قوله تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ «٥». يقرأ بالإمالة والتفخيم. فالحجة لمن أمال: أنه دلّ على الياء. والحجة لمن فخّم: أنه أجرى الكلام على أصله، و«أتى» هاهنا ماض في معنى مستقبل. ودليله قوله: (فلا تستعجلوه) يريد به «الساعة».
قوله تعالى: فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ. سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ «٦». يقرأ بالياء والتاء.
فالحجة لمن قرأه بالياء: أنه جعله مما أمر الله نبيّه ﵇ أن يخبر به. والحجة لمن قرأه بالتاء: أنه أراد: معنى الخطاب، وأتى به تنزيها لله تعالى من عنده، فأنزله الله تصديقا لقوله.
والتسبيح: ينقسم في اللغة أربعة أقسام: تنزيها، صلاة، واستثناء، ونورا.
فالتنزيه، كقوله: (﷾). والصلاة: كقوله: فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ «٧».
_________________
(١) الحجر: ٧٨.
(٢) الشعراء: ١٧٦.
(٣) ص: ١٣.
(٤) ق: ١٤.
(٥) النحل: ١.
(٦) النحل: ١.
(٧) الصافات: ١٤٣
[ ٢٠٨ ]
والاستثناء: كقوله: لَوْلا تُسَبِّحُونَ «١». والنّور: كقول النبي ﷺ:
«فلولا سبحات وجهه «٢» أي: نور وجهه».
قوله تعالى: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ «٣». يقرأ بالياء والتاء، وضمّهما، وبالتشديد والتخفيف.
فالحجة لمن قرأه بالتاء والتشديد: أنه جعل الفعل لما لم يسمّ فاعله، ورفعهم بذلك. والحجة لمن قرأه بالياء مشدّدا أو مخففا: أنه جعل الفعل لله ﷿، فأضمره فيه لتقدّم اسمه، ونصب (الملائكة) بتعدّي الفعل إليهم. وأخذ المشدّد من نزّل، والمخفّف من أنزل.
قوله تعالى: يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ «٤». يقرأ بالياء والنون. فالحجة لمن قرأه بالياء: أنه أخبر به عن الله ﷿ لتقدّم اسمه في أول الكلام. والحجة لمن قرأه بالنون: أنه جعله من إخبار الله ﷿ عن نفسه بنون الملكوت. وقد تقدّم لذلك من الاحتجاج ما فيه بلاغ.
قوله تعالى: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ «٥». يقرأ كله بالنصب، وبالرفع، وبالنصب إلّا قوله وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ فإنه رفع. فالحجة لمن نصبه: أنه عطفه بالواو على أول الكلام فأتى به على وجه واحد. والحجة لمن رفعه: أنه جعل الواو حالا لا عاطفة كقولك: كلمت زيدا وعمرو قائم فترفع عمرا بالابتداء، وقائم خبره. وكذلك قوله:
(والشمس والقمر والنجوم) مبتدآت و(مسخرات) خبر عنهنّ. والحجة لمن رفع قوله:
(والنجوم مسخّرات): أنه لما عطف: (والشمس والقمر) على قوله: (وسخّر لكم) لم يستحسن أن يقول: وسخر النجوم مسخرات، فرفعها قاطعا لها مما قبلها.
فإن قيل: فما حجة من نصبها؟ فقل: بفعل مقدّر معناه: وجعل النجوم مسخرات.
فإن قيل: فما معنى قوله: وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ «٦» فوحّدها هنا، وقد جمع في أول الكلام؟ فقل: إنّ الله ﷿ جعل النجوم ثلاثة أصناف: منها رجوم الشياطين، ومنها ما تهتدى به كالجدي والفرقدين، ومنها مصابيح وزينة. فأمّا النجم الثّاقب فقيل: «الثريّا»
_________________
(١) القلم: ٢٨.
(٢) انظر: (النهاية في غريب الحديث والأثر). لابن الأثير ٢: ٣٣٢
(٣) النحل: ٢.
(٤) النحل: ١١.
(٥) النحل: ١٢.
(٦) النحل: ١٦.
[ ٢٠٩ ]
وقيل: المتوقّد نورا لقولهم: أثقب نارك. والنجم: القرآن لقوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى «١».
قيل: هو نزول جبريل به. والنّجم من النبات: ما لا يقوم على ساق.
قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ، وَالَّذِينَ يَدْعُونَ «٢». يقرأن بالتاء والياء وقد تقدّم من القول في مثاله ما يغني عن إعادته «٣».
قوله تعالى: تُشَاقُّونَ فِيهِمْ «٤». يقرأ بفتح النون، وكسرها. والقول فيه كالقول في قوله: فبم تبشّرون) «٥».
قوله تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ «٦» يقرأ بالياء والتاء. وقد أتينا على علّته في قوله:
فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ «٧».
قوله تعالى: تَتَوَفَّاهُمُ «٨». يقرأ بالإمالة والتفخيم. فالحجة لمن أمال: أنه دلّ على أصل الياء. والحجة لمن فخم: أنه لما زالت (الياء) «٩» عن لفظها، لانفتاح ما قبلها زالت الإمالة بزوال اللفظ.
قوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ «١٠». يقرأ بالتاء والياء على ما قدمنا من القول في أمثاله «١١».
قوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ «١٢». يقرأ بضم الياء وفتح الدال، وبفتح الياء وكسر الدال. فالحجة لمن قرأ بضم الياء: أنه أراد: لا يهدى من يضلّه الله فاسم (الله) منصوب ب (إنّ) و(يهدى) الخبر، وهو: فعل ما لم يسم فاعله و(من) في محل رفع و(يضل) صلة (من) وقد حذفت الهاء منه، لأن الهاء عائدة على «من»: ولا بدل (من)
_________________
(١) النجم: ١.
(٢) النحل: ١٩، ٢٠.
(٣) انظر مثلا ٨٢.
(٤) النحل: ٢٧.
(٥) انظر: ٢٠٦ عند قوله تعالى: فَبِمَ تُبَشِّرُونَ: الحجر: ٥٤.
(٦) النحل: ٢٨.
(٧) انظر: ١٠٨.
(٨) النحل: ٢٨.
(٩) في الأصل: التاء، والصواب ما أثبتّه.
(١٠) النحل: ٣٣.
(١١) انظر: ٨٢ وغيرها.
(١٢) النحل: ٣٧.
[ ٢١٠ ]
و(ما) و(الذي) و(التي) و(أيّ) من صلة وعائد ومعرب، لأنّهن أسماء نواقص.
والحجة لمن فتح الياء: أنه أراد: فإن الله لا يهدي من يضلّه أحد إلّا هو «١» (فيهدي):
فعل لله ﷿ و(من) في موضع نصب، بتعدّي الفعل إليه.
قوله تعالى: كُنْ فَيَكُونُ «٢». يقرأ بالرفع والنصب. فالحجة لمن رفع: أنه أراد:
فإنه يكون. والحجة لمن نصب: أنه عطفه على قوله: (أن نقول له)، ومثلها التي في آخر (يس) «٣».
قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ «٤»، أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ «٥»، أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ «٦». يقرأن بالتاء والياء. فالحجة لمن قرأهن بالتاء: أنه أراد: معنى مخاطبتهم وتقريرهم بآيات الله، وبدائع خلقه. والحجة لمن قرأهن بالياء: أنه جعل الألف للتوبيخ، فكأنه قال موبّخا لهم: ويحهم! كيف يكفرون بالله وينكرون البعث ويعرضون عن آياته وهم يرون الطير مسخرات، وما خلق الله من شجر ونباتا، وما بدأه من الخلق؟
أفليس من خلق شيئا من غير شيء، فأنشأه، وكوّنه، ثم أماته، فأفناه قادرا على إعادته بأن يقول له: عد إلى حالتك الأولى؟.
قوله تعالى: يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ «٧». يقرأ بالياء والتاء. فالحجة لمن قرأ بالتاء: أنه جمع (ظل)، وكلّ جمع خالف الآدميين، فهو مؤنث، وإن كان واحده مذكّرا. ودليله، قوله ﷿ في الأصنام: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ «٨» فأنّث لمكان الجمع. والحجة لمن قرأه بالياء: أنه وإن كان جمعا فلفظه لفظ الواحد، كقولك جدار، وعذار، ولذلك ناسب جمع التكسير الواحد، لأنه معرب بالحركات مثله.
_________________
(١) أي: لا يرشد من أضله، وهذه قراءة ابن مسعود، وأهل الكوفة. انظر: (تفسير القرطبي ١٠: ١٠٤).
(٢) النحل: ٤٠.
(٣) يس: ٨٣.
(٤) النحل: ٤٨.
(٥) الملك: ١٩.
(٦) العنكبوت: ١٩.
(٧) النحل: ٤٨.
(٨) إبراهيم: ٣٦.
[ ٢١١ ]
فإن قيل: (أجاز) «١» مثل ذلك في قوله أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ «٢»؟ فقل:
هذا لا يلزم، وإن كانا جمعين، لأن علامة التأنيث في قوله: (الظلمات) موجودة وفي قوله: (ظلال) معدومة.
قوله تعالى: إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ «٣». يقرأ بالياء وفتح الحاء وبالنون وكسر الحاء.
وقد ذكر ذلك مع أمثاله «٤».
قوله تعالى: وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ «٥». يقرأ بفتح الراء وكسرها. فالحجة لمن فتح: أنه جعلهم مفعولا بهم لما لم يسمّ فاعله. ومعناه: منسيون من الرحمة، وقيل: مقدمون إلى النار.
والحجة لمن كسر: أنه جعل الفعل لهم. وأراد: أنهم فرّطوا في الكفر والعدوان، فهم مفرطون. والعرب تقول: أفرط فلان في الأمر: إذا قصّر وإذا جاوز الحد.
قوله تعالى: نُسْقِيكُمْ «٦». يقرأ بضم النون وفتحها هاهنا وفي المؤمنين «٧». وهما لغتان بمعنى سقى وأسقى. وأنشد:
سقى قومي بني مجد وأسقى نميرا والقبائل من هلال
«٨» وقال قوم: سقيته ماء بغير ألف. ودليله قوله: وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا «٩» وأسقيته بالألف: سألت الله أن يسقيه. وقال آخرون: ما كان مرّة واحدة فهو بغير ألف وما كان دائما فهو بالألف.
قوله تعالى: يَوْمَ ظَعْنِكُمْ «١٠». يقرأ بتحريك العين وإسكانها. فالحجة لمن حرّك العين
_________________
(١) في الأصل: فأجز، والصواب ما ذكرته.
(٢) الرّعد: ١٦.
(٣) النحل: ٤٣.
(٤) انظر: ٩٦ عند قوله تعالى يُبَيِّنُها.
(٥) النحل: ٦٢.
(٦) النحل: ٦٦.
(٧) المؤمنون: ٢١.
(٨) نسبه في «اللسان» للبيد: انظر: مادة: سقى.
(٩) الإنسان: ٢١.
(١٠) النحل: ٨٠.
[ ٢١٢ ]
فلأنها من حروف الحلق. والحجة لمن أسكن: أنه أراد المصدر. ومثله: طعنته بالرمح طعنا.
قوله تعالى: وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا «١». يقرأ بالياء والنون. فالحجة لمن قرأه بالياء:
أنه ردّه على قوله: (ما عندكم ينفد، وما عند الله باق، ولنجزين). والحجة لمن قرأه بالنون: أنه أراد: أن يأتي بأول الكلام محمولا على آخره، فوافق بين قوله تعالى: وَلَنَجْزِيَنَّ وقوله: فَلَنُحْيِيَنَّهُ «٢» وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ «٣».
قوله تعالى: يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ «٤». يقرأ بضم الياء وفتحها. وقد ذكرت علته فيما سلف «٥».
قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا «٦». يقرأ بفتح التاء، وبضم الفاء وكسر التاء. فالحجة لمن فتح: أنه جعل الفعل لهم. والحجة لمن ضم الفاء أنه دل بذلك على بناء ما لم يسم فاعله.
ومعناه: أن (عمار بن ياسر) «٧» وجماعة من أهل مكة أرادهم كفار قريش على الكفر وأكرهوهم، فقالوا بألسنتهم، وقلوبهم مطمئنة بالإيمان ثم هاجروا إلى المدينة فأخبر الله ﷿ عنهم بما كان من إضمارهم ومن إظهارهم. والحجة لمن جعل الفعل لهم: أن ذلك كان منهم قبل الإسلام فمحا الإسلام ما قبله.
قوله تعالى: وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ «٨». يقرأ بفتح الضاد وكسرها. وقد ذكرت حجته آنفا «٩» وقلنا فيه: ما قاله أهل اللغة.
والاختيار هاهنا: الفتح، لأن الضّيق بالكسر: في الموضع، والضّيق بالفتح: في المعيشة. والذي يراد به هاهنا: ضيق المعيشة، لا ضيق المنزل.
_________________
(١) النحل: ٩٦.
(٢) النحل: ٩٧.
(٣) النحل: ٩٧.
(٤) النحل: ١٠٣.
(٥) انظر: ١٦٧.
(٦) النحل: ١١٠.
(٧) عمّار بن ياسر: انظر: (أسد الغابة ٤: ٤٣) وانظر: (صفة الصّفوة ١: ١٧٥).
(٨) النحل: ١٢٧.
(٩) انظر: ١٤٩.
[ ٢١٣ ]