٤٧.
(٨) (أو): في هذه الآية على بابها دالة على أحد الشيئين: إمّا مائة ألف بمجرّدها، وإمّا مائة ألف مع زيادة، والمخبر في كل هذا لا يشك. (بدائع الفوائد ١: ١٩٨).
[ ٣١٣ ]
لأنه جمع بها هاهنا بين التبديل وبين ظهور الفساد. والحجة لمن ضم الياء: أنه ردّ الكلام على أوله وأتى به على سياقه، فأضمر الفاعل فيه كما أضمره في قوله: أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ «١» فنصب (الفساد) بتعدّي الفعل إليه. والحجة لمن فتح الياء: أنه قطع الفساد وظهوره من التبديل، فأفرده بفعله، ورفعه به.
ومعناه: فإن يبدّل دينكم ظهر في الأرض الفساد قوله تعالى: إِنِّي عُذْتُ «٢». يقرأ بإدغام الذال في التاء لقرب المخرج. وبإظهار الذال على الأصل، لأن الحرفين غير متجانسين.
قوله تعالى: عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ «٣». إجماع القراء هاهنا على الإضافة إلا (أبا عمرو) فإنه نوّن (القلب). فالحجة لمن أضاف: أنه جعل القلب خلفا من اسم محذوف «٤»، فأقامه مقامه عند الكوفيين. وهو عند البصريين صفة قامت مقام الموصوف.
ومعناه عندهم «٥»: على كل قلب رجل متكبّر. أو يريد به: التقديم والتأخير، كما حكى عن بعض فصحاء العرب: أن فلانا لممّن يرجّل شعره كل يوم جمعة أراد كلّ يوم جمعة فقدّم وأخر. والحجة لأبي عمرو: أنه جعل الفعل للقلب لأنه ملك البدن ومستقر الكبر، لأن الكبر إذا سكنه تكبّر له صاحبه، ودليل ذلك قوله فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ «٦»، لأن الأعناق إذا ذلت وخضعت ذل لذلك وخضع أربابها.
ومعنى تكبّر القلب: قسوته، لأنه إذا قسا ترك الطاعة. والجبار في اللغة: الذي يقتل على الغضب ودليله قوله: بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ «٧».
فإن قيل: فقد مدح الله نفسه بهذا الاسم الذي ذم به خلقه. فقل: موضع المدح لله تعالى أنه أجبر عباده على ما أراد منهم وأحياهم وأماتهم فهي صفة لا تليق إلا به ومدح لا يجب إلا له فإذا اكتسى ذلك من لا يجب له كان مذموما به.
_________________
(١) المؤمن: ٢٦.
(٢) المؤمن: ٢٧.
(٣) المؤمن: ٣٥.
(٤) أي على كل ذي قلب متكبر، تجعل الصفة لصاحب القلب. انظر: (الكشاف للزمخشري ٤: ١٦٧).
(٥) في الأصل «عندهما»، والأنسب أن يكون كما ذكرت لأن الضمير راجع إلى البصريين وهم جمع.
(٦) الشعراء: ٤.
(٧) الشعراء: ١٣٠.
[ ٣١٤ ]
ولم يأت «فعّال» من «أفعل» إلّا في ثلاثة أفعال: قالوا: أجبر فهو جبّار، وأدرك فهو درّاك، وأسأر فهو سآر.
قوله تعالى: فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى «١». أجمع القراء على رفعه عطفا على قوله: أَبْلُغُ «٢» إلا ما روى (حفص) عن عاصم بالنصب لأنه جعل الفاء فيه جوابا للفعل، فنصب بها تشبيها ل (لعل) بليت، لأن (ليت) في التّمنّي أخت (لعلّ) في الترجّي. ومثله ما رواه عنه أيضا في (عبس): فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى «٣».
قوله تعالى: وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ «٤». يقرأ بضم الصاد وفتحها. فالحجة لمن ضم: أنه دل بالضم على بناء ما لم يسمّ فاعله، وعطفه على قوله: وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ «٥».
والحجة لمن فتح: أنه جعل الفعل لفرعون، فاستتر اسمه فيه لتقدمه قبل ذلك. وفيه حجة لأهل السنة.
قوله تعالى: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ «٦». يقرأ بقطع الألف ووصلها. فالحجة لمن قطع:
أنه جعله أمرا من الله ﷿ للزّبانية، فنصب آل فرعون بتعدّي الفعل إليهم، لأن دخول النار ليس مما يختارونه ولا ذلك إليهم، وإنما يكرهون عليه. والحجة لمن وصل: أنه جعل الفعل حكاية عما يقال لهم، وأضمر القول هاهنا كما أضمر في قوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ «٧» يريد «والله أعلم». فيقال لهم: أفلم، ونصب (آل فرعون) على هذه القراءة بالنداء المضاف كما قال تعالى: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا «٨» يريد- والله أعلم- يا ذريّة من حملنا مع نوح.
قوله تعالى: يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ «٩». يقرأ بضم الياء وفتح الخاء، وبفتح الياء وضم الخاء.
_________________
(١) المؤمن: ٣٧.
(٢) المؤمن: ٣٦.
(٣) عبس: ٤.
(٤) المؤمن: ٣٧.
(٥) الآية نفسها.
(٦) المؤمن: ٤٦.
(٧) الجاثية: ٣١.
(٨) الاسراء: ٣.
(٩) المؤمن: ٤٠.
[ ٣١٥ ]
فالحجة لمن ضم: أنه أتى بالفعل على بناء ما لم يسم فاعله ليقربه من قوله: يُرْزَقُونَ «١» فيتفقا بلفظ واحد في بنائهما. والحجة لمن فتح الياء أنه أراد: أنهم إذا أدخلوا دخلوا فنسب الدخول إليهم. ودليله قوله تعالى: وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ «٢» وإنما الله أماتهم لقوله تعالى:
وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا «٣» فنسب الفعل إليهم على هذا الوجه سعة ومجازا ومثله سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ «٤» يقرأ بضم الياء وفتحها. ومعنى داخرين: صاغرين.
قوله تعالى: لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ «٥». يقرأ بالتاء دلالة على تأنيث المعذرة، وبالياء للحائل بين الفعل والاسم، أو لأن تأنيث الاسم ليس بحقيقي.
قوله تعالى: ما تَتَذَكَّرُونَ «٦». يقرأ بالياء والتاء. ويقرأ بتاءين. فالحجة لمن قرأه بالياء والتاء: أنه جعل الياء دلالة على الاستقبال وعلامة للغيبة، والتاء داخلة على فعّل لتدل على استفادة الذكر شيئا بعد شيء كما تقول: تحفّظت القرآن، وتنجّزت حوائجي.
والحجة لمن قرأه بالتاءين: أنه دلّ بالأولى على الاستقبال والحضور، وبالثانية على ما قدمناه، و(قليلا) ينتصب بقوله: (يتذكرون)، والوقف تام على قوله ﷿: (ولا المسيء).
ثم يبتدئ بما بعده.