قوله تعالى: عالِمِ الْغَيْبِ «١١» يقرأ «علّام الغيب» و«عالم الغيب» بالخفض وعالم بالرفع. فالحجة لمن خفض: أنه جعله وصفا لقوله: (بلى وربي) «١٢» لأنه مخفوض بواو القسم. فأما علّام فهو أبلغ في المدح من عالم وعليم. ودليله قوله في آخرها: «قُلْ إِنَّ رَبِّي
_________________
(١) الأحزاب: ٥١.
(٢) انظر: ١٥٩ عند قوله تعالى: أَرْجِهْ وَأَخاهُ.
(٣) الأحزاب: ٥٢.
(٤) انظر: التيسير: ١٧٩.
(٥) الأحزاب: ٥٣.
(٦) انظر: ٧١.
(٧) الأحزاب: ٦٧
(٨) أي سادات بألف بعد الدّال مع كسر التاء، وهي قراءة ابن عامر: (التيسير ص: ١٧٩).
(٩) الأحزاب: ٦٨.
(١٠) انظر: ٩٦ عند قوله تعالى: قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ.
(١١) سبأ: ٣.
(١٢) الآية نفسها.
[ ٢٩١ ]
يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ «١». وقيل: بل شدد دلالة على التكثير، لأنه مضاف إلى جمع.
والحجة لمن قرأه بالرفع: أنه جعله خبر ابتداء محذوف، معناه: هو عالم الغيب.
قوله تعالى: لا يَعْزُبُ «٢» يقرأ بضم الزاي وكسرها وقد ذكر «٣».
قوله تعالى: مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ «٤» يقرأ بالخفض والرفع. فالحجة لمن خفض: أنّه جعله وصفا للرجز. والحجة لمن رفع: أنه جعله وصفا لقوله: (لهم عذاب). ومعنى: (أليم):
مؤلم موجع.
قوله تعالى: إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ «٥»، أَوْ نُسْقِطْ «٦» يقرءان بالنون والياء. فالحجة لمن قرأ بالنون: أنه جعله من إخبار الله تعالى عن ذاته. والحجة لمن قرأ بالياء: أنه جعله من إخبار النبي ﷺ عن ربه ﷿. واتفق القراء على إظهار الفاء عند (الباء) «٧» إلا ما قرأه (الكسائي) مدغما. وحجته: أن مخرج الباء من الشفتين، ومخرج الفاء من باطن الشفة السفلى، وأطراف الثنايا العلى، فاتفقا في المخرج للمقاربة إلا أن في الفاء تفشيا يبطل الإدغام. فأما إدغام الباء في الفاء فصواب.
قوله تعالى: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ «٨» اتفاق القراء على نصب الريح إلا ما رواه «أبو بكر» «٩» عن «عاصم» بالرفع. فالحجة لمن نصب: إضمار فعل معناه: وسخرنا لسليمان الريح «١٠».
فأما الحجة «لعاصم» فإنه رفعه بالابتداء «ولسليمان» الخبر.
_________________
(١) سبأ: ٤٨.
(٢) : ٣.
(٣) انظر: ١٥٧.
(٤) سبأ: ٥.
(٥) سبأ: ٩.
(٦) سبأ: ٩.
(٧) في قوله تعالى: نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ.
(٨) سبأ: ١٢.
(٩) انظر: ٨٢.
(١٠) يرد بهذه الآية أبو عمرو بن العلاء على عيسى بن عمر، لأن عيسى كان يقرأ «يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ» على النداء، وقال أبو عمرو: لو كانت على النداء لكانت رفعا ولكنها على إضمار: «وَسَخَّرْنا» الطير لقوله على أثر هذا: «وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ» أي سخرنا الريح. انظر: (طبقات الشعراء لابن سلام ١٤) المطبعة المحمودية.
[ ٢٩٢ ]
قوله تعالى: كَالْجَوابِ «١» اتفق القرّاء على حذف الياء في الوقف إلا (ابن كثير) فإنه أثبتها على الأصل.
قوله تعالى: تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ «٢» يقرأ بالهمز وتركه. فالحجة لمن همز: أنه أتى باللفظ على أصل الاشتقاق، لأن العصا سميت بذلك، لأن الراعي ينسئ بها الإبل عن الحوض أي يؤخرها. والحجة لمن ترك الهمز: أنه أراد التخفيف.
قوله تعالى: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ «٣». يقرأ (سبأ) بالإجراء وتركه. وقد ذكرت علله في سورة النمل «٤». و(في مساكنهم) يقرأ بالتوحيد والجمع. فالحجة لمن وحد: أنه اجتزأ بالتوحيد من الجمع. والحجة لمن جمع: أنه جعل كل موضع منهما مسكنا.
قوله تعالى: ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ «٥». أجمع القراء فيه على التنوين إلا (أبا عمرو) فإنه أضاف. فالحجة لمن نوّن: أنه جعل (الخمط) و(الأثل) بدلا من الأكل، وهو هو في المعنى، ولذلك كرهوا إضافته، لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه. والحجة لأبي عمرو: أنه جعل الأكل أشياء كثيرة، و(الخمط) جنسا من المأكولات، فأضاف كما يضيف الأنواع إلى الأجناس. و(الخمط): ثمر الأراك فأمّا (أكل) فيقرأ بضم الكاف على الأصل وإسكانها تخفيفا.
قوله تعالى: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ «٦». أجمع القراء على ضم الفاء دلالة على بناء ما لم يسم فاعله إلا (ابن عامر) فإنه فتحها دلالة على بناء الفعل للفاعل وهو الله ﷿ «٧».
ومعنى ذلك: أن الملائكة لما سمعت صليل الوحي إلى محمد ﷺ بعد الفترة التي كانت بينه وبين عيسى ﵇، فزعت له خوفا من قيام الساعة فقالوا: ماذا قالَ رَبُّكُمْ؟ «٨» فأجيبوا قالُوا الْحَقَّ «٩» أي: قال ربكم: الحق.
_________________
(١) سبأ: ١٣.
(٢) سبأ: ١٤.
(٣) سبأ: ١٥.
(٤) انظر: ٢٧٠.
(٥) سبأ: ١٦.
(٦) سبأ: ٢٣.
(٧) وتقرأ بفتح الفاء والزاي مشددة انظر: (شرح ابن القاصح على الشاطبية: ٢٨٣).
(٨) سبأ: ٢٣.
(٩) سبأ: ٢٣
[ ٢٩٣ ]
قوله تعالى: وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ «١». يقرأ بالياء وفتح الزاي. وبالنون وكسر الزاي. فالحجة لمن قرأه بالياء والفتح: أنه جعله فعل ما لم يسم فاعله فرفع لذلك الكفور.
والحجة لمن قرأه بالنون: أنه جعل الفعل لله ﷿ وعدّاه إلى (الكفور) فنصبه به «٢».
و(هل) يجيء في الكلام على أربعة أوجه: يكون جحدا كقوله: (وهل يجازى إلا الكفور). ودليل ذلك مجيء التحقيق بعدها. وتكون استفهاما كقوله: هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ «٣». ويكون أمرا كقوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ «٤». ويكون بمعنى «قد» كقوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ «٥».
قوله تعالى: رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا «٦». يقرأ بتشديد العين وكسرها من غير ألف، وبالتخفيف وإثبات الألف بين الباء والعين. فالحجة لمن شدّد: أنه أراد: التكرير يعني بعد بعد وهو ضد: القرب. والحجة لمن أدخل الألف وخفف: أنه استجفى أن يأتي بالعين مشددة فأدخل الألف، وخفف، كقوله تعالى: عَقَّدْتُمُ «٧» و(عاقدتم).
وقد ذكرت علله هناك بأبين من هذا، وهما في حال التشديد والتخفيف عند الكوفيين مجزومان بلام مقدرة، حذفت مع حرف المضارعة. وعند البصريين مبنيا على معنى الطّلب بلفظ الأمر على ما وجب للفعل في الأصل.
قوله تعالى: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ «٨». يقرأ بتشديد الدّال وتخفيفها. ومعناهما قريب وذلك أن إبليس لعنه الله قال: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ «٩» ظانا لذلك،
_________________
(١) سبأ: ١٧.
(٢) قال ابن قتيبة في معرض وجوه الخلاف في القراءات: إنه قد يكون الاختلاف في إعراب الكلمة أو في حركة بنائها بما لا يزيلها عن صورتها في الكتاب ولا يغير معناها نحو قوله تعالى: وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ وهل يجازي إلّا الكفور. انظر: (تأويل مشكل القرآن ٢٨، ٢٩).
(٣) الشعراء: ٧٢
(٤) المائدة: ٩١
(٥) الإنسان: ١
(٦) سبأ: ١٩.
(٧) المائدة ٨٩.
(٨) سبأ: ٢٠.
(٩) النساء: ١١٩.
[ ٢٩٤ ]
لا متيقنا فلما تابعه عليه من سبقت له الشقوة عند الله ﷿ صدّق ظنّه عليهم.
قوله تعالى: إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ «١». يقرأ بضم الهمزة دلالة على ما لم يسم فاعله، ونصبها إخبارا بالفعل عن الله ﷿.
قوله تعالى: وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ «٢». يقرأ بالتوحيد والجمع. فالحجة لمن وحّد: أنه اجتزأ بالواحد عن الجمع كقوله تعالى: وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها «٣» يريد به الملائكة. والحجة لمن جمع قوله تعالى: لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ «٤». وكلّ صواب اللفظ، قريب المعنى.
قوله تعالى: وَأَنَّى لَهُمُ «٥» يقرأ بالتفخيم على الأصل، وبالإمالة لمكان الياء، وبين بين، تعديلا بين اللغتين.
قوله تعالى: التَّناوُشُ «٦». يقرأ بتحقيق الهمزة وإبداله. فالحجة لمن همز: أنه أراد:
التباعد. والحجة لمن ترك الهمز: أنه أراد: التناول. وأنشد (لرؤبة) «٧» في الهمز الذي هو بمعنى البعد قوله:
كم ساق من دار امرئ جحيش إليك ناش القدر النّئوش
«٨» وأنشد لغيره في ترك الهمز الذي هو بمعنى: التناول قوله:
فهي تنوش الحوض نوشا من علا نوشا به تقطع أجواز الفلا
«٩»
_________________
(١) سبأ: ٢٣.
(٢) سبأ: ٣٧.
(٣) الحاقة: ١٧.
(٤) الزمر: ٢٠.
(٥) سبأ: ٥٢.
(٦) سبأ: ٥٢.
(٧) انظر: ١١٩.
(٨) البيت من قصيدة، يمدح بها الحارث أوّلها: عاذل قد أطعت بالترقيش إليّ سرا فاطرقي، وميشي انظر: (ديوان رؤية بن العجاج ٣: ٧٧ من مجموع أشعار العرب). وانظر: (لسان العرب مادة: جحش). الجحيش: الشق والناحية. ورجل جحيش المحلّ: إذا نزل ناحية عن الناس ولم يختلط بهم. النأش: الأخذ والبطش. والنئوش: القوي القلب
(٩) لعيلان بن حريث كما جاء في اللسان، والضمير للإبل، من علا: أي من فوق يريد أن الإبل، عالية الأجسام.
[ ٢٩٥ ]
من سورة فاطر
قوله تعالى: هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ «١». يقرأ بالرفع والخفض. فالحجة لمن رفع:
أنه أراد: هل غير الله من خالق أو يجعله نعتا لخالق قبل دخول (من) أو يجعل (هل) بمعنى (ما) و(غيرا) بمعنى: إلّا كقوله: ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ «٢». والحجة لمن خفض:
أنه جعله نعتا لخالق، أراد: هل من خالق غير الله يرزقكم.
قوله تعالى: كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ «٣». يقرأ بضم الياء وفتح الزاي والرفع، وبالنون مفتوحة وكسر الزاي والنصب. فالحجة لمن ضم: أنه دلّ بالفعل على بنائه لما لم يسمّ فاعله، فرفع ما أتى بعده به. والحجة لمن قرأه بالنون والفتح: أنه أراد: حكاية ما أخبر الله ﷿ عن نفسه، ونصب قوله: (كل كفور) بتعدّي الفعل إليه.
قوله تعالى: يَدْخُلُونَها «٤». يقرأ بفتح الياء وضم الخاء، وبضم الياء وفتح الخاء.
فالحجة لمن قرأه بفتح الياء: أنه جعل الدخول فعلا لهم، والتّحلية إلى غيرهم ففرّق بين الفعلين لهذا المعنى. والحجة لمن قرأه بضم الياء: أنه جعله فعل ما لم يسم فاعله وزاوج بذلك بين هذا الفعل وبين قوله: يدخلونها، ويحلون، ليشاكل بذلك بين اللفظين.
قوله تعالى: وَلُؤْلُؤًا «٥». يقرأ بالهمز، وتركه، وبالنصب والخفض. وقد ذكر بجميع وجوهه في سورة الحج «٦».
قوله تعالى: فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ «٧». يقرأ بالتوحيد والجمع. فالحجة لمن وحّد: قوله
_________________
(١) طويلة الأعناق، وهذا النوش الذي ترتوي به يعينها على قطع الفلوات. والأجواز: الوسط: انظر: (معاني القرآن للفراء ٢: ٣٦٥. اللسان: مادة: نوش. شرح المفصل ٤: ٨٩. والكتاب لسيبويه ٢: ٢٣).
(٢) فاطر: ٣.
(٣) الأعراف: ٥٩.
(٤) فاطر: ٣٦.
(٥) فاطر: ٣٣.
(٦) فاطر: ٣٣
(٧) انظر: ٢٥٢
(٨) فاطر: ٤٠
[ ٢٩٦ ]
فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ «١». والحجة لمن قرأه بالجمع أنه وجده مكتوبا في السّواد بالتاء فأخذ بما وجده في الخط.
وفرق بينهما بعض أهل النظر بفرقان مستحسن: فقال من وحّد، أراد: الرسول ﵇ ودليله: قوله تعالى: حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ «٢». ومن جمع أراد:
القرآن، ودليله: قوله تعالى: وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ «٣».
قوله تعالى: وَمَكْرَ السَّيِّئِ «٤» أجمع القراء فيه على كسر الياء وخفض الهمزة إلّا ما قرأه (حمزة) بوقف الهمزة كالجزم في الفعل، وإنما فعل ذلك تخفيفا للحرف لاجتماع الكسرات وتواليها مع الهمزة، كما خفّف (أبو عمرو) في قوله: بارِئِكُمْ «٥».
فإن قيل: فهلّا فعل في الثاني «٦» كما فعل في الأول؟ فقل: لم تتوال الكسرات في الثاني، كما توالت في الأوّل، لأنه لما انضمت الهمزة للرفع زال الاستثقال، فأتى به على أصل ما أوجبه الإعراب له من الرفع. فاعرف حجته في ذلك فقد نسب إلى الوهم.