قوله تعالى: عسق «١». أجمع القراء على إدغام النون في القاف، وبينهما متباعد في المخرج، وأظهر «حمزة» النون عند الميم في طسم «٢». فالحجة في الإظهار:
أنّ الميم قد أفردت من السين في أول سورة (النّمل)، وألحقت بها في أول (الشعراء) و(القصص) فبيّن «٣» فيهما ليعلم أن الميم زائدة على هجاء السين، ولم تنفرد السين من القاف فيحتاج في ذلك إلى فصل، فبنى فيه الكلام على الأصل «٤»، والنون تدغم عند الميم وتخفى عند القاف، والمخفي بمنزلة المظهر، فلما ثقل عليه التشديد وكرهه في
(طسم) أظهر، ولما كان المخفي بمنزلة المظهر لم يحتج إلى إظهار ثان.
قوله تعالى: كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ «٥». يقرأ بكسر الحاء وفتحها. فالحجة لمن كسر: أنه جعله فعلا لله ﷿ فرفع لفظ الاسم بفعله. والحجة لمن فتحها: أنه جعل الفعل مبنيا لما لم يسمّ فاعله، ورفع اسم الله تعالى بدلا من الضمير الذي في الفعل، أو بإعادة فعل مضمر، أو بإضمار اسم مبتدأ يكون اسم الله تعالى خبرا له.
قوله تعالى: يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ «٦». يقرأ بالياء والتاء فيه، وفي «تكاد» والنون مع التاء، والياء والتخفيف، وبالتاء في مكان النون بعد التاء، والياء والتشديد. وتقدّم شرح جميع علل ذلك في سورة مريم بما يغني عن إعادة قول فيه «٧».
قوله تعالى: وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ «٨» يقرأ بالتاء والياء على ما قدّمناه في أمثاله.
قوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ «٩». اتفقت المصاحف على حذفها خطّا. واختلف القرّاء في اللفظ بها.
_________________
(١) الشورى: ٢.
(٢) الشعراء: ١.
(٣) بيّن: أظهر.
(٤) في الأصل من غير أداة التعريف.
(٥) الشورى: ٣.
(٦) الشورى: ٥.
(٧) انظر: ٢٣٩.
(٨) الشورى: ٢٥.
(٩) الشورى: ٣٢.
[ ٣١٨ ]
فمنهم من أثبتها وصلا ووقفا، واحتج: أنه إنما كان حذفها لمقارنة التنوين فلما زال التنوين بدخول الألف واللام عادت إلى أصلها.
ومنهم من حذفها وقفا وأثبتها وصلا ليكون متبعا للخط وقفا، وللأصل وصلا.
ومنهم من حذفها وقفا ووصلا. واحتج بأن النكرة الأصل، والمعرفة فرع عليها، فلما حذفت الياء في النكرة لمقارنة التنوين، ثم لما دخلت الألف واللام دخلتا على شيء قد حذف أصلا، فلم يعيداه لأن الأصل أقوى من الفرع.
قوله تعالى: وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ «١». يقرأ بالنصب والرفع. فالحجة لمن نصب:
أنه صرفه عن المجزوم، والنّصب بالواو عند الكوفيين، وبإضمار «أن» عند البصريين.
ودليل ذلك قوله تعالى: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ «٢» بالنصب والحجة لمن رفع: أنه استأنف بالواو لتمام الشرط والجزاء بابتدائه وجوابه.
قوله تعالى: كَبائِرَ الْإِثْمِ «٣». يقرأ بالتوحيد والجمع،. فالحجة لمن وحّد: أنه أراد:
به الشرك بالله فقط، لأن الله تعالى أوجب على نفسه غفران ما سواه من الذنوب، ولذلك سماه ظلما عظيما. والحجة لمن جمع: أنه أراد بذلك: الشرك، والقتل، والزّنا، والقذف، وشرب الخمر، والفرار من الزّحف، وعقوق الوالدين، فذلك سبع.
وقال: «ابن عباس» «٤»: هي إلى سبعين أقرب منها إلى سبع. وقيل: هي من أول «النساء» إلى قوله: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ وإذا ثبت أنّ أكبر المعاصي الشرك بالله، فأكبر الطاعات الإيمان بالله، وهو: الإقرار باللسان، والتصديق بالقلب. وقيل:
أكبر من الشرك ما ادّعاه فرعون لنفسه من الربوبية. وقيل: إذا اجتمعت صغائر الذنوب صارت كبيرة.
قوله تعالى: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ «٥». يقرءان بالرفع والنصب. فالحجة لمن رفع:
أنه استأنف ب (أو) فخرج من النصب إلى الرفع. والحجة لمن نصب أنه عطفه على معنى قوله: (إلّا وحيا)، لأنه بمعنى: أن يوحي. إليه أو يرسل رسولا، فيوحى، فيعطف
_________________
(١) الشورى: ٣٥.
(٢) آل عمران: ١٤٢.
(٣) الشورى: ٣٧.
(٤) انظر: ٢٤٢.
(٥) الشورى: ٥١.
[ ٣١٩ ]
بعضا على بعض ب (أو) وبالفاء. ومعنى قوله: (إلّا وحيا) يريد: إلهاما، أو من وراء حجاب، كما كلّم موسى، أو يرسل رسولا يريد به: جبريل ﷺ، وعلى جميع النبيين والملائكة والمقرّبين.